«فصل الإخوان».. قانون تجريم النوايا
في محاولة لإضفاء شرعية دستورية على التعديلات التي أقرها مجلس النواب على قانون «الفصل بغير الطريق التأديبي»، والذي عُرف إعلاميًا بقانون «فصل الإخوان»، قال رئيس المجلس المستشار الدكتور حنفي جبالي إن «التعديلات ستجد طريقًا دستوريًا»، موضحًا أن المادة 14 من الدستور تركت الفصل بغير الطريق التأديبي للأحوال التي ينظمها القانون.
وتنص المادة (14) من دستور 2014 على أن «الوظائف العامة حق للمواطنين على أساس الكفاءة، ودون محاباة أو وساطة، وتكليف للقائمين بها لخدمة الشعب، وتكفل الدولة حقوقهم وحمايتهم، وقيامهم بأداء واجباتهم فى رعاية مصالح الشعب، ولا يجوز فصلهم بغير الطريق التأديبى، إلا فى الأحوال التي يحددها القانون».
فقهاء القانون عرّفوا المخالفة التأديبية على أنها «كل فعل أو امتناع عن فعل يرتكبه العامل ويجافي واجبات منصبه»، واشترط هؤلاء توافر ركنان لثبوت الجريمة التاديبية، الأول مادي ويتمثل في الفعل أو الامتناع الذي يرتكبه الموظف إخلالًا بواجبات وظيفته وينبغي أن يكون هذا الركن محددًا وله وجود ظاهر وملموس لأن القانون لا يعاقب على مجرد النوايا، والركن الآخر معنوي ويتمثل في أن الإخلال بالواجبات الوظيفية يجب أن يصدر عن إرادة آثمة، أي أن يكون الموظف مدركًا للخطأ أو المخالفة التي ارتكبها.
خلال الجلسة التي وافق فيها مجلس النواب -من حيث المبدأ- على مواد القانون الذي يستهدف كما شرح مقدموه «فصل الموظفين الإخوان والعناصر الخطرة والإرهابية من الجهاز الإداري للدولة»، حاول نواب حزبي «التجمع» و«المصري الديمقراطي الاجتماعي»، إقناع زملائهم من باقي أعضاء المجلس بأن القانون به شبهة عدم دستورية، وأنه سيكون «أداة للتنكيل والكيدية عند تطبيقه».
وحذر نواب الحزبين رئيس المجلس وأعضائه من الموافقة على قانون لا يختلف عن القوانين سيئة السمعة التي تستهدف المخالفين في الرأي وتم إقرارها في مجالس سابقة، بحسب كلمة نائب «التجمع» عاطف مغاوري.
أما نائبة «المصري الديمقراطي» مها عبد الناصر فقد أوضحت أن القانون يخالف الدستور الذي كفل حرية الرأي والتعبير، «الاعتماد على التقارير شيء مقلق خصوصًا أن هناك توسعًا شديدًا في الفئات المخاطبة من صغار الموظفين وكبار الموظفين، دون وجود تدرج في توقيع العقوبة»، مشيرة إلى أنه لا توجد ضمانة على أن كل من سيطبق عليهم القانون هم إرهابيون بالدليل القاطع. وتساءلت «ما الذي سيمنع أن يكون القانون سيفًا في يد الرؤساء لتطبيقه على المرؤوسين»، محذرة من أن يكون القانون أداة ضد أي معارض.
رئيس «النواب» رد خلال تلك الجلسة على معارضي القانون قائلًا «هذا القانون أداة إبعاد الموظف أو العامل الخطر الذي يمثل خطورة على بيئة العمل دون المساس بضمانات اللجوء للقضاء، وحقه في المعاش، ومكافأة نهاية الخدمة، حتى لا تقول المناقشات إنه خارج نطاق الدستور».
اللافت في الأمر أن رئيس البرلمان المستشار حنفي جبالي الذي حاول دسترة قانون يعاقب العامل على النوايا ويحاسب على الأفكار الباطنة ويخالف مواد الدستور وحقوق ومعايير العمل الدولية، هو نفسه المستشار حنفي علي جبالي رئيس هيئة المفوضين بالمحكمة الدستورية العليا والذي شارك قبل 22 سنة في إصدار حُكم بعدم دستورية المادة (48 مكرر) من القانون رقم 182 لسنة 1960 والخاص بمكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها.
في عام 1998 أصدرت «الدستورية العليا» برئاسة المستشار عوض المر حُكمًا بقبول الطعن في الدعوى رقم 49 لسنة 17 قضائية على المادة المشار إليها، والتي أقامها مسجل شقي خطر سبق ضبطه في 11 قضية مخدرات، بعد أن قررت المحكمة الجزئية إيداعه إحدى المؤسسات الاجتماعية لمدة سنة كتدبير احترازي، رغم عدم إتيانه فعل مجرم جديد يمكن عقابه عليه.
