جغبوب وسد النهضة.. فصول من تاريخ المفاوضات العبثية
على مدار ما يقرب من عشر سنوات نجح الجانب الإثيوبي في سحب مصر إلى طريق المفاوضات العبثية في أزمة سد النهضة، التي انتهت بكسب «أديس أبابا» لجولاتها الأولى، لتضع «القاهرة» أمام أمر واقع بعد أن أنهت المرحلة الأولى من ملء خزان السد، وأعلنت مؤخرًا عن نيتها بدء المرحلة الثانية للملء في يوليو المقبل.
إصرار الحكومة الإثيوبية على عدم الاعتراف بحقوق مصر التاريخية والمشروعة في مياه نهر النيل، بدعوى إنها «حقوق استعمارية»، وأنه لا بد أن يعاد النظر فيها، يشير إلى أن مخطط «أديس أبابا»، غير المعلن، هو التحكم في مياه النيل، وتقليل حصة مصر، ثم التفاوض بعد ذلك على بيع ما يزيد عن تلك الحصة بأسعار تحددها إثيوبيا في جولات تفاوض جديدة.
دينا مفتى، المتحدث الرسمى باسم الخارجية الإثيوبية، كشف بقصد أو بغير قصد عن المخطط السابق عندما قال فى نهاية لقاء مع قناة «الجزيرة» قبل أيام، إن بلاده ستبيع المياه لمن يريد، قبل أن يعاود الاتصال مرة أخرى بالقناة بعد عدة دقائق ليقول إن تصريحاته فُهمت خطأ، وأن بلاده لا تفكر في بيع المياه.
وفيما فسره خبراء بأنه رد على التعنت الإثيوبي في المفاوضات، تحدث الرئيس عبدالفتاح السيسي على هامش زيارته لقناة السويس، نهاية مارس الماضي، محذرًا من أن المساس بحق مصر في مياه النيل سيؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار في المنطقة.
وشدد السيسي في تلويحه بالخيار العسكري، والذي استبعدت مصر خلال سنوات التفاوض الطويلة التلميح إليه، على أن «ذراع مصر طويلة وقادرة على مواجهة أي تهديد»، مضيفًا: «خلال الأسابيع المقبلة سيكون هناك تحرك إضافي لمصر في هذا الملف، ونتمنى أن نصل إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن ملء وتشغيل السد».
ثم تحدث بلهجة حادة عكست تصاعد الغضب المصري من المواقف الإثيوبية، وقال: «ماحدش هيقدر يأخذ نقطة مياه من مصر واللي عاوز يجرب يجرب... إحنا ما بنهددش حد... هيبقى في حالة عدم استقرار في المنطقة لا يتخيلها أحد... ولا يتصور أحد أنه بعيد عن قدرتنا».
ورغم تلك اللغة الحادة التي تحدث بها السيسي غداة نجاح الإدارة المصرية في إنهاء أزمة السفينة «إيفر جيفن» التي أغلقت قناة السويس لمدة أسبوع، إلا أنه عاد مرة أخرى بعد نحو أسبوع من تصريحاته الأولى لاستخدام مفردات التعاون والتفاوض، وقال خلال افتتاحه المجمع المتكامل لإصدار الوثائق المؤمنة والذكية، الأربعاء الماضي، إن موقف مصر تجاه مشروع سد النهضة مشرف جدًا، مؤكدًا أن مصر تحترم حق إثيوبيا في التنمية بشرط عدم المساس بحقوق مصر في المياه.
وأضاف: «نحن في مصر نقدر التنمية في إثيوبيا لتحسين أحوال شعبهم بشرط ألا يمس بمصالح مصر المائية»، موضحًا: «أنتم متابعين التطورات ورد الفعل، حد يقولك لسه هتقول أشقائنا، أيوة طبعًا أشقائنا، برضو رد الفعل بتاع أشقائنا وتعنتهم وفرض أمر واقع». وحذر السيسي من اللجوء إلى الخيار العسكري، قائلًا: «يا جماعة لازم نكون بنتعلم من التحديات والمشاكل اللي احنا على الأقل عاصرناها وشوفنا حجم التكلفة وشوفنا حجم التكلفة اللي بتترتب على أي مواجهة»، متابعًا: «هو أنتم مشوفتوش مواجهة زي 1962 [حرب اليمن] و1967 عملت إيه وتكلفتها علي أيه، مشوفتوش مواجهة زي اللي حصلت من أشقائنا في العراق عملت إيه وغيره وغيره».
وحسم اللغط الذي أثير بسبب تصريحاته الأولى بقوله: «التعاون والاتفاق أفضل كتير من أي حاجة تانية وعلى كل حال نحن في حالة تنسيق مع أشقائنا في السودان على الإجراءات ونؤكد للعالم عدالة قضيتنا في إطار القانون الدولي».
الخلاصة أن خيار الإدارة المصرية حتى هذه اللحظة، وكما بدا من تصريحات رأس السلطة الأخيرة، يدور حول التفاوض واستخدام بعض أدوات الضغط الإقليمية والدولية، والتي لا تملكها «القاهرة» بسبب فقدانها مكانتها كقوة إقليمية ودولية خلال العقود الخمسة الأخيرة.
ما جرى ويجري في أزمة سد النهضة يجعلنا نستدعي من الذاكرة قصة دارت وقائعها قبل قرن تقريبًا، بدأت بالتهاون والضعف والتخاذل، وانتهت بضياع واحة جغبوب المصرية على حدودنا الغربية، بعد أن بدد المفاوض المصري كل الفرص وانتهى به الأمر إلى التسليم بالأمر الواقع والتوقيع على ما فرضته عليه الأطراف الأقوى.
السطور القادمة تروي فصلًا من فصول ضياع أرض مصرية عزيزة، ظلت في عهدة الإدارة المصرية لقرون طويلة، وأثبتت الخرائط والوثائق تبعيتها لنا، ورغم ذلك تم تسلميها لخصومنا نتيجة وقوعنا في فخاخ الخِذلان وعدم المسؤولية.
في مايو من عام 1805، بايع الأعيان محمد علي باشا في دار المحكمة واليًا على مصر، بعدها بنحو شهرين صدر الفرمان السلطاني الرسمي بتكليفه بالولاية، وأُرفقت مع الفرمان خريطة تُبين حدود مصر، وقال أمر الباب العالي إن «محمد علي يحكم مصر في ظل حدودها القديمة الثابتة في تلك الخريطة».
في إطار الحرب البريطانية العثمانية، وجهت انجلترا حملة بقيادة القائد العسكري الإنجليزي فريزر، لاحتلال الإسكندرية لتأمين قاعدة عملياتها ضد الدولة العثمانية في البحر المتوسط، قصفت المدافع البريطانية الإسكندرية ودمرتها بالقنابل، فاحترقت نسخة من خريطة مصر التي أُرفقت بالفرمان السلطاني بتولية محمد علي حكم البلاد، وبقيت نسخة أخرى في القسطنطينية، ولأن مصر وليبيا كانتا تابعتين لتركيا، فلم يكن هناك ما يدعو لتعيين الحدود بين الولايتين بطريقة علمية واضحة على الطبيعة.
كانت واحة جغبوب، غرب البلاد، جزءًا من ولاية مصر وفق الخريطة المشار إليها، عين محمد علي باشا عليها حاكمًا مصريًا، وفرض على سكانها الضرائب مثل باقي المدن والمصرية.
في المتحف البريطاني في لندن هناك خريطة تؤكد أن جغبوب كانت جزءًا من أرض مصر، وضعت تلك الخرائط بين عامي 1770 و1860. لُونت جغبوب دائمًا باللون المصري في جميع الخرائط الجغرافية التي رُسمت في تلك الفترة.
في 26 أبريل من عام 1915، وُقعت معاهدة لندن بين إيطاليا وفرنسا وبريطانيا وروسيا، وكان هدف المعاهدة إقناع إيطاليا بعدم الانحياز إلى ألمانيا في الحرب العالمية الأولى. نصت المادة العاشرة من تلك المعاهدة على أن «تنتقل إلى إيطاليا جميع الحقوق والامتيازات المخولة لتركيا في ليبيا في الوقت الحاضر»، وقالت المادة 13: «إذا حدث وعملت كل من بريطانيا وفرنسا على توسيع مستعمراتهما على حساب ألمانيا، توافق الدولتان من حيث المبدأ على حق إيطاليا في المطالبة بتعويض عادل، وخاصة فيما يتصل بتعديل حدود مستعمراتها في إريتريا والصومال وليبيا، تلك الحدود المجاورة لمستعمرات بريطانيا وفرنسا».
دخلت إيطاليا الحرب بعد هذه المعاهدة بشهر واحد، تحديدًا في 24 مايو 1915، لتنضم قواتها إلى قوات الحلفاء في الحرب ضد ألمانيا والدولة العثمانية. بعد هذا التاريخ بعام أوفد السير هنري مكماهون، المعتمد البريطاني في مصر، أحد الضباط الانجليز المتخصصين في الشأن الإفريقي، وهو الكولونيل تابلوت، إلى ليبيا للتفاوض مع السنوسيين، فمر بروما ثم وصل إلى ليبيا عن طريق البحر مع سكرتيره أحمد حسنين، الذي أصبح رئيسًا للديوان الملكي المصري فيما بعد.
استمرت المفاوضات طويلًا، حتى أبريل من عام 1917، عندما عقد اتفاق تابلوت-السنوسي. ونصت المادة الرابعة من هذا الاتفاق على أن «يتولى السيد إدريس السنوسي إدارة واحة جغبوب الداخلة في الأراضي المصرية، وذلك بطريق الوكالة». وتعد تلك المادة اعترافًا صريحًا من السيد السنوسي بمصرية جغبوب.
بدأت قصة سرقة الواحة المصرية عندما أعلن وكيل وزارة الخارجية الإيطالي في 24 يوليو عام 1911 أن واحة جغبوب تنتمي إلى ليبيا، وكان ذلك قبل أربعة أشهر من الغزو الإيطالي لليبيا.
في 27 سبتمبر 1911، وجهت إيطاليا إنذارًا إلى تركيا أعلنت فيه أنها قررت احتلال ليبيا، استسلمت تركيا ووقعت معاهدة لوزان للصلح مع إيطاليا في أكتوبر 1912، ثم قامت الحرب العالمية الأولى عام 1914، وعملت بريطانيا على إبعاد إيطاليا عن تحالف دول المحور، وجذبها إلى دول الحلفاء، نظرًا لأن إيطاليا ظلت حليفة لألمانيا والنمسا لنحو 30 سنة. فدخول إيطاليا الحرب بصف هاتين الدولتين ضد بريطانيا وفرنسا سيؤدي إلى تغيير ميزان القوى في الحرب.
صفقة إنجليزية إيطالية
وحتى تتمكن بريطانيا من جذب إيطاليا إلى صفها، كان لا بد من تقديم إغراء لها. وفي 30 مايو 1919 كتب اللورد ملنر مذكرة قال فيها: «فيما يتعلق ببريطانيا فقد وافقت على إعطاء إيطاليا كل ما تريده فى ليبيا» أي تعديل الحدود المصرية الليبية، على حساب مصر.
يأتي هذا بالرغم من اعتراف بريطانيا أن بقاء جغبوب داخل الحدود المصرية يعتبر ذا أهمية كبيرة من الناحية الاستراتيجية، بحسب مذكرة لوزارة الحربية البريطانية مؤرخة في 28 مارس 1917، كما جاء في مذكرة أخرى بتاريخ 19 يونيو 1919، صدرت من رئاسة أركان القوات البريطانية في مصر أن «قطاع (ك) غرب السلوم يقع ضمن حدود مصر لإعطاء عمق للدفاع عن السلوم. على أن تدخل واحة جغبوب والآبار الواقعة إلى الغرب ضمن الحدود المصرية، فهذا هو أفضل موقع لمواجهة أي تحرك ضد سيوة من الغرب».
غيرت بريطانيا من موقفها بعد ذلك. في صفقة تضمن اعتراف إيطاليا بالحماية البريطانية على مصر، وضمان عدم عودتها إلى الحلف الألماني التركي، أرسل السفير الإيطالى في لندن إلى وزارة الخارجية البريطانية يوم 16 أكتوبر 1919 رسالة جاء فيها أن «الحكومة الإيطالية مستعدة للاعتراف بالحماية البريطانية على مصر»، وكان من ضمن ضغوط إيطاليا على بريطانيا إعلان إيطاليا أنها تشجع الثورة في مصر.
وفي 9 أبريل 1921، أصبح الاتفاق على سرقة الواحة المصرية ملزمًا لمصر. وبعد أن اشتدت الثورة الليبية ضد الاحتلال الإيطالي، أعلن الجنرال الإيطالي فاكللي أن «جغبوب لازمة لإيطاليا فى حكم ليبيا». وفي أغسطس 1924، أبلغ وزير إيطاليا المفوض، وزارة الخارجية المصرية أن حكومته علمت أن جغبوب تُستعمل كقاعدة لتموين الثوار الليبيين، وطلب من مصر منع ذلك، وهذا اعتراف صريح بأن الواحة مصرية.
شنت الصحف المصرية حملة ضد إيطاليا، فقدم الوزير الإيطالي المفوض احتجاجًا إلى وزارة الخارجية المصرية، مع ذلك أعلن صراحة بأنه «ليس في نية إيطاليا احتلال جغبوب»، ونظرًا لأن الحكومة المصرية لم تتخذ موقفًا مبدئيًا ضد رغبة إيطاليا في احتلال الواحة، شنت الصحف المصرية هجومًا على الحكومة المصرية بسبب موقفها المُتخاذل.
القائد الإيطالي موسوليني، قال إنه «إذا فشلت إيطاليا في الحصول على موافقة مصر على اتفاقية ملنر فإنها ستحتل جغبوب بالقوة»، ودخلت الصحافة الإيطالية المعركة ضد الصحافة المصرية التي تبنت رغبة أهالي الواحة بأن يكونوا تحت السلطة المصرية، وطلبوا إرسال جنود مصريين إلى جغبوب.
وبعد هجوم الصحف المصرية المختلفة «البلاغ، والسياسة، والأخبار» على إيطاليا وعلى الحكومة المصرية، ونشرها العديد من الوثائق والرسائل التي تثبت مصرية جغبوب، صرح زيور باشا، رئيس الوزراء، بأن الملك فؤاد «يعترض على التخلي عن جغبوب»، مع ذلك تراجع زيور وأعلن عن حل مؤقت وهو «إقامة منطقة عازلة مؤقتة منزوعة السلاح حول جغبوب لا تدخلها قوات البلدين».
رفضت إيطاليا اقتراح زيور باشا، وتوغلت قواتها داخل حدود مصر، فعادت الصحف المصرية تهاجم زيور باشا، وشن الشيخ عبدالعزيز البشري، هجومًا قاسيًا على رئيس الوزراء في جريدة «السياسة»، فيما كتبت صحيفة «البلاغ» الوفدية: «نريد أن نعرف ماذا تصنع الوزارة في الاعتداء على الأراضى المصرية.. إن السلوم وجغبوب أرض مصرية مثل القاهرة والإسكندرية. ولن نقبل بأي اعتداء عليهما».
وكان ضمن المواقف التي وثقتها الصحافة المصرية في ذلك الوقت موقف الضابط الإنجليزي، بيلي بك، محافظ الصحراء الغربية، الذي أكد أن «جغبوب هي مفتاح الدفاع عن مصر عن طريق سيوة، فهي آخر مركز للتزود بالمياه.. ومن العبث أن نقول إنه إذا صمدت السلوم فلن تجرؤ أي قوة على غزو مصر عن طريق جغبوب أو سيوة... إن مصر لن تستطيع الاحتفاظ بالسلوم وحدها، لأنه يمكن لقارب واحد أن يمزق دفاعات السلوم إربًا».
ورغم مقاومة القوى الوطنية ورفض الملك فؤاد المعلن، تواطأت بريطانيا وأعلنت تنازلها لإيطاليا عن مثلث من أراضي السودان ومصر ضم هضبة السلوم والبردية وسيدي هارون وواحات ملفا وأركنر ونصف العوينات وجغبوب، أي مساحة 40 ألف ميل من مصر، و50 ألف ميل من السودان.
في تبريره لسقطة حكومته التي تنازلت رسميًا عن أراض مصرية في غيبة البرلمان الذي تم حله بعد حادث مقتل السير لي ستاك سردار الجيش المصري وحاكم السودان، يقول إسماعيل باشا صدقي، وزير الداخلية في وزارة زيور باشا والمكلف بالتفاوض مع الإيطاليين، في مذكراته: «في أواخر سنة 1925 جرت بيننا وبين الطليان مفاوضات لإنهاء مسألة الحدود الغربية والبت في أمر واحة جغبوب، فتألفت من الجانب المصري لجنة برئاستي، وتألفت لجنة من الجانب الإيطالي برئاسة المركيز نجروتو كامبيازو، وقد توقفت المفاوضات غير مرة بسبب اختلاف وجهتي نظر الفريقين».
ويُكمل صدقي باشا «بعد استقالتي من وزارة زيور باشا، رأت الحكومة أن أمضي في مفاوضاتي الخاصة بالحدود ما بين إيطاليا ومصر؛ لأني كنت قد ألممت بأطرافها، بل ذهبت إلى إيطاليا لمقابلة موسوليني بشأنها، فكانت النتيجة في آخر الأمر أن جرى الاتفاق، الذي صورته الأحزاب بصورة سوداء كعادتها، في إشارة إلى معارضة الأحزاب المصرية لحكومة زيور باشا على طول الخط بسبب تعطيلها الحياة النيابية».
«كان هم مصر في هذا الاتفاق أن تحصل على خليج السلوم، وعلى الهضبة التي تعلو السلوم، والمنطقة التي حولها إلى بلدة بردية غربًا، وكان الإيطاليون قد احتلوا هذا المكان الذي يشرف على هذه المدينة المصرية، فكانت هذه المنطقة هي التي تهم مصر؛ لأنها تشرف على أراضيها؛ ولأنها هي الطريق الذي يستطيع أي غاصب أن يدخل منه البلاد المصرية من جهة الغرب، أما الطليان فقد كان يهمهم أن يحتفظوا بواحة جغبوب، التي بها ضريح للسنوسيين تنبعث منه حسب اعتقادهم تعاليم ضد سياستهم، وحكمهم في طرابلس تخلق لهم المشكلات»، يضيف صدقي.
ويدعي صدقي باشا أن مساحة واحة جغبوب لا تزيد عن عشرة أفدنة، «كان من حججنا في ملكية مصر لها أن انجلترا نفسها اعترفت في مدة الحرب العالمية الأولى بملكيتها لمصر في معاهدة شاليوت، التي عقدتها مع السنوسيين».
وكانت حجة الإيطاليين في ضمهم واحة جغبوب خلال تلك المفاوضات، أنهم ورثة الأتراك في ولاية طرابلس، وواحة جغبوب داخلة ضمن هذه الولاية، «بينما كان السنوسيون يدينون بالولاء للدولة العلية، كان الولاة الأتراك يعدونها ضمن أعمال طرابلس، بل إن بعض الكتب الجغرافية المقررة في مدارس وزارة المعارف المصرية وضعت جغبوب في خريطة طرابلس، وتلك الكتب راجعتها لجنة من هذه الوزارة واعتمدتها»، يغالط صدقي الوثائق والخرائط ليثبت صحة موقفه.
وقعت الاتفاقية مع الإيطاليين في ديسمبر عام 1925، وامتنعت البرلمانات المصرية المتولية عن الموافقة على تلك الاتفاقية، حتى تولى صدقي باشا، عراب تلك الصفقة، رئاسة الحكومة في 1930 فأسقط دستور 1923، وأصدر دستور 1930، وأجرى انتخابات قاطعتها الأحزاب والقوى الوطنية، فضمن حزبه «الشعب» أغلبية في البرلمان الجديد، فتم تمرير اتفاقية التنازل عن واحة جغبوب المصرية في يونيو من عام 1932.
هكذا ضاعت واحة مصرية، بسبب تواطئ الإنجليز مع الطليان من جهة، وتخاذل حكومة زيور باشا وتراخي المفاوض المصري صدقي باشا وزير الداخلية ورئيس الوزراء العنيف المستبد الذي كان على استعداد لبيع الوطن بالقطعة في سبيل استمرار حكومته وتوسيع صلاحيات مليكه، الآن وبعد نحو قرن من الزمن نواجه أزمة وجود وليس فقط أزمة حدود وأرض، فحكومة أبي أحمد رئيس الوزراء الإثيوبي ماضية في استكمال سد النهضة بما يضر بمصالح مصر، والإدارة المصرية توقفت خياراتها عند التفاوض بعد أن فرضت «أديس أبابا» أمرًا واقعًا وتصر على المضي في خطتها باستكمال مشروعها في غيبة الطرف المصري.
أي نظام يواجه قضية من تلك النوعية يحتاج إلى «كفاءات تمتلك أدوات التفاوض، ومجتمع حاضن»، غياب الكفاءات بسبب تقديم أهل الثقة على أهل الكفاءة واحتقان المجتمع ينذر بخسارة القضية قبل أن تنتهي جولاتها.
المصادر:
كتاب «سرقة واحة مصرية»- محسن محمد – دار أخبار اليوم
كتاب «مذكراتي» - إسماعيل باشا صدقي
كتاب «في أعقاب الثورة المصرية»- عبد الرحمن الرافعي
آراء أخرى
سد النهضة و«القلق المشروع»
«تبدو مصر أنها تلعب في الوقت الضائع، تلهث خلف حلول دبلوماسية تفاوضية في وقت تغيرت فيه طبيعة الملعب»
هل تشرب «سيدة النيل» من البحر؟
«كارثة سد النهضة لن تقف عند حدود حصة مصر وحقوقها التاريخية في مياه النيل»
خطايا وأخطاء حول سد النهضة.. هنا وهناك
«كانت هذه هي الحقبة التي تأسس فيها نادي السفاري السري ضد السوفييت الذي اشتهر في ما بعد،»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد