تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

عن القراءة المغايرة للخطاب النسوي

غدير أحمد
8 دقيقة قراءة

أطلّت علينا «مدى مصر» يوم 8 مارس- وهو اليوم العالمي للنساء-، بمقال نقدي بعنوان "قراءة مغايرة للخطاب النسوي"، والذي اتهم الخطاب باتهامات عدة سأحاول الرد عليها من خلال هذا المقال.

إنني أقوم بسرد أفكاري هنا؛ لأنني واحدة من النسويات اللاتي وُصمن في المقال باسم النقد، وواحدة من النسويات الشابات اللاتي لم يحالفهن الحظ بعد في دراسة النسوية كحركة، لكنه حالفهن وبشدة لينضممن إليها بوعي وإدراك.

هذه الأفكار قابلة للتغيير ما دُمتُ حيّة، كحقٍ أصيل في الخطأ قبل الصواب، إنني أرد الآن عن نفسي وأفكاري، ولا أنوب عن الحركة التي هي أكبر من أفكاري ومنهجي النسوي؛ فأنا أحسب نفسي على التيار النسوي الراديكالي ولذلك كان لي حق الرد.

الذكورية كنقطة انطلاق

عرّف المقال الذكورية تعريفًا فلسفيًا أتفق في معظمه، لكنني أريد إعادة تعريف الذكورية مرة أخرى: إنها الاعتقاد بأفضلية الذكر على الأنثى، والسعي لخدمة مصالح الذكور على حساب الإناث.

لكن بقيّ شيء آخر: إن الذكورية، هي التمحور حول الذكر كمركز رئيسي تدور في فُلكه باقي المحاور الثانوية للكون بما فيها الإناث.

أما الأمومية Matriarchy، والتي عرّفها كاتب بالأنثوية- وهي ترجمة غير دقيقة-؛ فهي الاعتقاد بأفضلية الإناث على الذكور، والتمحور حول الأنثى. إن المقال لم يأتِ بجديد في تعريف الأمومية، لكنه ناقشها من زاوية مركزية الذكر، فحسب.

الأمومية في معناها ليست سوى وجهٍ آخر للذكورية، ليس لأنها تُقصي الذكور عن المشهد فقط، ولكن لأنها تحصُر الأنثى في دورها الإنجابي، كرحِم ومبيضين، إنها تجعل من الأنثى كائنًا لم يتعدَ حدود جنسه؛ فقصرتها على ما يخدم مصالح الذكور منها باستمرار النوع الإنساني.

إن الأمومية والاتجاه إلى تقديس الدور الإنجابي للأنثى، ما هو إلا خدعة قديمة لخدمة مصالح الذكور وإلهاء الإناث عن كيانهن في حين كان يحقق الذكر كيانه بالعمل واستغلال قوته العضلية لتطويع الطبيعة.

لذا وسعيًا للبعد عن مركزية الذكر؛ فالإقرار بذكورية مصطلح الأمومية لا بد وأن يُناقش من زاوية اضطهادها للإناث، قبل إقصائها للذكور.

الخطاب النسوي.. بين مركزية الذكر وحرب المساحات

بدأ الخطاب النسوي في مصر بطابع نسائي، التحفَ بالحركة الوطنية لكسب مساحة من المجال العام آنذاك. واستمر إنتاج ذات الخطاب حتى التسعينيات، ودائمًا ما كان هذا الخطاب النسائي يلقى استحسانًا في نفوس الرجال؛ حيث كان يتمحور حول الرجل الوطن، ومعركة التحرير التي يقودها الرجال. ثم سرعان ما انقلبت حركات التحرير على مطالب النساء، كما حدث في الجزائر أو إيران، مهمّشة لهن باعتبارها قضية ليست ذات أولوية. لذا وبعد كل تلك التجارب وكل هذه السنوات، كان إنتاج خطابًا نسويًا خالصًا يطرح قضايا النساء بشكل مستقل أمرًا واجبًا ومُلحًا.

ولا نزال حتى الآن نعاصر مقولات شبيهة عن أولوية قضايا النساء؛ فالأصوات كانت تعلو للحفاظ على سمعة ميدان التحرير، عندما كانت الناشطات تحاول الحديث عن اغتصاب النساء جماعيًا على مرأى ومسمع من الجميع داخل الميدان، وعلى رأسهم مَن أدّعوا مناصرتهم لقضايا النساء.

أما الخطاب النسوي الراديكالي؛ فيثير غضب الكثير من الرجال؛ فهذا الخطاب يدعو للخروج من مركزية الذكر، ويُهدد شتّى صور ملكية الذكر للأنثى واحتكاره لها ووصايته عليها؛ فهذا الخطاب يُرجع السبب في سوء أوضاع النساء إلى الهيمنة الذكورية بشكل واضح ومباشر ولا يقبل مساومة أو تلحُّف. عكس غيره من الخطابات والتي غلبت عليها النسائية كتلك التي التصقت بالحركات الوطنية، والتي تجد استحسانًا من قبل الرجال.

الخطاب النسوي الراديكالي ليس خطابًا مجنونًا أو مُقصيًا أو متطرفًا- كما يحلو للكثير وصفه- أنه خطاب معني بتغيير موازين القوى السائدة، لذا فمن المنطقي أن يهاجم الكثير من الرجال هذا الخطاب، سعيًا للحفاظ على مكانتهم وامتيازاتهم داخل المجتمع.

كما عبرت عنها سيمون دو بوفوار: "من الواضح أن الرجال يسعون دائمًا للاستيلاء على السُلطة في كل العصور".

إن أغلب الرجال المقاومين للنسوية يُحدّثون في هذا الأمر باستمرار؛ فالاتهام بالعنصرية والتحيز ومعاداة الرجال ليس جديدًا، كما أن الاتهام بالنخبوية والتغريب كذلك. حتى توصلوا أخيرًا إلى احتكار تعريف النسوية ذاتها والوصاية على أولوياتها. إن مركزية هؤلاء تحول بينهم وبين تقبّلهم للنسوية؛ فيستعيضون عن ذلك باحتكار المفهوم كاملًا، ولهذا السبب فهم يتقبلون الخطاب النسائي لا النسوي.

فيم قام منتجات\منتجو الخطاب النسوي، باستحداث مصطلحات تضع سوء أحوال الرجال أيضًا نصب الأعين؛ فالنسوية تُدرك أن الرجال أيضًا ضحايا للنظام الأبوي، ليسوا كالنساء بالطبع بسبب الامتيازات التي يحصلون عليها كـ "ذكور"، لكن لا أحد بالغ عاقل يستطيع إنكار التأثير السلبي للذكورية في الرجال أنفسهم، كما لا يمكن لنفس الشخص إنكار أن النساء أسوأ حظًا في النقطة نفسها، لذلك تتسع النسوية للجنسين معًا. لكن الأعقد والذي لا يستطيع كاتب المقال استيعابه هو أن النسوية لا تركز على ثنائية الرجل/ المرأة أو الذكر/ الأنثى؛ لأن فهم موازين القوى يعقد الأمور أكثر من هذه الثنائيات؛ فالنسوية تهتم أيضًا بالطبقة الاجتماعية والعرق والدين والعمر وغيرها من العوامل التي قد تجعل الأفراد ضحايا النظام الأبوي، ولطالما تحالفت الحركات النسوية في دول كثيرة مع مجموعات عرقية وإثنية مختلفة كما كانت مجموعات المثليين جزءًا لا يتجزأ من الحركة النسوية، لذا فالنسوية ليست معاداة الرجل كما عرفها الكاتب، ولكنها معاداة نظام يمنح امتيازات متراوحة للرجال والأغنياء وأصحاب ديانات معينة.. إلخ، وما تسعى إليه النسوية هو عالم أكثر عدلًا للجميع وليس للنساء فقط، وهذا هو مفهوم النوع الاجتماعي الذي أدعو كاتب المقال لفهمه وقراءته بتمعن.

إن الرجل الذي يُحالف النسوية يُدرك جيدًا الامتيازات التي حصل عليها لمجرد كونه ذكرًا، ويُدرك تمامًا أن النساء ليس لهن هذه الامتيازات، بالعكس هن يتعرضن للتمييز ضدهن لمجرد كونهن إناث، وفي رحلة إدراكه يجب مراعاة هذه الامتيازات، لا السعي للحصول على امتيازات جديدة؛ فما يجب على الإنسان إدراكه حين يناصر الفصيل المضطهَد ضد الفصيل المضطهِد في حين انتماؤه للأخير، أنه لن يندمج بسهولة وعليه بذل مجهود كبير كي تزول الريبة ويبدأ الاندماج، كما هو الحال في أية فصائل أخرى وليس الأمر مرتبطًا بجنس الرجال أو جنس النساء. فيم يأتِ استهداف النسوية الراديكالية للرجال كحلفاء في مكانة مختلفة عن تلك التي أرادها الذكور دائمًا لمركزيتهم.. التضامن مع النسوية ليس عملاً خيريًا إنه التزام واعٍ وعلى الرجال الذين يطرحون أنفسهم كحلفاء أن لا يسعوا لاكتساب مواقع زعامة داخل الحركة النسوية فهذا ليس إلا إعادة إنتاج لفكرٍ ذكوري.

فالمقال غاية في المركزية حول الذكور، إنه يصنف النسوية نفسها إما معادية للرجال، أو مُستقطبة لهم، وفي هذا نظرة مقصورة للنسوية وللنساء أنفسهن.

كما لا يُمكننا الجَزم بأن الرجل الذي يبحث داخل النسوية عن امتيازات جديدة، هو ضحية للنظام الأبوي الذي يغفل ذاته الإنسانية. إن هذا الرجل بحاجة إلى قراءة محايدة للنسوية والوقوف على أهدافها بموضوعية، وتحديد مُراده منها قبل أن يلعب دور الضحية.

كل امرأة هي حليفة.. وكل رجل هو عدو

أما ما يجعل النساء حليفات للحركة هو وعيهنّ بالتمييز ضدهن بناءً على جنسهن ودورهن الاجتماعي، والوعي نفسه غير مرتبط بالجنس؛ فالنسوية لحظة إدراك بعد مجهود كبير يبذله الشخص، في صراعه مع نفسه داخليًا ومع المنظومة خارجيًا؛ فالنساء لا يصلنّ للنسوية بسهولة ولا يقنعن بها إن كنّ غير مُدركات للهيمنة الذكورية، وكذلك الرجال لا ينضمون إلى الحركة بوصفهم من الجنس الآخر، ولكن بمجهود ضخم يفوق ما تبذله النساء للوصول إلى نفس النقطة. فإن تمردت النساء انطلاقًا من الإحساس بالقهر؛ فالامتيازات التي يتمتع بها الرجال تُعرقل رحلتهم النسوية.

أما الفرضية بأن كل رجل عدو، علينا أن نسأل أنفسنا أولًا: كيف يمكن لهؤلاء النساء المُحاطات بهذا الكَم من الذكورية أن يثقن بسهولة في أشخاص ينتمون إلى هذه الفئة التي جعلت مصالحها عُليا في مقابل مصالح الجنس الآخر لقرون؟ إن هذه الرَيبة طبيعية ولا ترقى إلى الانتقام من الأسلاف في شخص الأحياء; لأن النسوية ليست نقيضًا للميزوجينية.

أرجَع المقال السبب في ذكورية بعض الرجال إلى تربية الأمهات لهم، وأغفل الدور الأبوي في تحويل النساء لقامعات لأنفسهن من أجل استقرار هذا النظام.. إن تحوّل النساء إلى حارسات للقيم الذكورية أمر غاية في التعقيد يحتاج إلى دراسة كاملة، كما لا يُمكننا اختزال الذكورية فقط في تربية الأمهات؛ فالذكورية منظومة كاملة يتداخل بها النظام الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وإن كانوا جميعًا يُميزون ضد النساء باسم الأفضلية أو تحت راية الحماية فلا يجب أن نتوقع نساءً نسويات بالفطرة. أما تنحية المقال لأدوار الرجال في تربية الأطفال ما هو إلا تقييد للنساء بدورهن الإنجابي واختزالهن في الأرحام، وأي شخص لديه معرفة وإن كانت بسيطة بالنسوية يجب أن يكون مدركًا أن لوم النساء هو أسهل حجة يستخدمها عتاة الذكورية والأبوية للدفاع عن النظام السائد في المجتمع.

فلا يُمكننا كذلك محاسبة النساء على سعيهن إلى فارس الأحلام، دون سؤال أنفسنا: مَن المستفيد من تمحور النساء حول دورهن الإنجابي؟ ومَن يدفعهن إلى الوقوف عند حدود جنسهن؟ وهل تتحمل النساء وحدهن نتيجة ذلك القيد أم يتحملها الرجال أيضًا؟ وكيف؟

كيف يتلقى المجتمع الخطاب النسوي بكل مناهجه؟ ولماذا مناهج دون الأخرى؟ لماذا هناك مناهج متهمة بالعنف والعداء للرجال؟ وأخرى بالنخبوية؟ وثالثة بالاثنين معًا؟ ما الذي أنجزته الخطابات بشقيها النسائي والنسوي لأكثر من مائة عام؟ وما العقبات التي حالت دون ذلك؟ وكيف يُعالج العاملات\ون على الخطاب إشكالياته؟

إن مثل هذه الأسئلة هي التي تفتح حوارًا جادًا بين المهتمات\ين بالنسوية، وليس الوصم والاتهامات الجُزافية.

عن النسوية والجدالات المختلفة

إنني أؤمن بالمساحات وإحدى النسويات اللاتي يدخلن بإرادة تامة إلى الجدل الفارغ، والذي لا طائل منه كما عمم الكاتب تصنيفه.

وأؤمن بحاجتنا إلى مزيد من تعبير الأفراد عن إشكالياتهم مع النسوية، وإن كانت إشكاليات مبنية على مفاهيم مغلوطة أو تُعيد إنتاج تنميطات معينة ضد النسوية، والذي يساعد في طرح قضايا النساء بشكل مستقل على الساحة، لا تُنحيه أولويات، ولا يخضع لأجندة. إن إعادة إنتاج خطاب نسوي خالِص يدفعنا إلى قبول الاندفاع من هؤلاء، وإلى الدفع بالجميع في خلق مساحاتهن\م وطرح قضاياهن \م المتعلقة بالنسوية والنوع الاجتماعي. إننا نمر بمرحلة إعادة إنتاج كاملة للخطابات والمصطلحات، وفي هذا؛ فالرؤى النقدية مُرحب بها.

كمهتمات\ين بالنسوية، نحن بحاجة إلى رؤية مُغايرة حقًا، مُغايرة عن تلك التي ترى في النسوية عنصرية وانحياز، وعن تلك التي تتمركز حول الرجال في مناقشة قضايا النساء.

قراءة مُغايرة عن التي ترددت على مسامعنا منذ عشرات السنين ولا يزال استحداثها مستمرًا.

قراءة بعيدة عن الوصاية والأبويّة.. قراءة مُحايدة للمشهد، تطرح النقد بموضوعية دون انحياز.

عن الكاتب

آراء أخرى

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).