وتنص المادة المطعون عليها بأن «تصدر المحكمة الجزئية المختصة قرارًا باتخاذ بعض التدابير على من سبق الحكم عليه أكثر من مرة أو اُتهم لأسباب جدية أكثر من مرة في إحدى الجنايات المنصوص عليها في هذا القانون».
وقضت المادة بأن تُنفذ التدابير إما بالإيداع في إحدى مؤسسات العمل التي يحددها وزير الداخلية، أو تحديد الإقامة في جهة معينة، أو منع الإقامة في جهة معينة، أو الإعادة إلى الموطن الأصلي، أو حظر التردد على أماكن أو محال معينة، أو الحرمان من ممارسة مهنة أو حرفة معينة، وفي حال مخالفة المتهم التدبير المحكوم بها، يحكم عليه بالحبس.
المحكمة الدستورية قضت في الحكم الذي صدر بعد الاطلاع على تقرير هيئة المفوضين الذي قدمه المستشار حنفي جبالي بصفته حينها رئيس الهيئة بعدم دستورية تلك المادة، واستفاضت في شرح وتسبيب قبولها الطعن على قاعدة أن العقوبات يجب أن تكون مقرونة بالفعل والإرادة وليس النوايا، وأن توقيع العقوبة على أي مواطن نظرًا لسوابق أفعاله فقط، يخالف ضمانات المحاكمة العادلة ومبدأ البراءة الذي هو أصل في الإنسان.
وقالت المحكمة في حيثيات حكمها البليغ المؤسس إن الدستور الذي نص على أنه «لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لصدور القانون الذي ينص عليها»، قد دل على أن لكل جريمة ركنًا ماديًا لا قوام لها بغيره، يتمثل أساسًا في فعل أو امتناع وقع بالمخالفة لنص عقابي، مفصحًا بذلك عن أن ما يركن إليه القانون الجنائي ابتداء في زواجره ونواهيه، هو مادية الفعل المؤاخذ على ارتكابه، إيجابيًا كان هذا الفعل أم سلبيًا، ذلك أن العلائق التي ينظمها هذا القانون في مجال تطبيقه على المخاطبين بأحكامه، محورها الأفعال ذاتها، في علاماتها الخارجية، ومظاهرها الواقعية، وخصائصها المادية، إذ هي مناط التأثيم وعلته، وهي التي يتصور إثباتها ونفيها، وهي التي يتم التمييز على ضوئها بين الجرائم بعضها البعض، وهي التي تديرها محكمة الموضوع على حكم العقل لتقييمها وتقدير العقوبة المناسبة لها.
وشدد الحكم على أن النوايا وحدها لا تكفي لتوقيع العقوبة ولا يمكن اعتبارها جرمًا في حد ذاتها، حيث يجب أن يتوفر الركن المادي والدليل، «لا يتصور بالتالي وفقًا لأحكام الدستور أن توجد جريمة في غيبة ركنها المادي، ولا إقامة الدليل على توافر علاقة السببية بين مادية الفعل المؤثم والنتائج التي أحدثها بعيدًا عن حقيقة هذا الفعل ومحتواه، بما مؤداه أن كل مظاهر التعبير عن الإرادة البشرية -وليس النوايا التي يضمرها الإنسان في أعماق ذاته- تعتبر واقعة في منطقة التجريم، كلما كانت تعكس سلوكًا خارجيًا مؤاخذًا عليه قانونًا. فإذا كان الأمر غير متعلق بأفعال أحدثتها إرادة مرتكبها، وتم التعبير عنها خارجيًا في صورة مادية لا تخطئها العين، فليس ثمة جريمة».
وأضاف الحكم أن «مصائر الناس لا يجوز أن تُعلق على غير أفعالهم التي يسألون عن حسنها أو قبحها؛ وكان اتهامهم ولو كان جديًا ومتتابعًا، لا يعدو أن يكون شبهة قد لا يكون لها من ساق، ولا يجوز بالتالي أن يردهم النص المطعون فيه جميعًا إلى دائرة الخطورة الاجتماعية، ويلصقها دومًا بهم، أيا كان مصير الاتهام الموجه إليهم، بل ولو قضى ببراءتهم، ليكون لغوًا وافتئاتًا على الحرية الشخصية في جوهر خصائصها».
وشددت المحكمة على أنه لا يجوز أن يتعرض الشخص لخطر ملاحقته باتهام جنائي أكثر من مرة عن الجريمة عينها، ولا أن تعيد الدولة بكل سلطاتها ومواردها محاولتها إدانته عن جريمة تدعى ارتكابه لها -ولو من خلال خطورة إجرامية تعتبرها جريمة في ذاتها، وتلحقها بها- لأنها إذ تفعل، فإنما تبقيه قلقًا مضطربًا، مهددًا بنزواتها، تمد إليه بأسها حين تريد، ليغدو محاطًا بألوان من المعاناة لا قبل له بها.
أعلم أني أطلت في النقل والاقتباس من حكم «الدستورية»، لكنني وبحق مأخوذ مما سطره قضاة المحكمة برئاسة المستشار الراحل عوض المر من حيثيات تنتصر لمبادئ الحرية والبراءة والعدالة واحترام الدستور وكرامة البشر، لكنني أيضًا مندهش من أن المستشار حنفي علي جبالي رئيس هيئة مفوضي المحكمة الدستورية العليا التي قدمت التقرير الذي بُني عليه هذا الحكم، هو ذاته رئيس مجلس النواب الذي دافع عن قانون يعاقب الموظفين على نواياهم وأفكارهم ويفتح الباب أمام الدسائس والكيدية، ويجعل كل من يعارض أو يخالف ليس السلطة فقط بل رئيسه أو مديره في العمل داخل دائرة الاشتباه.
الواقع أن القانون الذي تم إقراره بدعوى الحفاظ على الأمن القومي المصري وضمانًا لحسن أداء الوظيفة العامة، سيحول المؤسسات والمصالح الحكومية إلى دار للفتن والمكائد وإطلاق الشائعات، فكل من يضُمر لزميله رئيسًا كان أم مرؤوس شرًا فسيصمه بأنه «إخوان، معادي للدولة، ويسعى إلى تخريب مؤسساتها».
لم يضع السادة نواب المجلس الموقر وهم يطرحون مواد القانون أية اعتبارات إنسانية أو اجتماعية أو حتى أمنية، لم يفكروا في مصائر المفصولين الذين لن يجدوا مصادر رزق بديلة، فمن الذي سيقبل توظيف عامل أدانته الدولة -دون محاكمة عادلة- وأقرت بأنه ينتمي إلى جماعة إرهابية محظورة، لم يسأل هؤلاء النواب أنفسهم قبل أن يوافقوا على هذا التشريع كيف ستعيش أسر المفصولين الموصومين بـ «الإرهاب»، وهل المعاش الذي لا يساوي عادة ربع دخل الموظف ونص مشروع القانون على أحقية العامل فيه هل يكفي لسداد تكاليف معيشة تلك الأسر.
هؤلاء المفصولون، سينبذهم قطعًا المجتمع، وسيتنكر لهم أقرب الناس إليهم، فمن سيقبل أن يضع نفسه في دائرة «إرهابي» بشهادة رسمية من الدولة؟ في تلك الظروف الاقتصادية والاجتماعية والنفسية التي ستحيط بهؤلاء ألم يفكر السادة النواب أنهم سيحولونهم بقصد أو بدون إلى مجرمين إرهابيين نية وفعلًا وإرادة، بعد أن تكون السبل قد سدت أمامهم، ولا يوجد لديهم سوى الانتحار والانفجار في وجه المجتمع والدولة التي خنقتهم وأغلقت أمامهم أبواب الرزق والحياة الكريمة.
لم يفكر هؤلاء في أبعاد الأمن القومي والسلام الاجتماعي لدولة قرر نوابها معاقبة عشرات الآلاف بالإقصاء والجوع استنادًا على نواياهم وليس أفعالهم، نحن نتحدث عن نحو 250 ألف عضو إخواني تنظيمي ومثلهم من المحبين والمتعاطفين، بحسب تصريحات الدكتور محمد حبيب نائب مرشد الجماعة المستقيل، هذا فضلًا عن المعارضين والمخالفين الذين تلاحقهم مؤخرًا تهمة «مشاركة جماعة إرهابية في تحقيق أهدافها».
لقد دفع العراقيون ثمنًا باهظًا لقانون «اجتثاث حزب البعث» الذي حول عددًا كبيرًا من البعثيين إلى حملة سلاح بعد أن حصارهم المحتل من جهة وأبناء جلدتهم من ناحية أخرى فتم اقتلاعهم ليس من المناصب السياسية فقط بل من اشغالهم ووظائفهم في قطاعات الدولة المختلفة.
سيعيد القانون سيئ السمعة البلاد إلى عصر محاكم التفتيش، وسيصبح سلاحًا مسلطًا ليس على رقاب الإخوان وحلفائهم فقط بل على كل مخالف أو معارض للسلطة أو حتى لرئيسه في العمل. القوانين السارية بها من العقوبات والجزاءات التأديبية ما يكفي لردع مرتكبي الجرائم، فلا تفتحوا أبواب الفتنة والعنف والعداء المجتمعي وتصفية الحسابات وتعاقبوا الناس على نواياهم أو على كيدية خصومهم ومخالفيهم.
آراء أخرى
لائحة «الوطنية للصحافة».. خطوة جديدة في طريق «الحصار»
«لن تكون تلك هي الطوبة الأخيرة في جدار حصار الصحافة الذي تتسابق حكومات حجب الحقيقة على تعليته»
الإفراج الشرطي.. الاستثناءات التشريعية سمة المرحلة
«هل تتحول السجون إلى أداة للانتقام وتحقيق الردع السياسي للمُعارضين؟»
مشروع الحكومة لقانون العمل (2) انتهاكات بالجملة
«نستكمل رصد المزيد من الانتهاكات للكثير من حقوق العمال في مسودة الحكومة لقانون العمل»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد