تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

ليست إقطاعية تكنولوجية.. ما زالت رأسمالية

دان دنيفير
34 دقيقة قراءة
ليست إقطاعية تكنولوجية.. ما زالت رأسمالية

هذا النص ترجمة لحوار أجراه دان دنيفير، مقدم بودكاست The Dig، مع إيفجيني موروزوف، كاتب وباحث في قضايا التكنولوجيا والسياسة، ونشره موقع جاكوبين باللغة الإنجليزية عام 2023.

يجادل بعض المفكرين بأن الرأسمالية، كما عرفّها كارل ماركس انتهت، وأننا ندخل حقبة أشبه ما تكون بـ«الإقطاعية الرقمية الجديدة». بينما يجادل إيفجيني موروزوف بأن هذه التسمية غير صحيحة، ولكي يتسنى لنا فهم كيفية عمل الرأسمالية اليوم، يجب على الماركسيين التخلص من انحيازهم للمصانع. 

دفعت قوة التكنولوجيا والتمويل، والشعور المتفاقم بأن النظام العالمي يحكمه الافتراس الوقح أكثر من استغلال العمالة التقليدي، المفكرين الماركسيين، وكذلك بعض اليمين النيوليبرالي، وحتّى بعض الرجعيين الجدد، إلى الاعتقاد بأننا تجاوزنا الرأسمالية تمامًا ودخلنا عصر الإقطاع الجديد، لكن الكاتب إيفجيني مروزوف قدّم أطروحة مختلفة في مقالته المنشورة بمجلة اليسار الجديد «New Left Review»، تحت عنوان «نقد العقل التقني الإقطاعي»، زعم من خلالها أن تلك الفترة القاتمة التي نعيشها ما هي إلّا حقبة جديدة من الرأسمالية. 

يعتقد بعض الباحثين أن الرأسمالية لم تعد تلك القوة التنافسية والمبتكرة التي تحقق فائض القيمة من خلال ما يبدو في صورته المغلفة أنّه استغلال العمالة بموجب عقود طوعية. بل يعتقدون أن الرأسماليين يعتمدون بشكل متزايد على القوة السياسية المباشرة لضمان تراكم رأس المال قسرًا، سواء من خلال الإيجارات أو رأس المال المدعوم من الدولة، وهي طرق لاستخراج الفائض، أشبه ما تكون بالممارسات الإقطاعية. 

بينما يرى موروزوف أنّ عمليات نزع الملكية السياسية والاستيلاء القسري، إلى جانب ممارسات مثل «إرهاب الإيجارات»، ليست استثناءات أو خروجًا عن الرأسمالية، بل تشكل جوهرها. ويؤكد أن التصورات الضيقة لماهية الرأسمالية وآليات إعادة إنتاجها، هي ما قد يؤدي بنا إلى الخطأ في الاعتقاد بأننا نشهد تحولًا نحو الإقطاعية الجديدة.

إيفجيني موروزوف، كاتب وباحث في قضايا التكنولوجيا والسياسة، وله عدة كتب ومقالات في هذا المجال. حصل على درجة الدكتوراه في تاريخ العلوم من جامعة هارفارد، وهو مؤسس«The Syllabus»، وهي منصة لتنظيم المعرفة. سيطلق لاحقًا هذا العام بودكاست «فتيان سانتياجو- The Santiago Boys»، الذي يتناول التاريخ الجذري للحوسبة والتخطيط السيبراني في أمريكا اللاتينية.

أنماط الإنتاج.. الإقطاعية والرأسمالية

دنيفير: ما الذي دفع العديد من المفكرين إلى الاعتقاد بأننا نخرج من الرأسمالية تمامًا بسبب صعود التكنولوجيا الرقمية؟ وأين تندرج السمات المميزة الأخرى للعصر النيوليبرالي، وخاصة المالية والعولمة، في هذا الصدد؟

موروزوف: ثمّة حجة تسود غالبًا بين اليسار، لكنها موجودة أيضًا في اليمين، وتقول أنّ الرأسمالية لم تعد كما كانت. لا أحد يدّعي أن الرأسمالية كانت مثالية، لكن حتى بين منتقديها، وعلى رأسهم ماركس، كان هناك اتفاق على أنها أدت إلى نوع من الابتكار. فمن خلال إخضاع المشاركين في السوق للمنافسة، أُجبروا على تطوير ممارسات جديدة، واعتماد تقنيات إنتاج حديثة، وابتكار منتجات جديدة، ما أدى إلى دفع المجتمع إلى الأمام، وإن كان ذلك بتكاليف معينة. بعض الماركسيين سيخبرونك بأنه لا يمكن الانتقال إلى المرحلة التالية، أي الاشتراكية، دون المرور أولًا بالرأسمالية. يمكننا تجاوز هذا الجدل، لكن الفهم الأساسي للرأسمالية كان تقليديًا يقوم على كونها نظامًا يُحفّز الابتكار.

مؤخرًا، ظهر من يجادل بأن ما نشهده اليوم هو حالة ركود، تهيمن عليه طبقة الريعيين، بعدما فقد زخمه الابتكاري إلى حد ما. يعزون ذلك إلى عدة عوامل في الاقتصاد العالمي، بعضها مرتبط بالتمويل، والبعض الآخر يتعلق بزيادة الأموال المدفوعة لحقوق الملكية الفكرية، مثل براءات الاختراع والعلامات التجارية ورسوم الامتياز. كما أصبحت خدمات معينة، مثل الذكاء الاصطناعي، عنصرًا أساسيًا في طريقة عمل العديد من الشركات. البعض يشير كذلك إلى هيمنة قطاع العقارات. هناك العديد من الاتجاهات في النظام المعاصر تؤدي إلى شيء آخر غير الابتكار.

وهذا يعني أن هناك عددًا قليلًا من الأفراد ذوي النفوذ يستخدمون وسائل خارجة عن الاقتصاد التقليدي، بدلًا من الاعتماد على المنافسة السوقية، مثل اللجوء إلى سلطة القانون أو احتكار الوصول إلى أنواع معينة من المعرفة أو البيانات. إنهم ببساطة يستغلون هذا الامتياز لكسب المال، دون أن يستثمروا بالضرورة في الديناميكية الابتكارية التي ارتبطت تاريخيًا بالرأسمالية.

هذه هي الحجة الأساسية، لكن بعض الأشخاص يأخذونها إلى مستوى أبعد. لا يقولون فقط إن هذا مجرد ركود داخل الرأسمالية، أو تحول ريعي داخلها، بل يزعمون أنه في الواقع عودة إلى الإقطاعية. بل يرى البعض أن هذا النظام الجديد ليس إقطاعيًا فحسب، بل  إقطاعي- تكنولوجي، أي أن التكنولوجيا تلعب دورًا محوريًا في تمكين هذه الاتجاهات الجديدة.

دنيفير: تدور هذه المناقشة حول ما إذا كنا ندخل حقبة إقطاعية جديدة ونغادر الرأسمالية، إلى حد كبير على كيفية فهمنا لهذين المصطلحين. وكلا المفهومين كانا موضع نقاش مكثف وجدال حاد داخل الفكر الماركسي، لا سيما خلال الـ60 عامًا الماضية. لذلك، نبدأ بتعريف الإقطاعية والرأسمالية وفقًا للفكر الماركسي، وتحديد الفروق الرئيسية كما أشار إليها ماركس ومختلف الماركسيين من بعده، بين هذين النمطين من الإنتاج.

موروزوف: سؤالك يحتوي بالفعل على إجابة، لأنه بالنسبة للماركسيين، يُنظر إلى كلٍ من الإقطاعية والرأسمالية باعتبارهما نمطين من الإنتاج، وليس مجرد نظام اجتماعي-اقتصادي غامض. فالأمر لا يتعلق فقط بمدى تمتّع الأفراد بالحقوق السياسية أو الاجتماعية ونوعها، بل إنّ الفرق الجوهري بين الإقطاعية والرأسمالية، من منظور ماركسي، يكمن في نمط الإنتاج نفسه. هذا نوع من القطيعة المعرفية التي أجراها ماركس، حيث نظّر لفكرة أنّ الأنظمة الاجتماعية يجب أن تُفهم وتُقارن بناءً على مفهوم نمط الإنتاج.

إذا نظرنا إلى الإقطاعية، فإننا نتحدث عن الكيفية التي يتم بها إنتاج الفائض الاقتصادي وتوزيعه داخل النظام، وهذا هو جوهر نمط الإنتاج. قد لا يكون هذا هو التعريف الأكثر أرثوذكسية في الماركسية، لكننا نتحدث أساسًا عن كيفية إنتاج الفائض وتوزيعه. ومن ثم، يمكن بالطبع القيام بتأملات إضافية حول كيفية ارتباط كل ذلك بفلسفة التاريخ بشكل أوسع. هنا يظهر الجانب المثير في فكر ماركس والماركسية، حيث يجادل ماركس بأن الرأسمالية قد تتضمن سمات معينة تمنعها من تحقيق جميع الآليات الابتكارية التي تنشأ بداخلها إلى أقصى حد، بسبب علاقات الإنتاج الاجتماعية التي تحكمها. إذ تسيطر بعض الطبقات على تقنيات معينة، ومن المهم وفقًا للماركسيين، أن تمتلك بعض الفئات وسائل الإنتاج. وبسبب هذه السيطرة، لا يمكن تحقيق مستوى التقدم الاجتماعي المتوقع بناءً على التطور التكنولوجي أو البنية المجتمعية السائدة. لهذا يرى ماركس أنّ الاشتراكية، ومن ثم الشيوعية باعتبارها أعلى أشكال الإنتاج، ضرورية.

لكن إذا عدنا إلى الإقطاعية كأحد أنماط الإنتاج السابقة، فإننا نتحدث في الغالب عن اقتصاديات فلاحية، حيث يتحكم الفلاحون بوسائل معيشتهم أو على الأقل لديهم إمكانية الوصول لها. في الإقطاع، لا نتحدث حتى عن «وسائل الإنتاج» بالمعنى الماركسي الدقيق، بل عن «وسائل المعيشة». الفلاحون يمتلكون حقلًا أو قطعة أرض صغيرة يعملون عليها بشكل شبه مستقل. لكن بسبب الترتيبات السياسية، يأتي شخص ما «مرة في الشهر أو مرة في السنة»، يصادر بالقوة جزءًا من الفائض الذي ينتجه الفلاحون ويمكنهم الاستغناء عنه. هذه المصادرة لا تحدث من خلال وسائل غير مرئية أو خفية، بل تتم علنًا باستخدام القوة المباشرة.

بطبيعة الحال هناك نظام سياسي يُنظم كيفية استيلاء الإقطاعيين على هذا الفائض، مع تدرجات متعددة داخل هذا النظام لا يتسع الوقت للخوض فيها. لكن الفكرة الأساسية هي أن الإقطاعيين «السادة»، نظرًا لما يتمتعون به من قوة سياسية، يحظون أيضًا بدرجة معينة من الحماية. فلا توجد منافسة مباشرة بينهم، ولهذا السبب لا يواجهون حوافز تُجبرهم على الابتكار، أو خفض التكاليف، أو إدخال تقنيات جديدة، أو تبني أساليب موفرة للعمالة.

من وجهة النظر الماركسية، يؤدي هذا النظام في كثير من الأحيان إلى نوع من الركود الاجتماعي والاقتصادي. ويمكننا الجدال حول كيفية الانتقال من الإقطاعية إلى الرأسمالية، لكن المهم بالنسبة لبعض المنظرين، وخاصة روبرت برينر الذي ناقشته بإسهاب في كتاباتي، أن الديناميكيات التي تمتاز بها الرأسمالية مختلفة تمامًا. فهي تجبر من كانوا في السابق أسيادًا إقطاعيين على التنافس فيما بينهم، ولم يعودوا قادرين على الاعتماد على مصادرة الفائض ممن يعملون تحت سيادتهم. بل أصبحوا مجبرين على دفع أجور لقاء العمل الذي يُنجز. ما يدفعهم إلى خفض التكاليف من خلال أتمتة أكبر قدر ممكن من العمل. هكذا تصبح الرأسمالية نظامًا يحفز عملية الابتكار بشكل ممنهج. ما يفسر التقدم الهائل في التنمية الاقتصادية على مدى القرنين الماضيين، المرتبط بالتصنيع. هذا ما يمثل الفارق الجوهري لبعض المدارس الماركسية؛ إذ يُنظر إلى الابتكار باعتباره سمة هيكلية للمنافسة الرأسمالية، وهو ما يظهر بقوة في الرأسمالية مقارنةً بالنظام الإقطاعي السابق.

دنيفير: النظرية التي وصفتها ترسم تمييزًا صارمًا بين طريقتي استخراج الفائض هاتين. كيف يؤدي ذلك برأيك إلى تضليل البعض في تحليله للنظام السياسي-الاقتصادي الحالي؟

موروزوف: أولًا، لست مؤرخًا مخصصًا في الإقطاع. أنا استند إلى الأدبيات الثانوية، وكل ما أعرفه عن آليات ووسائل استخراج الفائض في ظل الإقطاع مستمد من أعمال مؤرخين بارعين تناولوا الإقطاع والرأسمالية. ربما يكون من الأسهل البدء بالرأسمالية ثم توضيح الفروقات مع الإقطاع. 

يعتبر التحليل الماركسي التقليدي، أنّ العمل هو العنصر الأساسي الذي يجب تحليله. ثمّة شيء فريد في العمل باعتباره سلعة، ما يفسر الإنتاج والتداول الهائلين لـ«فائض القيمة» في ظل النظام الرأسمالي. لا حاجة لإعادة شرح كل ما قاله ماركس عن الاستغلال والطريقة التي يتم بها توليد فائض القيمة عن طريق العمل، لكن جوهر التحليل الماركسي يكمن في أنّ العمل يُعامل كسلعة، لكنه ليس كأي سلعة أخرى، ولا يتم تسعيره بالطريقة التي ينبغي أن يُسعّر بها. 

من منظور هيكلي، ثمة عمليات مدمجة في النظام تؤدي إلى استغلال العمل، بحيث تتدفق القيمة من العمال إلى رأس المال، أو من الطبقة العاملة إلى من يملكون وسائل الإنتاج. لكن ذلك لا يحدث ولا يتم إجبارك عليه علنًا. لا أحد يضربك، على الأقل في ظل رأسمالية تعمل «بشكل صحيح». النموذج المثالي للرأسمالية يبدو «نظيفًا». هذا لا يعني أنه لا يعتمد على قوة الشرطة أو على تجويع الناس، لكنه يفضّل العمل تحت مظلة قانونية منظمة. في ظل الرأسمالية، تذهب وتبيع عملك، ومع ذلك، يتم خداعك بطريقة أو بأخرى. كل هذا يحدث بشكل غير مرئي، عبر المظلة القانونية المنظمّة.

على العكس من الإقطاع، فائض القيمة يتم استخراجه من خلال القوّة الواضحة، ولا أحد ينكر ذلك. تذهب للعمل في حقلك، تحصد المحصول، ثم يأتي شخص ما في نهاية الشهر أو العام، يأخذ ما تبقى مما لم تستهلكه لإعالة نفسك. وهذا يحدث بشكل أكثر عنفًا وصراحةً ووضوحًا. بالطبع، يمكن تبريره بطرق مختلفة، سواء من خلال التقاليد الدينية أو الأيديولوجية أو غيرها من الوسائل التي تجعل هذا النظام يبدو «مبررًا»، لكنه في النهاية يستند إلى القوة الواضحة وهي عنصر أساسي في دعمه.

أؤكد، لا أقول إن الرأسمالية تعمل دون الدولة، أو دون وجود قوة تدعم العقد، لكن في ظل الرأسمالية، من المفترض أن يحدث كل شيء بطريقة «أنظف» بكثير. من المفترض أن يكون العمال مقتنعين بأنهم لا يتعرضون للاستغلال.

دنيفير: تزعم أن بعض الماركسيين يعتقدون أننا عدنا إلى الإقطاع بسبب كل هذه القوة السياسية الخام الممارسة، في العقود الأخيرة لإعادة توزيع الثروة على الطبقة الرأسمالية: بعبارة أخرى، ممارسات وقحة للمصادرة بدلًا من هذا النوع المثالي من الاستغلال النظيف. كتبت كذلك كيف أنّ هؤلاء المنظرين الذين يركزون بشكل متزايد على المصادرة السياسية يرون «أن النظام الرأسمالي مدفوع فقط بديناميكياته الداخلية للمنافسة والاستغلال، مع وجود المصادرة السياسية خارج حدوده. بناءً عليه، فإن تراكم رأس المال مدفوع بوسائل اقتصادية «نظيفة» لاستخراج فائض القيمة. لا يتم إنكار وجود عمليات خارجية تمكن من المصادرة-العنف والعنصرية والحرمان ونزع الملكية والتدمير البيئي- لكنها تُعامل كعناصر غير رأسمالية وتستبعد تحليليًا؛ ربما تكون ساعدت بعض الرأسماليين في جهودهم الفردية للاستحواذ على فائض القيمة، لكنها لا تعد جزءًا من عملية التراكم الرأسمالي ذاتها».

ما هي التيارات الماركسية التي طرحت هذا التحليل تاريخيًا؟ وما هي الأمثلة التي يقدمونها للمصادرة السياسية؟ وأخيرًا، كيف ترى أن هذا المنظور يساهم في عدم استعدادية الماركسيين لفهم التحولات التي نشهدها اليوم في النظام السياسي والاقتصادي؟

موروزوف: كان وما زال هذا هو التيار السائد، والتفسير المهيمن داخل الماركسية. لو نظرنا إلى الماركسيين الأرثوذكسيين -أي أولئك الذين يدرسون كتاب رأس المال باعتباره النص الأساسي، دون الانحراف إلى الثامن عشر من برومير أو المباديء الأساسية أو غيرها من النصوص التكميلية العديدة لماركس وإنجلز- فستجد أنهم لا يزالون متمسكين بهذا الموقف، وهو أن الرأسمالية نظام يعمل من خلال المنافسة ويتوسع بواسطتها، وأن كل شيء آخر يحدث فقط لتمكين الرأسمالية من استغلال العمال بشكل أكثر كفاءة وفعالية، واستخراج المزيد من فائض القيمة.

يوافق العديد من الماركسيين غير الأرثوذوكسين (Heterodox Marxists) ضمنيًا على هذا، رغم أنهم يضفون عمقًا إلى التحليل. على سبيل المثال، شهدنا في العقود الأخيرة تركيزًا كبيرًا على أهمية إعادة الإنتاج الاجتماعي (Social Reproduction). لكن بالنسبة إلى العديد من هؤلاء المنظرين، فإن إعادة الإنتاج الاجتماعي تكاد تكون جزءًا مركزيًا من الرأسمالية نفسها. فهم يحللون ما يحدث خارج نطاق المصنع التقليدي، ولكن بنيّة تفسير كيف أن هذه الأمور الأخرى -مثل عمل النساء والأسرة- تعزز الرأسمالية وتجعل الإنتاج في المصنع أكثر كفاءة وفعالية. تلك الرؤية السائدة بين الماركسيين.
أي شخص يتحدى هذه الرؤية سيُنظر إليه على الأرجح على أنه خارج عن الماركسية التقليدية، وقد يُصنَّف في أحسن الأحوال على أنه ما بعد ماركسي، أو نيو-ماركسي، أو حتى غير ماركسي. هناك مفكرون -مثل نانسي فريزر- الذين استشهد بهم في المقال، حاولوا إظهار كيف يمكن للمرء أن يظل داخل التقليد الماركسي مع البقاء مخلصًا للعملية الجدلية بين الاستغلال -وهو الديناميكية الأساسية للرأسمالية وفقًا للماركسيين الأرثوذكسيين- والمصادرة (Appropriation)، التي يعتبرها معظم الماركسيين مجرد وسيلة لتمكين الاستغلال. ولكن ما لا نعرفه بعد هو ماذا يعني أن يقبل الماركسيون كلتا الديناميكيتين على قدم المساواة في تشكيل الرأسمالية، بدلًا من اعتبار المصادرة مجرد عنصر ثانوي مقابل استغلال العمل، الذي يظل بالنسبة لهم المحرك الأساسي.

التراكم البدائي، الجنوب العالمي، ونزع الملكية

دانيال دينفير: كتبت أن «الخيار الآخر، وهو أكثر تعقيدًا من الناحية التحليلية، لكنه أكثر إقناعًا من الناحية الحدسية، هو الاعتراف بأن الرأسمالية -على الأقل الرأسمالية التاريخية التي نعرفها، وليس الرأسمالية النقية لنماذجها المجردة- لا يمكن تصورها دون كل هذه العمليات الخارجية. ليس من الضروري إنكار مركزية الاستغلال داخل النظام الرأسمالي لرؤية كيف أن العنصرية أو النظام الأبوي (البطريركية) قد ساهما في خلق الشروط التي جعلت هذا الاستغلال ممكنًا. هل كان بإمكان النظام الرأسمالي في الشمال العالمي أن يتطور كما فعل، لو لم يتم نهب الموارد الرخيصة بشكل منهجي من الجنوب العالمي؟».

هذا التحليل تم تناوله تاريخيًا من قبل العديد من المفكرين، ولكن على وجه الخصوص من قبل منظّري النظم العالمية مثل إيمانويل والرشتاين. ما الذي يضيفه هؤلاء المنظرون إلى الماركسية؟ ولماذا قادتهم دراستهم للرأسمالية باعتبارها عملية تاريخية وجغرافية غير متكافئة إلى هذه الاستنتاجات المحددة؟

موروزوف: يعتمد ذلك على وجهة نظر المحلل. بالنسبة للعديد من منظّري النظم العالمية، عندما كانوا يجرون هذا التحليل في أواخر الستينيات أو أوائل السبعينيات، كانوا يرون أنفسهم مرتبطين إلى حد ما بجهود حركة عدم الانحياز، والتي كانت تتكوّن من دول في أمريكا اللاتينية، وإفريقيا، وآسيا، كانت في هامش النظام العالمي، وليس في مركزه، حيث ركّزت معظم تحليلات ماركس والعديد من الماركسيين اللاحقين.

معظم التنظير حول الرأسمالية حدث في المملكة المتحدة، هذا ما قام ماركس بتحليله، حيث درس عملية التصنيع هناك وتطور الرأسمالية، وخرج بكثير من الاستنتاجات. لكن المشكلة في أنّ تلك الاستنتاجات المستمدة من بريطانيا، في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، يصعب تطبيقها على البرازيل أو تشيلي أو فيتنام في القرن العشرين. وهنا يأتي دور مفكرين مثل إيمانويل والرشتاين، وأندريه غوندر فرانك، وجيوفاني أريجي، حيث بدأوا بالإشارة إلى الفجوات الكبيرة في التحليل الذي يقدّمه التيار الماركسي التقليدي. فقد حاولوا التفكير في تطور الرأسمالية من وجهة نظر الهامش وليس المركز. ولم يكن دافعهم مجرد المشاركة في الجدل الأكاديمي (رغم أن العديد منهم فعل ذلك)، بل شاركوا في دعم حكومات اشتراكية أو يسارية في تلك البلدان، وهو أمر كان لا يزال ممكنًا قبل صعود النيوليبرالية.

كانوا يفكرون في هذه المسألة من منظور عملي للغاية، يبحث عن إجابات لأسئلة من هم الحلفاء الحقيقيون لأي مشروع بديل للتنمية الرأسمالية؟ وهل ستكون البرجوازية المحلية والوطنية حليفًا ضروريًا، لأنه يجب أن تحدث أولًا «ثورة رأسمالية» في البلد قبل أن تحدث «ثورة اشتراكية»؟ أم أن البرجوازية المحلية مندمجة بالكامل في النظام الرأسمالي العالمي، وبالتالي فهي ليست قوة ثورية على الإطلاق؟

الكثير من هذه التساؤلات والانتقادات الموجهة إلى الماركسية التقليدية وفهمها للإقطاع والرأسمالية تنبع من مخاوف عملية للغاية. هذه المخاوف لم تُطرح بالضرورة من قبل الحركة العمالية في إنجلترا أو فرنسا أو ألمانيا أو حتى الولايات المتحدة، وهي الدول التي كان مفكرو الماركسية في قلب النظام الرأسمالي يولدون منها أفكارهم تقليديًا.

على مدى عشرة إلى خمسة عشر عامًا، من أوائل الخمسينيات إلى منتصف الستينيات، أُبلغت جميع هذه الدول، بأنه الوقت قد حان لبناء نهضتها الصناعية، وتأسيس صناعاتها الخاصة. بالفعل حاولت هذه الدول القيام بذلك، لكنها سرعان ما اكتشفت أن مجرد التصنيع لا يعني شيئًا إذا لم يكن لديها صناعاتها الخاصة لإنتاج سلع رأسمالية. فإذا كانت بحاجة إلى استيراد جميع سلعها الرأسمالية من الخارج، ودفع ثمن براءات الاختراع، ورسوم الامتياز، ورأس المال، والعديد من الأشياء الأخرى، ينتهي الأمر إلى علاقة تبعية، وبسبب هذه العلاقة التبعية، يستمر تدفق الأموال إلى أولئك الذين يملكون رأس المال؛ ليس فقط المالكين. تستفيد حتى المجموعات المهيمنة في المركز، أي في أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية، من هذه الدول المتخلفة، وتمتد الفائدة حتى إلى العمال هناك.

إحدى الحجج التي طرحها العديد من المفكرين في أمريكا اللاتينية آنذاك، كانت  بسبب قوة النقابات العمالية في الشمال العالمي، إذ أنّه مع كل أزمة اقتصادية أو ركود، لا تتخلى الحركة العمالية في الشمال عن مكاسبها، بل تتمسك بها. في المقابل، يواجه العمال في الجنوب العالمي انخفاضًا في الأجور ومعاناة أكبر. بالنسبة لهؤلاء المفكرين، حتّى العمال في الشمال العالمي يمكن اعتبارهم جزءًا من طبقة رَيعية معينة، ولم تكن هذه القضية الأساسية. ولم يكن الهدف إثارة انقسام بين الحركة العمالية في الشمال والعمال في الجنوب العالمي، بل النقطة الأساسية هي أنهم فهموا الريعية باعتبارها ديناميكية مدمجة بالفعل في النظام الرأسمالي العالمي.

من وجهة نظر ماركسية تقليدية أو كلاسيكية، لم يكن أنصار البنيوية ونظرية التبعية في أمريكا اللاتينية ماركسيين حقيقيين، لأنهم كانوا يتحدثون عن دول تستغل دولًا أخرى. كان هناك العديد من الحجج المعقدة، لكن في النهاية، قيل إن هذه ليست نظرية ماركسية، إذا كنا نقصد بالنظرية الماركسية تلك التي تضع استغلال العمال في مركزها. لا يمكنك أن تبدأ بمفهوم استغلال العمال كفئة مجردة ثم تصل مباشرة إلى نظرية الاستغلال الدولي لدولة من قبل أخرى، وهو ما كانت نظرية التبعية والبنيوية تجادلان به.

إنّ الأشخاص المؤيدين للماركسية التقليدية في هذا الجدل، محقون في قولهم إنّ ما يقوله واليرشتاين أو غوندر فرانك عن الماركسية ليس صالحًا ضمن البنية النظرية الماركسية الصحيحة. ولكن ما يفشلون في إدراكه أن هؤلاء المفكرين لم يكونوا يحاولون فقط تحليل الماركسية، بل كانوا يسعون لفهم المسارات البديلة للتنمية في أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي وآسيا وإفريقيا. كانت الماركسية إحدى الأدوات التي استخدموها، ولكن لم يكن الهدف هو تقديم الصياغة النهائية لما يجب أن يفكر فيه الماركسيون.

وفي الوقت نفسه، تميل الأوساط الماركسية الأرثوذكسية إلى حماية نطاقها الفكري بالقول: «لا نريد هذا في كتب التاريخ. لا تلوثوا أُطرنا التحليلية، لأننا إذا فعلنا ذلك، فسنفقد رؤيتنا لما يجعل الرأسمالية تعمل. وإذا فقدنا هذه الرؤية، فلن نتمكن أبدًا من بناء الاشتراكية التي نريدها، بنظام أكثر كفاءة يحفز الابتكار».

دنيفير: يقودنا الحديث إلى النقاش عن كيفية عمل الرأسمالية اليوم، وخصوصًا النقاشين التاريخيين حول الانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية. الأول بين دووب وسويزي، الذي بدأ في الأربعينيات، والثاني؛ الجدل الذي طرحه برينر في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات. كلا الجدالين تناولا، كما كتبت، «مركزية التراكم البدائي في أصول الرأسمالية وكذلك تطوراتها اللاحقة». إذن، ما هو التراكم البدائي؟ وما الذي كان على المحك في هذه النقاشات حول تحديد دوره في الرأسمالية، سواء تاريخيًا أو في الوقت الحاضر؟

موروزوف: هذا موضوع مثير للجدل بين الماركسيين ومنظّري الاقتصاد القريبين من الماركسية أو الذين ينتمون إلى «عائلة الماركسية». جزء من هذا الجدل يعود إلى عدم الاتساق الموجود في نصوص ماركس نفسه حول معنى التراكم البدائي والدور الذي لعبه. هذا الجدل لا يزال قائمًا حتى اليوم، حيث تُجرى قراءات دقيقة لنصوص ماركس، مع مناقشات حول الهوامش والمصادر الثانوية. لا أرى نفسي كمؤرخ متخصص في فكر ماركس، بل دخلت هذا النقاش فقط لأنني شعرت بالحاجة إلى تأطير النقاش الحالي في سياقه.

ما فهمته، بعد أن أمضيت وقتًا في هذا العالم كزائر أكثر من كوني مقيمًا دائمًا، أن النقاش يدور حول: ثمة من يقرؤون ماركس باعتباره يقول إنه قبل أن تكتسب الرأسمالية ديناميكيتها الابتكارية، حيث تجبر المنافسةُ الرأسماليينَ على خفض التكاليف والابتكار، كان عليهم أن يمروا بمرحلة أولية من التراكم الرأسمالي، وهي مرحلة أكثر فوضوية وعنفًا بكثير. ما تطلب مجموعة مختلفة تمامًا من الأدوات والتقنيات والوسائل. كانت أشبه بالإقطاع، لدرجة أنك لن تفرقها عن الإقطاع إلا إذا أدت إلى هذه الديناميكية الرأسمالية الأكثر تنظيمًا وابتكارًا والتي لم تكن بحاجة إلى العنف.    

بعبارة أخرى، تحدث معجزة، هناك طرق يمكن للماركسيين أن يشرحوا بها كيف يحدث ذلك، لكنها في جوهرها قصة تحول مفاجئ، حيث تتحول الديناميكيات الإقطاعية العنيفة والدموية إلى نظام رأسمالي «نظيف» وأكثر تنظيمًا. يمكنك التفكير في عمليات تسييج الأراضي والممتلكات (Enclosures)، والتي كانت عنيفة في بدايتها، لم تحظ برضا الكثيرين. ولكن في النهاية، تم قبولها، وبدأ اللاعبون في السوق في تداول حقوق الأرض ووسائل الإنتاج والأفكار، وتحولت كل هذه الأشياء إلى سلع يتم تبادلها في الأسواق، وأصبحت العملية تبدو أكثر تنظيمًا وقبولًا.

يجب أن أشير إلى أن ماركس كتب عن هذه الأمور باللغة الألمانية، وغالبًا عندما كان يشير إلى مفاهيم مثل «التراكم البدائي»، كان يناقش أعمال اقتصاديين آخرين، بمن فيهم آدم سميث. أحيانًا ستجد تعبير «ما يسمى بالتراكم البدائي»، ما يفتح النقاش حول ما إذا كان ماركس قد منح هذا المصطلح الأهمية الكبرى التي يعتقد البعض أنه أعطاها له. لكن القراءة البديلة لفكرة التراكم البدائي تفيد بأن ماركس لم يكن يقصد تحديدها كمرحلة تاريخية منفصلة، من المفترض بعدها أن تعمل الرأسمالية بسلاسة دون أي عنف أو إكراه. بل إن هذه الديناميكية الثانوية، حيث يكون من الضروري الاعتماد على القوة والنهب والاستيلاء، لا تزال مستمرة حتى يومنا هذا. ربما أصبحت أقل وضوحًا، وربما لا ندركها كجزء من الرأسمالية «الحقيقية»، لكنها لا تزال قائمة وتشكل النقيض الأساسي لعملية التراكم القائمة على الاستغلال التي نعرفها.

دنيفير: سأشير إلى اقتباسين لماركس، وعلى الرغم من أنهما ليسا متناقضين بالضرورة، إلا أنهما يحملان تفسيرات مختلفة. فمن ناحية، كتب: «إن اكتشاف الذهب والفضة في أمريكا، واستئصال السكان الأصليين واستعبادهم ودفنهم في المناجم، وبداية غزو ونهب جزر الهند الشرقية، وتحويل إفريقيا إلى وكر للصيد التجاري للسود، كانت إشارات إلى الفجر الوردي لعصر الإنتاج الرأسمالي. كانت هذه اللحظات الأساسية للتراكم البدائي».

من ناحية أخرى، كتب أيضًا: «إن العبودية المقنّعة للعمالة المأجورة في أوروبا كانت بحاجة، كأساس لها، إلى العبودية الصريحة والبسيطة في العالم الجديد».

يشير هذا إلى علاقة أكثر ديمومة بين نزع الملكية في الأطراف والاستغلال في المركز. ويمكن تطبيق هذا الأمر ليس فقط على مستوى العلاقة بين المركز العالمي والأطراف، ولكن أيضًا عبر مستويات وسياقات مختلفة داخل دولة واحدة أو حتى داخل منطقة حضرية.

موروزوف: يشير بعض المفكرين، مثل ديفيد هارفي، إلى عامل آخر في المشهد، وهو النيوليبرالية، التي يعرّفونها على أنها تتسم بظهور «التراكم عبر النزع». بالنسبة لهارفي، تعدّ هذه طريقة أنيقة وراديكالية إلى حد ما للقول إن التراكم البدائي لا يزال مستمرًا. لكنه، كقارئ متمكن لماركس، يدرك أن الديناميكية الأساسية للرأسمالية هي الابتكار. وبغض النظر عن تكلفته، فإن الابتكار موجود، ومعظم الماركسيين سيتعرفون عليه كخاصية مميزة للرأسمالية.

النيوليبرالية مفهوم غير معرّف بشكل دقيق، ولم يرد في أعمال ماركس. وبالتالي، فإنها تؤدي وظيفة مثيرة للاهتمام، حيث تتيح للعديد من الأكاديميين وأتباع هارفي إدراك أنّ هناك ديناميكية إعادة توزيع داخل النظام الرأسمالي، تؤدي إلى انتقال المال أو الموارد أو الدخل من الفقراء إلى الأغنياء، ولكن ليس من خلال الاستغلال المباشر. بل يحدث ذلك بوسائل أخرى، مثل الإيجارات، والتقشف، وحقوق الملكية الفكرية. إذا تصفحت بعض كتب هارفي المبكرة، ستجد قوائم طويلة بكل طريقة لكسب المال في العالم آنذاك، والتي لا تعتمد بالضرورة على الاستغلال الكلاسيكي للعمالة وظروف العمل المأجور في المصانع.

يتيح هذا للعديد من الأكاديميين تحليل الرأسمالية وبعض دينامياتها المنحرفة، غالبًا من منظور الشمال العالمي، لأن الجنوب العالمي لديه طرقه الخاصة لفهمها من خلال نظرية التبعية وأطر مشابهة. أيضًا هناك تيارات ماركسية ويسارية جديدة في الأوساط الأكاديمية في الشمال العالمي، تفسر هذه الظواهر دون الحاجة إلى إدخال مصطلحات مثل «الإقطاعية الجديدة» أو «الإقطاعية التكنولوجية»، لأن النيوليبرالية تؤدي هذه الوظيفة بالفعل.

يمكنك، في الأساس، إلقاء اللوم على النيوليبرالية في كل نقص في الديناميكية والابتكار الذي قد تتوقعه عادةً من نظام رأسمالي. إنه حجة غريبة، ليس تمامًا، لكنها في النهاية تقدّم ما قدّمه ماركس في أعماله: إذ تقدم مجاملات مستترة للرأسمالية كنظام ديناميكي للغاية يثوّر العلاقات الاجتماعية ويولّد الابتكار، لكنه لا يستطيع الانتقال إلى المستوى التالي، والذي يتطلب نمط إنتاج مختلفًا، أي الاشتراكية.

عندما نلوم النيوليبرالية، فإننا نخلق الوهم أنه مجرد الانتقال إلى حقبة ما بعد النيوليبرالية، ربما نستعيد الرأسمالية، ومنها ننتقل إلى الاشتراكية. لا أعتقد أن الكثير ممن يستخدمون مفهوم النيوليبرالية فيما يتعلق بنزع الملكية يدركون بالضرورة هذه التداعيات. ولكن حتّى نتسق نظريًا ومنطقيًا، علينا أن ندرك أن تبني هذا المنظور يخلق نظرة متسامحة نسبيًا للرأسمالية كنظام اجتماعي تقدمي ومبتكر، لكنه يواجه معوقات بسبب التفاوت الطبقي الذي يخلقه. 

دينفير: هذا التركيز على ما هو جديد في الرأسمالية طغى على ما هو ثابت فيها. ولهذا السبب نسمع مصطلح النيوليبرالية أكثر بكثير من سماعنا لمجرد مصطلح «الرأسمالية» القديمة المعتادة.

موروزوف: أعتقد من المفيد جدًا التفكير في هذه المسألة مع إبقاء الجنوب العالمي وما قبل تاريخ نظرية التبعية والبنيوية في الاعتبار. لأنك إذا وضعتها فعلًا على خريطتك الفكرية، ستجد أن تحليل هارفي للنيوليبرالية، والذي يبدأ في نيويورك في السبعينيات مع الأزمة المالية، ثم ينتقل إلى تشيلي وكل ما تلاها، يصعب التوفيق بينه وبين حقيقة أن الاقتصاديين في أمريكا اللاتينية كانوا يقولون منذ الخمسينيات والستينيات إن النظام الرأسمالي العالمي يمتلك ديناميكيات إعادة توزيع ونهب ذات طابع ريعي، وذلك قبل وقت طويل من وصول «فتيان شيكاغو» إلى تشيلي وبداية النيوليبرالية هناك.

السبب في أنهم اضطروا للوصول إلى تشيلي هو أن سلفادور أليندي أراد إخراج تشيلي من المسار الذي كانت عليه. لكنها كانت على المسار الرأسمالي، وليس النيوليبرالي. ومن منظور الجنوب العالمي، هناك ديناميكيات غريبة جدًا وفريدة داخل الرأسمالية نفسها، لا يمكن تفسيرها فقط باستخدام الفلسفة التاريخية الماركسية أو أنماط الإنتاج دون أي أدوات تحليلية أخرى.

دينفير: تزعم  أنه عندما لا يأخذ الأكاديميون في الاعتبار رؤى منظّري النظام العالمي مثًلا، ولا يفردون مساحة كافية لمفهوم التراكم البدائي أو المصادرة في تعريفهم للرأسمالية، يجعلهم ذلك عرضة -في مواجهة الاستخدامات الوقحة لقوة الدولة بعد الأزمة المالية عام 2008، أو مرة أخرى خلال الجائحة لإعادة توزيع الثروة لصالح الطبقة الرأسمالية واستقرار النظام- للاعتقاد بأننا لم نعد نعيش في ظل الرأسمالية على الإطلاق.

وتزعم أيضًا أنّ برينر تقارب بشكل ساخر مع تحليل هارفي حول أنّ التراكم من خلال المصادرة أصبح الشكل المهيمن للتراكم الرأسمالي. وهذا أمر ساخر، كما كتبت، لأن برينر كان في البداية ناقدًا شديدًا لهارفي، على أساس أن هارفي بالغ في التركيز على المصادرة بدلاً من الاستغلال كوسيلة لضمان الفائض في ظل الرأسمالية.

موروزوف: كتب برينر مراجعة نقدية للغاية لأحد كتب هارفي عن الإمبريالية، قال فيها إن مفهوم التراكم من خلال المصادرة لا معنى له تقريبًا. ولكن عند مواجهته بالأدلة التي كان يدرسها بنفسه فيما يتعلق بالاقتصاد الأمريكي، وجد صعوبة في إنكار ذلك، مقرًا أنّ هذه الديناميكية الخاصة بالابتكار لم تعد مرئية بنفس الدرجة التي كانت عليها في إنجلترا القرن السابع عشر. يعود جزء كبير من ذلك، إلى رؤية جزئية جدًا عن السوق، ومحدودة حول ما يشكّله الابتكار، وطبيعة الدور الذي تلعبه شركات التكنولوجيا الكبرى والمنصات الرقمية في كل هذا.

يمكنك النظر إلى الأرقام المطلقة للاستثمارات. هناك طرق لقياس مقدار رأس المال الذي يتم استثماره في السلع الرأسمالية، ومقدار ما يتم استهلاكه ببساطة في السلع الفاخرة. وهناك العديد من الطرق الأخرى التي يمكنك من خلالها تقدير ما يعتقده الرأسماليون بشأن المستقبل ومدى احتمالية بقائهم كرأسماليين. لذا، يمكنك إجراء تخمينات معينة وعمل توقعات بناءً على ذلك. لكنني أرى أن هذا النقاش، كما تم تناوله في الشمال العالمي، قد فقد إدراكه للتكنولوجيا، وهو ما لم يكن أبدًا هو الحال في نظرية التبعية والبنيوية. وبسبب احتياجاتهم الصناعية، أدركوا أنه إذا كنت تريد شراء جرار متطور أو بعض معدات التعدين الحديثة من الولايات المتحدة، عليك دفع رسوم لاستخدامها. لن تتمكن من تصنيعها داخليًا، لأنك ستحتاج لاحقًا إلى دفع رسوم ملكية، وثمن العلامات التجارية. لذا كانت التكنولوجيا حاضرة جدًا في أذهان الأشخاص الذين ينظّرون لهذه القضايا من الجنوب العالمي. وليس في الشمال، مما يجعل من الصعب فهم ما تفعله جوجل وفيسبوك وأمازون.

التكنولوجيا والرأسمالية والمستقبل البديل

دينفير: الكثير من الأدبيات التي تناقش الرأسمالية ودور التكنولوجيا اليوم، تركز على «الريوع» التي تستخرجها التكتلات التكنولوجية الجديدة. لكن شركات التكنولوجيا تنفق أيضًا الكثير من الأموال على البحث والتطوير، وهي أشكال كلاسيكية من الاستثمار ذكرت أنها تتصرف مثل أي شركة رأسمالية تقليدية. كتبت أن عمالقة التكنولوجيا:

«إذا كانوا حقًا مجرد مُلّاك كسالى يستغلون الجميع عبر حقوق الملكية الفكرية وتأثيرات الشبكة، فلماذا يستثمرون كل هذا المال فيما لا يمكن وصفه إلا بأنه شكل من أشكال الإنتاج؟ أي نوع من الملاك الريعيين يفعل ذلك؟ إنفاق شركة ألفابيت على البحث والتطوير في الأعوام 2017، 2018، 2019، و2020 كان 16.6 مليار دولار، 21.4 مليار دولار، 26 مليار دولار، و27.5 مليار دولار على التوالي. ألا يُعتبر ذلك جهدًا استثماريًا؟»

ثم ذكرت أنّ «أمازون» وحدها توظف عددًا من العمال أكبر من إجمالي العاملين في قطاع البناء والتشييد في الولايات المتحدة. كما تلاحظ أن جوجل وأمازون وفيسبوك تتطلب بنية تحتية مادية ضخمة. كيف يتم تحريف هذه المادية البحتة؟ ولماذا من المهم فهم جوجل ليس كمالك عقارات فحسب، بل كشركة رأسمالية تقليدية؟ ولماذا عندما ينظر منظرو الإقطاعية الجديدة إلى بعض هذه الميزانيات البحثية أو إلى هذه البنية التحتية الضخمة، لا يتأثرون؟

موروزوف: لا أعتقد أن هناك تصورًا متماسكًا عن مفهوم الشركة أو المؤسسة في النظرية الماركسية التقليدية. الماركسية ليست نظرية حول الشركات، ولا تقدم مجموعة من المعايير لتمييز بعض الشركات الرأسمالية عن الفاعلين الآخرين الذين يُعتبرون إقطاعيين. بالنسبة لماركس والماركسية، وحدة التحليل هي رأس المال، وهي علاقة اجتماعية. ليست بالضرورة هذه الشركة أو تلك. لذا، حتى التحدث عن شركات باعتبارها إقطاعية أو رأسمالية في التقليد الأرثوذكسي يبدو أمرًا غريبًا بعض الشيء.

معظم التصنيفات الحالية تنطلق من تحديد نمط الإنتاج السائد، سواء كان رأسماليًا أو إقطاعيًا. ومن هناك، يتم تحديد أنّ الفاعلين الأساسيين في هذا النمط من الإنتاج ليس لديهم خيار سوى أن يكونوا إما إقطاعيين، إذا كنا نتحدث عن الإقطاعية، أو رأسماليين في حالة الرأسمالية. وإذا بدأت من توصيف سطحي وبسيط للعصر الحالي باعتباره إقطاعيًا-تكنولوجيًا، فمن الطبيعي أن تفترض أن القوى الفاعلة أو المُمَكّنين الأساسيين لهذا النظام يجب أن يكونوا بطريقة ما إقطاعيين.

ما هي الاستنتاجات التي يمكن استخلاصها من ذلك؟ أن بعض الأشخاص والشركات نجحوا في الاستيلاء على جزء مهم من الذكاء العام لصالحهم. لقد تمكنوا من فرض نوع من الاحتكار المعلوماتي حوله، ويتصرفون كما يتصرف أي احتكار آخر، ويكتفون بالاستفادة من الريع دون استثمار في أي شيء جديد. إنهم ببساطة يستريحون على أمجادهم دون تقديم أي إسهام حقيقي. 

إحدى النقاط التي أحاول إظهارها في مقالي هي الأرقام والسلوك الفعلي للشركات باعتبارها شركات. عندما تنظر إلى قطاع التكنولوجيا، ستجد أنه لا يتوافق مع الصورة النمطية التي تتوقعها من الممثلين الأساسيين لهذا الاقتصاد الإقطاعي الجديد. بل هم أقرب بكثير إلى نموذج الشركات الرأسمالية.

هناك نسخة أقل ابتذالًا من حجة الإقطاعية التكنولوجية، وهي النسخة التي يطرحها سيدريك دوران، الاقتصادي والمفكر الماركسي الفرنسي، الذي يقدم رؤية أكثر دقة حول الموضوع. فهو لا يشترك في هذا التوصيف السطحي الذي يربط بشكل مباشر بين نمط الإنتاج وطبيعة الشركات. بل يصل إلى منطقة وسطى حيث يمكن أن تكون الشركات رأسمالية، تستثمر وتتوسع وتمارس سلوكيات تتماشى مع نموذج الشركة الرأسمالية التقليدية، ولكن في الوقت نفسه، فإن النتيجة النهائية لأنشطتها على الاقتصاد تشبه إلى حد ما ما تتوقعه من الفاعلين الإقطاعيين أو من نظام اقتصادي إقطاعي. وبذلك، يصبح الأمر بمثابة ضريبة ضخمة على الابتكار، ما يحيل إلى ديناميكية غير مواتية لنوع من التراكم والابتكار الذي ارتبط به منظّرون مثل برينر مع الرأسمالية.

دينفير: لماذا يرى الناس الريعية في كل مكان ثم يعتقدون أن هذه نهاية الرأسمالية؟ ولماذا يُعتبر الاحتكار الذي يؤدي إلى تراجع أو في بعض الحالات القضاء على المنافسة شيئًا جديدًا في الرأسمالية؟ بالطبع، للاحتكار تاريخ طويل جدًا في الرأسمالية. وقد حدد لينين وآخرون أن رأس المال الاحتكاري كان السبب في اندلاع الحرب العالمية الأولى

موروزوف: أعتقد أنّ شهرة هذه الحجة، يعود إلى حقيقة كونها نقد أخلاقي. ومن المثير أن هذا النقد في الواقع نقد كنا نتوقعه عادة من اليمين وليس من اليسار، لأنه في جوهره يخبر هؤلاء الرأسماليين السابقين أنهم بحاجة إلى العمل أكثر، وأن عليهم التوقف عن الاسترخاء على أمجادهم وأن يصبحوا الرأسماليين الجيدين الذين كانوا عليه سابقًا.

أفهم هذا النقد من اليمين النيوليبرالي ومحبي الرأسمالية، ولكنه غريب من اليسار. وأعتقد أن هذا النقد يُخفي عدم القدرة على فهم الرأسمالية المعاصرة، وعدم القدرة على تقديم أي اقتراحات حول ما يجب أن يكون جدول أعمال اليسار في ظل نظام مختلف، أو نمط إنتاج مختلف، أو مجتمعات مختلفة. في النهاية يدفعنا ذلك للقول إنه ربما يمكننا إعادة بناء نوع من الرأسمالية الاجتماعية التي كانت لدينا سابقًا، ونحن بحاجة للتأكد من أنّ الرأسماليين يعودون ليكونوا الفاعلين المسؤولين كما كانوا، وربما عندما نحقق ذلك، سنعود إلى الأيام الجيدة القديمة.

دينفير: الحجة اليسارية النيوليبرالية التي تأخذها على محمل الجد، كما ذكرت سابقًا، هي التي طرحها دوراند. هل تختلف مع دوراند في أن الرأسمالية قد تغيرت بطرق مهمة، على مدار نصف القرن الماضي، من النيوليبرالية والتمويل؟ أم أنك ببساطة لا توافق على حجته بأن هذه التغييرات تعني أننا لم نعد نعيش تحت الرأسمالية؟

موروزوف: قبل أن أبدأ، دعني أحاول تقديم نقدي لهذا الهوس الماركسي الأرثوذكسي بالإنتاج وضمان حدوث الإنتاج بأي ثمن عبر توجيه المال والتكنولوجيا وكل شيء آخر تجاهه. أعتقد أن الماركسية كجسم فكري، لديها نوع من التحيز تجاه المصانع، وهو مرتبط بالظروف التي نشأت فيها الماركسية.

لقد نشأت في بيئة معينة في إنجلترا وتحت ظروف معينة. وهناك هذا الافتراض عندما تفكر في الرأسمالية باعتبارها تراكمًا عبر الابتكار، كما يسميها برينر، أن المكان الوحيد الذي يمكن أن يحدث فيه الابتكار على نطاق واسع هو داخل عملية الإنتاج التقليدية في المصنع. هذا هو الافتراض البديهي الذي يتبناه الماركسيون. ثم تصبح المسألة بأكملها تدور حول ما إذا كانت مصانعنا وشركاتنا الرأسمالية تنتج وتبتكر حقًا، وهل يدعم نظامنا التكنولوجي ذلك عبر تسهيل الاستثمار في السلع الرأسمالية أو صناعة السلع الرأسمالية، وهل نظامنا المالي موجود لخدمة احتياجات توسيع الإنتاج وشراء السلع الرأسمالية الجديدة.

إنها متماسكة، ولكن فقط إذا كنت تعتقد أنه لا يوجد أي طريقة أخرى ممكنة للابتكار التحويلي على نطاق واسع في المجتمع. كان هذا هو الحال في بريطانيا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. هل هذا هو الحال في القرن الواحد والعشرين؟ لست متأكدًا. وهذه هي النقطة التي أعتقد أن حتى المستقلين الإيطاليين تجاوزوا فيها معظم الماركسيين الأرثوذكسيين، عندما أشاروا إلى أن العديد من عمليات التعلم التحويلي الحقيقية، والعمليات المبتكرة، وعمليات الاكتشاف التي حدثت في المجتمع جاءت من القاع إلى الأعلى، من التعاون. هناك أكثر في الحياة من مجرد إنتاج الأشياء في مصنع.

إذا كنت ترغب في بناء نظرية حول كيفية صناعة الطائرات أو كيفية علاج كوفيد، فمن الواضح أنك لن تقول «من خلال التحدث إلى أصدقائي في الحي، سأخترع لقاحًا لكوفيد» لذلك، لدى ماركس نقطة معينة بالنسبة لبعض أنواع الاختراعات والابتكارات. لكنني أعتقد أنه لا يجب أن يعمينا عن حقيقة أن التكنولوجيا موجودة، والذكاء الاصطناعي موجود، والحوسبة السحابية موجودة، والحوسبة الكمومية (quantum computing) موجودة. كيف سيبدو لدينا عملية الإبداع والابتكار والاكتشاف إذا افترضنا أن هناك المزيد من توليد المعرفة الجديدة عن مجرد اختراعها في بيئات المصانع، سواء كان المصنع شيوعيًا أو اشتراكيًا أو رأسماليًا؟

قلّة من المفكرين الماركسيين الذين فكروا بشكل مستمر في هذه المشكلة، يمكن أن نستثنى القلّة. حيث تجاهلوها لأنها لا تتعلق بالإنتاج. لقد تجاهلوها لأنها لا تتعلق بالإنتاج. ولا تتعلق بأحزمة النقل  (conveyor belts) أو صناعة السيارات. تقرأ كتاب برينر وتكتشف أن هذا جوهر الأمر. الأمر يتعلق بالسيارات، وهو يتعلق بالسيارات لأن الأمر يتعلق تاريخيًا بالسيارات، وهذا ما يحدث لليابان، وهذا ما يحدث لألمانيا، ما يحدث لكوريا الجنوبية. ونحن نريد في الأساس أن نضمن إمكانية بناء اشتراكية القرن الحادي والعشرين مع وضع صناعة السيارات في الخمسينيات في الاعتبار. هذا شيء ليس تقدميًا بالمرّة. ولا أريد أن أقول رجعيًا، ولكنه بالنسبة لي فرصة ضائعة. من الواضح أن الموارد موجودة، ولكن لا يوجد ماركسيون يفكرون في كيفية استخدامها لشيء آخر غير تصنيع السيارات في مصنع الخمسينيات.

لذلك، عندما أنتقِد شخصًا مثل دوراند، أتعامل مع ذلك من هذه الزاوية، رغم أنني لا أذكر ذلك بشكل صريح في المقال. جزئيًا، أتعامل مع هذا الأمر انطلاقًا من النقد القائل إن نظريتنا في الاشتراكية، باعتبارها نوعًا من الجهد المستدام لتوليد الابتكار بطريقة مختلفة، ربما تكون بالفعل متحيزة للغاية للديناميكيات الرأسمالية، ما يدفعنا للبحث في الأماكن الخاطئة.

الآن، إذا تجاهلنا ذلك، فأنا أتفق مع دوراند إلى حد كبير في أن هناك تغييرات معينة قد حدثت في الاقتصاد العالمي على مدار الثلاثين أو الأربعين سنة الماضي، نتجت عنها بعض الاتجاهات الراكدة جزئيًا بسبب انتقال القوة إلى القطاع المالي، وجزئيًا بسبب حقيقة أن القطاع المالي ليس محفزًا للمشاركة في نوع من التراكم الذي يتسم بالابتكار حسبما تفترض  نظرية الرأسمالية الصناعية. أنا أتفق تمامًا مع كل ذلك.

السبب الذي جعلني أعتقد ضرورة إدخال حساب دوراند للصناعة المالية العالمية والاقتصاد العالمي من المنظور المالي، في الصورة، أنّ حسابه للصناعة الرقمية ووادي السيليكون يبدو في الأساس تمديدًا وتكرارًا للحجة الإقطاعية الجديدة، لكنه الآن ينظر إلى المنصات الرقمية وليس المالية. ولا يرى الكثير في هذه الديناميكية، من حيث الابتكار، ما يمكن أن يعيد الأمور إلى المسار الصحيح. لكني أعترف إلى حدٍ ما، بما هو ممكن في المجال المالي عندما ننتقل إلى التكنولوجيا. الوضع قاتم إلى حدِ كبير، إنه نوع من الإقطاعية الكاملة.

دينفير: أين يندرج رأي برينر هنا، القائل إن «الركود الطويل الأمد في الاقتصاد الأمريكي في ظل فائض القدرة الإنتاجية العالمية قد دفع بعض العناصر القوية من الطبقة الحاكمة الأمريكية إلى التخلي عن اهتمامها بالاستثمار الإنتاجي واللجوء إلى إعادة توزيع الثروة صعوديًا عبر الوسائل السياسية»؟ ذكرت أنك متعاطف مع حجة دوراند حول الركود. هل توافق أن جذر هذا الركود جزئيًا يعود إلى نوع من فائض القدرة الإنتاجية العالمية؟

موروزوف: هذه الحسابات ليست متناقضة مع بعضها. الحساب البرينري يركز على فائض القدرة الإنتاجية وكل الأزمات التي تحدث بسبب الديناميكيات الهيكلية المدمجة في الاقتصاد العالمي. هناك دومًا منافس جديد يظهر ليجعل استثماراتك في القدرة الإنتاجية عتيقة لأنه يمكنه الإنتاج بتكلفة أقل. وهذه سمة داخلية في الاقتصاد الرأسمالي بالنسبة لـبرينر.

يمكنك التوفيق بينها وبين حساب تاريخي للثلاثين أو الأربعين أو الخمسين عامًا الماضية، والقول إنها سمة تاريخية للنظام الرأسمالي، وهو ما يؤكده مفكرون مثل جوانا ريغير. الأمر يتعلق بحركتنا في دورات طويلة، يستغرق الأمر 300 سنة حتى يستقر ذلك الطور من التمويل. الأمر حتمي، كحتميّة أن تصبح قدرتك على صناعة السيارات عتيقة بمجرد أن يطور جارك صناعة أفضل وأرخص. ما يدفعنا للتوفيق بينهما. دفاعًا عن برينر ومَن على نهجه، ترى في النهاية أنه يحاول شرح قوانين الحركة للنظام الرأسمالي. وكل ذلك صحيح إلى حد ما. بعض الناس في الواقع يقولون إنه لا يوفي العمل حقه، وكيف يتحدى العمل كل هذا ويتنقل عبر الحدود لإنتاج أرخص وأسرع وأكثر كفاءة. لكنها ليست المشكلة في رأيي.

مشكلتي معه أنه يمكنك أن تكون محللًا رائعًا لجميع هذه القرارات لإعادة تخصيص رأس المال عبر الحدود، بحثًا عن فرص استثمارية أكثر كفاءة وربحية، لن يعطيك ذلك فكرة جيدة عن كيفية أن يكون نظام آخر وطريقة إنتاج مختلفة، بخلاف القول: حسنًا، سنشغل الآن صناعتنا العالمية للسيارات تحت الاشتراكية بطريقة أكثر كفاءة وعقلانية. لأنه بالنسبة للكثير من الاشتراكيين والماركسيين، هذا هو ما تريده. تريد التأكد من أنك تدير كل شيء بطريقة أقل اضطرابًا، وتحرص على تقليل الاضطراب عن طريق التخطيط لتوزيع الموارد بعقلانية. أنا لا أقول إن هذا هو كل ما يتبع من برينر. لكن كأفق، يبدو هذا ضئيلًا للغاية، وأقل مما ينبغي أن نصر عليه. إنه عظيم كتحليل للظرف المعاصر لا أنكر. لكنه لا يثير الحماس، لأنه لا يعتبر التكنولوجيا إلّا مجرد داعم لصناعة السيارات أو الطائرات الطائرة أو أي شيء رائع سيحدث بعد ذلك.

طالما أنك لا تستطيع تخيل طريقة لتوليد الإبداع والابتكار والاكتشاف من خلال الحياة اليومية وليس من العمل في المصنع، أعتقد أنك لا تمارس الماركسية والاشتراكية بشكل صحيح. أعرف أن الكثير من الماركسيين سيختلفون معي، باعتبار أنّه محض تفاهة. لكني لست مقتنعًا بأن التأكد من أن إنتاجنا للسيارات في ظل الإشتراكية، أكثر كفاءة منه في ظل الرأسمالية باعتباره توزيع جيد لثروتنا المعرفية والسياسية.

دينفير: كتبت أننا بحاجة إلى حسم الجدل حول برينر، وللقيام بذلك علينا التنظير للرأسمالية باعتبار أنّ نزع الملكية والمصادرة والإيجار ليست مجرد ظواهر استثنائية داخل الرأسمالية، بل هي عناصر مركزية في عملها التاريخي.

كما تشير إلى أن نانسي فريزر تقدم أحد أفضل الحلول المتاحة، وأيضًا أنّ جيسون مور، أحد تلاميذ والرشتاين وأريغي، صاغ التوافق الجديد عندما كتب أن «الرأسمالية تزدهر عندما تتمكن جزر الإنتاج والتبادل السلعي من الاستيلاء على محيطات من الطبيعة الرخيصة المحتملة، التي تقع خارج دائرة رأس المال ولكنها ضرورية لعمله». ولا ينطبق هذا على الطبيعة الرخيصة فحسب، هناك العديد من الأنشطة والعمليات الأخرى التي يمكن الاستيلاء عليها، وبالتالي، فإن هذه «المحيطات» أوسع مما يقترحه مور. لماذا يقدم تحليل العلاقة بين الرأسمالية والطبيعة تحديدًا، أداة قوية لفهم النظام ككل وتحديد كيفية التعامل معه؟

موروزوف: هنا تكمن المعركة حول كيفية تعريف الرأسمالية، ومدى اتساع هذا التعريف تاريخيًا وهيكليًا. وكمنتج ثانوي لهذه المهمة، علينا أيضًا أن نطرح أسئلة مثل: لماذا نقوم بهذه المهمّة؟ هل لأننا نتوقع حدوث تغيير وتدخل ملموس ومحدد؟ ربما تكوينات جديدة للفاعلين الاجتماعيين، أو ربما تفسيرات جديدة للابتكار؟ أم أننا نريد ذلك حتى نتمكن من توظيف الكتل والقوى والنظريات القديمة بشكل أكثر فاعلية، ولكن ضد أهداف جديدة؟

أعتقد أن هذه التوترات لم تُحل بعد داخل الماركسية أو اليسار عمومًا. في النهاية، نظرًا إلى نضالات الحركات الاجتماعية المختلفة وحقيقة كارثة المناخ، أصبحنا نهتم أكثر بالأصوات الفكرية القادمة من الجنوب العالمي. بدأنا ندرك أن مشكلاتهم ربما تحتاج إلى فهم من خلال أطر تتجاوز الأطر الماركسية التقليدية، دون التخلي عنها، ولكن ربما بدمجها مع شيء آخر.

إن تراكم كل هذه العوامل جعل الموقف البرينري الأرثوذكسي يصعب الدفاع عنه. لأنه يمنعك من السعي إلى بناء التحالفات الضرورية، ومن فهم ما يجري في أجزاء من العالم لم تكن تفكر في دمجها في نضالات الماضي. إنه يمنع القيام بذلك، ويمنع من تطوير مطالبات جديدة حول الظلم الاجتماعي ونزع الملكية. كما يمنع من الحصول على سرد تاريخي صحيح حول كيفية تطور الرأسمالية بشكل مختلف في مناطق مختلفة من العالم، وكيف كانت تلك الاختلافات واستغلالها تشكل النظام العالمي الحالي.

دون امتلاك رؤية أكثر شمولًا للنظام العالمي والاقتصاد العالمي، كيف يمكننا إجراء تقييم صحيح لقوة رجال الأعمال في قطاع التكنولوجيا؟ هل هم طلائع التقدم أم طلائع الرجعية؟ من هم هؤلاء الأشخاص؟ لا يمكنك الإجابة على هذه الأسئلة من خلال سياق وطني فقط، بل تحتاج إلى السياق التاريخي الدولي، تحتاج إلى فهم جميع الروابط مع القطاع الرقمي، والطاقة، والمواد الخام، والاستخراجية بمختلف أشكالها، من الغذاء إلى غيره.

من هنا، أعتقد أنه من الواضح أننا لن نحل الجدل حول برينر بطريقة تمنحنا إطارًا نظريًا نظيفًا وفعّال تحليليًا مثل إطار برينر. من الواضح أن هذا ليس ما كان يهدف إليه والرشتاين وآخرون، ولهذا السبب عرّفوا نظامهم على أنه "الرأسمالية التاريخية"، سواء كانت الاعتراضات البرينرية التقليدية ضد هذا الرأي صالحة أم لا. فقط للتذكير، برينر، في تلك المناقشات من سبعينيات القرن الماضي، اتهم والرشتاين بالانحراف «النيوسميثي»؛ نسبة إلى آدم سميث.

في نهاية المطاف، هل يجب أن يكون ذلك مهمًا للأشخاص الذين يهتمون عمومًا بتحرر الجنوب العالمي، وبالحركات الاجتماعية المناهضة للاستخراجية، سواء كنا نعتمد على أطر نظرية تعطينا فهمًا دقيقًا لما يحدث، أم أننا نحافظ على الولاء النقي لإطار لا يفعل ذلك؟ لست مقتنعًا بأن كسب الجدالات النظرية من خلال الأرثوذكسية له قيمة كبيرة.

إن حقيقة أننا نستمر في فرض حدود صارمة حول ما يُعتبر يساريًا، فضلًا عما يُعتبر ماركسيًا، غير منتجة. من الطبيعي والمنطقي، في رأيي، أن نسمح لمثل هذه الأفكار المختلفة بالتطور. السؤال هو ما إذا كنا بحاجة إلى اشتقاق نظرية واحدة شاملة من كل هذا. ولا أوّد أن أبدو متشائمًا، لكنني لست متأكدًا من أنّ نظرية جديدة واحدة ستتمكن من حل مشكلاتنا.

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
علاء عبد الفتاح

مخاض عالم رائع جديد (2): ذرّات وبِتّات

«رغم إصرار مروجي سردية الثورة التكنولوجية الرابعة على المقارنة المخلة بالثورة الصناعية، إلا أنهم يدَّعون أن التقنيات الحديثة؛ كاقتصاد المشاركة والذكاء الصناعي والتعلم العميق والطباعة ثلاثية…»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).