سد النهضة و«القلق المشروع»
في النزاعات الدولية، لا يكفي أن تُقنع المجتمع الدولي بعدالة قضيتك أو بمدى التزامك بالقوانين والمعاهدات والمواثيق الدولية، حتى تضمن انحياز الدول المؤثرة والفاعلة لوجهة نظرك. تجارب التاريخ أثبتت أن بوصلة الدول الكبرى تجاه أي نزاع سلبًا أو إيجابًا أو حتى حيادًا هي مدى تأثر مصالح تلك الدول بالمواقف التي ستتخذها في القضية محل النزاع، وما هي عوائد انحيازها لأحد أطراف النزاع.
في نزاعنا المائي مع إثيوبيا، قررت مصر بعد عشر سنوات من المفاوضات المباشرة وغير المباشرة مع الإثيوبيين نقل الأزمة إلى طاولة مجلس الأمن، لـ«وضع الموضوع على أجندة الاهتمام الدولي» ودعوة المجلس إلى الضغط على أديس أبابا حتى تتوقف عن اتخاذ إجراءات أحادية من شأنها الإضرار بأمن مصر المائي.
ذهبت مصر إلى مجلس الأمن مطلع الشهر الجاري، في محاولة لإقناع أعضائه بتبني مشروع قرار قدمته تونس بشأن سد النهضة تحت الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة.
المشروع التونسي، والذي اعتبره البعض تنازلًا جديدًا قدمته القاهرة والخرطوم في نزاعهما مع إثيوبيا، كان يدعو أديس أبابا إلى التوقف عن الملء الثاني لخزان سد النهضة، ويفرض على أطراف الأزمة الثلاثة استئناف مفاوضاتهم لكي يتوصلوا في غضون ستة أشهر، إلى نص اتفاقية ملزمة لملء السد وإدارته.
قدمت تونس مشروع قرار يقترب كثيرًا من مقترح أمريكي حذر خبراء ومتخصصون من قبوله، لأنه يعطي لإثيوبيا الحق في تنفيذ الملء الثاني لخزان السد بمباركة باقي أطراف الأزمة، ويخلق واقعًا جديدًا يمنح أديس أبابا الأفضلية ويجعل لها اليد الطولى في أي جولة تفاوض جديدة، ساعتها لا نستطيع أن نلزمها بالتوقيع على أي اتفاقات تتعلق بقواعد الملء والتشغيل.
روبرت جاديك، مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشؤون الإفريقية، كشف عن بنود مقترح واشنطن، نهاية مايو الماضي، عندما أعلن أن بلاده تبحث حل الأزمة عبر مرحلتين، الأولى يتم التوصل فيها إلى اتفاق بشأن المخاوف الفورية لمصر والسودان حول ملء السد، والمرحلة الثانية هي حل على المدى الطويل لمسألة المياه، وحذر حينها من أن «أى عملية عسكرية ستكون كارثية.»
في نهاية يونيو الماضي، أعلنت الخرطوم أنها تسلمت من أديس أبابا ردًا على مشروع اتفاق طرحه الوسطاء الإفريقيون والأمريكيون على الدول الثلاث (مصر والسودان وإثيوبيا) خلال المفاوضات التي أجريت في أبريل الماضي بالعاصمة الكونغولية كينشاسا.
اشترطت الخرطوم لقبول هذا الطرح أن تتجدد المفاوضات مع أديس أبابا من حيث انتهت في اجتماعات واشنطن التي عُقدت العام الماضي، وطالبت بوجود ضمانات بمشاركة دولية والاتحاد الإفريقي، وتحديد سقف زمني مدته ستة أشهر فقط للتوقيع على اتفاق شامل عقب الملء الثاني، فضلًا عن عدم إدخال مسألة تقاسم المياه في الاتفاق.
لم توافق أديس أبابا سوى على شرط واحد من الشروط السودانية الأربعة، وهو «استئناف التفاوض بعد الملء الثاني» وبذلك تكون إثيوبيا قد كشفت عن نواياها الحقيقة قبل انعقاد جلسة الأمن، وكما كان ردها على المقترح الإفريقي الأمريكي، ردت على مشروع القرار التونسي، ففرغت مضمونه ولم تقبل منه سوى استئناف التفاوض برعاية الاتحاد الإفريقي دون أي قيد أو شرط، حتى لا تلزم نفسها بشيء أمام دولتي المصب وأمام المجتمع الدولي.
تبني مصر والسودان المشروع التونسي يمثل تنازلًا جديدًا ضمن سلسلة تنازلات استمرت نحو عشر سنوات، ففي كل مرة نجلس فيها مع «الأشقاء الإثيوبيين» للتفاوض ونُقدم حسن النية ونستمع لمعسول الكلام عن عدم الإضرار بحصصنا المائية، يرواغ الطرف الإثيوبي ويتحايل ويصر على تنفيذ خططه المعلنة، فيما نتمسك نحن بلغة الحوار والدبلوماسية والسلام، ما عرض أمننا المائي إلى الخطر.
قبل مواجهة مجلس الأمن، بدت القاهرة -الطرف الأكثر تضررًا- ساعية إلى حشد سند ودعم دولي لإرغام إثيوبيا على القبول بالتوقيع على اتفاق قانوني ملزم يحسم الخلافات حول أزمة ملء وتشغيل السد، لكن الوفد المصري لم يسأل نفسه قبل الذهاب إلى نيويورك على أي أساس ستتبنى دول مجلس الأمن موقفه؟ هل فقط على أساس إقناع مندوبي تلك الدول بعدالة قضيته أم أن المسألة محسومة باعتبارات المصالح والعلاقات المتبادلة؟
خلال اجتماع المجلس، حث وزيرا الخارجية المصري، سامح شكري، والسوداني، مريم المهدي، مجلس الأمن على استخدام «الدبلوماسية الوقائية» كسابقة في حل نزاع يشكل تهديدًا «وجوديًا» وطالبا أعضاء المجلس بضرورة النظر في «علامات الإنذار المبكر، قبل الاضطرار إلى التعامل مع مهمة حفظ سلام في وقت لاحق» لكن إثيوبيا أصرت على أن المسألة يمكن حلها داخل الاتحاد الإفريقي، وأن «قضية السد لا تهدد السلم والأمن الدوليين وبالتالي لا تتطلب انعقاد مجلس الأمن» وفق وزير المياه والري الإثيوبي، سيليشي بيكيلي، معتبرًا الاعتراضات التي عبرت عنها القاهرة والخرطوم «ليست موجهة ضد السد وإنما تهدف إلى وقف استخدام المياه من جانب إثيوبيا.»
الدول الكبرى التي أعلنت معظمها عن تفهم مواقف الدول الثلاثة وقدرت القلق المصري السوداني من ناحية، ورغبة إثيوبيا في التنمية من جهة أخرى، اكتفت بدعوة جميع الأطراف إلى العودة للمفاوضات برعاية الاتحاد الإفريقي، وهو ما عدته إثيوبيا انتصارًا لها في المواجهة الدبلوماسية الأممية.
بدا من كلمات مندوبي الاتحاد الإفريقي ودولتي النيجر وكينيا، خلال تلك الجلسة انحياز للموقف الإثيوبي، وهو ما يمكن تفهمه في ظل الغياب المصري الكبير عن القارة السمراء منذ عقود، تحديدًا بعد نهاية الحقبة الناصرية، أما المفاجأة التي أربكت الأوساط الإعلامية المصرية فكانت كلمة المندوب الروسي، ڤاسيلي نيبينزيا، الذي تبنى الرواية الإثيوبية، محذرًا من التهديد باستخدام القوة، قائلًا «صب الزيت على النار، والتهديد باستخدام القوة، أمر يجب منعه وتفاديه.. سنكون صريحين؛ نعبر عن قلقنا إزاء تنامي الخطاب التهديدي الذي لا يؤدي إلى حل متفاوض عليه.»
ورغم أن الدوائر الدبلوماسية فسرت حديث المندوب الروسي أنه في مواجهة مصر، إلا أن وزير الخارجية المصري حاول كعادته القفز بعيدًا عن مساحات الاشتباك، وقال في تصريحات تليفزيونية إن الحديث الروسي كان موجهًا إلى إثيوبيا، «أفسره على أنه يوجه الحديث إلى إثيوبيا، لأنه كثيرًا ما يصدر عنها تهديد بالملء دون اتفاق أو حمايته ضد خطر افتراضي، أحيانًا تكون هناك عبارات تؤخذ بشكل مبهم يُسأل فيها من يصدرها.»
لم تمض ساعات على تصريحات شكري المتهافتة حتى صدر من روسيا وإثيوبيا ردًا عمليًا، وأعلنت الدولتان عن توقيع اتفاقية تعاون عسكري مشترك، بهدف «تطوير قدرات قوات الدفاع الوطني الإثيوبية في مجالات المعرفة والمهارة والتكنولوجيا» بحسب ما نقلت شبكة «فانا» الإثيوبية.
أصاب انحياز الروس لأديس أبابا الإعلام المصري بصدمة، وبدأت المنصات الإخبارية المصرية المغيبة عن الحقائق والمعلومات بفعل فاعل تسأل ما الذي استجد في العلاقات بين القاهرة وموسكو دفع الأخيرة إلى اتخاذ هذا الموقف؟
مركز الدراسات العربية الأوراسية أرجع هذا الموقف إلى أن موسكو ما زالت تنظر إلى السياسة المصرية ببعض الشك والريبة، وعدم التعويل الكبير على إمكانات تطور العلاقة إلى حد الشراكة الاستراتيجية، نتيجة التقييم الروسي لدور مصر في انهيار الاتحاد السوفيتي، بشكل غير مباشر عندما تلقت هزيمة ثقيلة وغير مبررة في حرب الخامس من يونيو 1967، وهو ما أسقط هيبة موسكو عالميًا.
وأضاف المركز في دراسة نشرها على موقعه أن الأمر ازداد سوءًا بعد طرد الرئيس الراحل السادات الخبراء السوڤيت بطريقة مهينة، ودخول حرب أكتوبر 1973، بالسلاح الروسي، ثم عقد اتفاقية سلام عبر الولايات المتحدة حصرًا، ومجابهتها الاتحاد السوفيتي في القارة الإفريقية وأفغانستان.
وفي عهد السيسي، فقدت موسكو الحماسة لعقد شراكة مع القاهرة، بعد عودة الدفء إلى العلاقات المصرية الأمريكية عقب وصول الرئيس السابق، دونالد ترامب، إلى البيت الأبيض، بحسب الدراسة، التي أشارت إلى تراجع دور القاهرة الإقليمي في عدد من القضايا التي تخص المصالح الروسية. «يحترم نظام بوتين خصومه الذين يمتلكون أنيابًا ومخالب يمكن أن تؤذي المصالح الروسية حال اختلف معهم، فهناك أكثر من صديق ربما يكون الأقرب إلى مواقف روسيا لكنه بلا فاعلية، فالنظام الروسي الحالي لا يؤمن سوى بالقوة»
وأضافت الدراسة «بعد تولي السيسي، لم يعد لدى مصر نفوذ يذكر في المناطق الساخنة التي لروسيا مصالح فيها، أو أوراق يمكن أن تستخدمها ضد موسكو وتخشى منها. فسوريا، لا يوجد لمصر علاقة مع حلفاء الأسد، ولا سياسة واضحة تجاه الوضع النهائي في سوريا، ولا هي مرتبطة بالمعارضة الفاعلة على الأرض، أو بعض أطرافها.»
لم تتطرق الدراسة إلى عنصر مفصلي هام تسبب في غضب الروس ودفعهم لاتخاذ هذا الموقف الحاد من مصر، وهو مشاركة القاهرة وثلاث دول عربية أخرى: الإمارات والمغرب وتونس، حلف الناتو بقيادة الولايات المتحدة في مناورات «نسيم البحر» على الحدود الروسية الأوكرانية، وهو الأمر الذي اعتبرته موسكو استفزازًا غير مسبوقًا.
السفير المصري السابق، سيد قاسم المصري، قال إن الروس طالبوا مصر صراحة بعدم المشاركة في هذه المناورات التي يعتبرونها عملًا عدائيًا وتهديدًا أمنيًا لهم، إلا أن مصر وبعد تردد اشتركت بالفعل في المناورات يوم 21 يونيو الماضي.
ويرى المصري، في مقال تناقله رواد مواقع التواصل الاجتماعي بشكل واسع، أن هذا الأمر كان كفيلًا بقلب العلاقات مع روسيا رأسًا على عقب، مضيفًا «وبالنسبة للسودان فقد أصدر المجلس العسكري هناك قرارًا بإلغاء اتفاقية إنشاء قاعدة عسكرية سودانية على أراضيه قرب البحر الأحمر» مشيرًا إلى أن ذلك كان كافيًا بالنسبة لروسيا لاستبدال مصر والسودان بإثيوبيا التي تلقفت الفرصة الذهبية وفتحت الأبواب لموسكو على مصراعيها.
وتسأل المصري «ما الذي دعانا إلى الذهاب إلى البحر الأسود في مناورات مع الناتو وأوكرانيا لا ناقة لنا فيها ولا جمل سوى استفزاز روسيا؟» منتقدًا استجابة القاهرة لدعوات الولايات المتحدة دون اعتبار للرد الفعل الروسي.
الموقف الصيني لا يختلف كثيرًا عن الموقف الروسي، فالمصالح الصينية في إثيوبيا واستثمارتها في المشروعات الكهرومائية في سد النهضة، دفعت بكين إلى الانحياز لأديس أبابا، ضف إلى ذلك أن جمهورية الصين الشعبية التي هنأناها بمناسبة مرور 100 عام على تأسيس حزب الشيوعي الحاكم قبل أسبوعين تقريبًا، لن تسمح -وهي من الدول المتهمة بالتحكم في منابع الأنهار والإضرار بجيرانها- بتدخل مجلس الأمن في نزاعات المياه.
بعد ما جرى في مجلس الأمن، وتشجيع عدد من القوى الدولية والإقليمية لإثيوبيا التي تصر على اتخاذ مواقف أحادية، آخرها الملء الثاني لخزان السد، تبدو مصر في هذه اللحظة أنها تلعب في الوقت الضائع، تلهث خلف حلول دبلوماسية تفاوضية في وقت تغيرت فيه طبيعة الملعب وعبر فيه الحكام عن انحيازهم إلى خصم سجل أهدافًا على أرض الواقع، وربط مصالحه بمصالح اللاعبين الكبار.
قلق المصريين على مستقبل حياتهم مشروع، وخوفهم من تحكم إثيوبيا ومَن وراء إثيوبيا في جريان نهر النيل، شريان حياتهم، أمر طبيعي، ومحاولات إثنائهم عن الحديث والتعبير عن الانزعاج من سوء الأداء في إدارة هذا الملف، هو استمرار لعملية إخراج الشعب المصري من معادلة الحكم والسلطة.
آراء أخرى
هل تشرب «سيدة النيل» من البحر؟
«كارثة سد النهضة لن تقف عند حدود حصة مصر وحقوقها التاريخية في مياه النيل»
جغبوب وسد النهضة.. فصول من تاريخ المفاوضات العبثية
«أي نظام يواجه قضية من تلك النوعية يحتاج إلى «كفاءات تمتلك أدوات التفاوض، ومجتمع حاضن»»
خطايا وأخطاء حول سد النهضة.. هنا وهناك
«كانت هذه هي الحقبة التي تأسس فيها نادي السفاري السري ضد السوفييت الذي اشتهر في ما بعد،»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد