تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

رفقا بأينشتاين!

كريم رأفت جاد الرب
6 دقيقة قراءة

من حين إلي آخر يطالعني على شاشات الفضائيات برامج حوارية مع شخصيات مصرية شابة يسهب فيها المحاور في عرض إنجازات وعبقرية الضيف. ويلفت انتباهي أن المحاور يتحدث عن إنجازات واختراعات ذات طابع علمي، لتنتقل الكاميرا لأجد شابًا في أوائل العشرينات من العمر أو أقل جالسا في فخر ليتحدث عما حقق. رويدا يتضاءل حماسي وتعلو وجهي نظرة من الشك لا تلبث أن تتحول إلى شيئ من الإحباط والحنق، خاصة في وجود قاسم مشترك في هذه اللقاءات وهو "تحطيم" أو "إثبات خطأ" أو في أحسن الظروف "تعديل" نظرية أينشتاين!

وكوني أعمل في مجال الأبحاث العلمية منذ عدة سنوات في واحدة من أعرق جامعات العالم، والتي خرج منها العشرات من العلماء الحاصلين على جائزة نوبل، والذين غيروا وجه العلم على مدى السنين، كان السؤال الذي دائما ما يتبادر إلى ذهني هو: "قد كده أينشتاين ده ملطشة؟!".

إنها جرأة عجيبة لجعل أول خطوة في طريق البحث العلمي الطويل هو إثبات خطأ أينشتاين. وماذا يتبقى بعد هذا الإنجاز الذي يجب سطره في تاريخ البشرية؟ وهل الموضوع بهذه البساطة لدرجة أن أي شخص ليس له من التأثير العلمي شيئ على الإطلاق، بإمكانه إثبات خطأ أو تعديل النظرية؟

بالطبع الأمر برمته هو هراء بحت، وتبديد للوقت والمال لكل الأطراف المشاركة فيه. ومن المفترض أن الموضوع ينتهي عند هذا الحد لوضوح سخافة الموقف، ولكن على النقيض، تجد أن الظهور الإعلامي عادة ما ينتهي بحصول الشاب المجتهد على الدعم الرسمي من أحد المسئولين، سواء ماديا أو معنويا، إلى جانب تكوين قاعدة عريضة من المعجبين على صفحات التواصل الاجتماعي. ولا تلبث أن تجد الفقاعة التي من المفترض أن تختفي آخذة في النمو والتأثير على المشاهد غيرالمتخصص، في سلسلة غريبة من التضليل.

لو أردنا الحديث عن أينشتاين وتأثيره على حاضرنا الحديث لملأنا الكتب والمجلدات. وهذا بالطبع حدث على مدار السنوات، ومتاح على مواقع الإنترنت. ولكن دعنا نُذّكِر ببعض هذه الإنجازات.

منذ صغره كان أينشتاين مولع بالضوء وماهيته. درس الفيزياء وبعد تخرجه عمل موظفا في مكتب براءات الاختراع في برن. لم تكن هذه الوظيفة المكتبية لتناسبه، ولكنها بطبيعتها الروتينية وفرت له الوقت للتفكير والإبداع خلال عمله للحصول على درجة الدكتوراة من جامعة زيورخ. ظل سؤال طبيعة الضوء وماهيته يسيطر عليه حتى عام 1905، حينما أخرج للبشرية أربعة مقالات علمية في العام نفسه غيرت مفهوم العلماء للمادة والطاقة. هذه المقالات شملت: التأثير الكهروضوئي، والذي يفسر تأثير إسقاط الضوء بأطوال موجية (ألوان الطيف في المدى المرئي) مختلفة على الخصائص الكهربية للمواد. الحركة البراونية للجزيئات، والتي يمكن ملاحظتها عند رؤية حبات التراب الخفيفة تتراقص في الهواء بحركة عشوائية، ومنها افترض أينشتاين وجود الجزيئات. النظرية النسبية الخاصة (تبعها بعدة أعوام بالنظرية النسبية العامة)، والتي ربط فيها أينشتاين ما بين الزمان والمكان وافترض أن سرعة الضوء ثابتة بغض النظر عن سرعة المتلقي. أدت هذه النظرية إلى طفرة في علم الفلك ودراسة الكون، كما استطاعت النظرية التنبؤ بنتائج أقرب ما تكون إلى الجنون مثل استطالة الوقت وقصر المسافات وزيادة الكتلة عند السير بسرعة قريبة من سرعة الضوء. وأخيرا إثبات أشهر معادلة في التاريخ الحديث وهي أن الطاقة تساوي حاصل ضرب الكتلة في مربع سرعة الضوء. هذه المعادلة التي أدت إلى فهم الطاقة النووية وطريقة عمل النجوم ومهدت الطريق لدراسة نشأة الكون.

هذا الإنتاج العلمي تبع بمزيد من الإنجازات الأخرى في مجالات ميكانيكا الكم وطبيعة الضوء وخصائص المادة في الظروف قاسية البرودة. في الملخص.. أينشتاين هو شخصية القرن العشرين في العلوم، نال العديد والعديد من الجوائز والتي أشهرها جائزة نوبل عن التأثير الكهروضوئي عام 1921.

هنا يتضح لنا أن إثبات خطأ أينشتاين بعد مرور مائة عام تقريبا على اكتشافاته هو أمر نادر الاحتمال وإلا لما كان هناك أقمار صناعية ومركبات في الفضاء وصلت أطراف المجموعة الشمسية أو ألواح شمسية وكاميرات رقمية أو أشعة ليزر أو GPS.

ولكن ما هو أهم من إثبات صحة أو خطأ أينشتاين هو فهم كيفية عمل المنظومة العلمية في حد ذاتها. النظريات العلمية تبنى على مجموعة من المسلمات لتفسر مجموعة من الظواهر والقياسات المعملية. ومن النظرية يتم افتراض مجموعة من الاستنتاجات والتنبؤات التي يبدأ العلماء في تصميم التجارب لها. وبناء على ما تم اكتشافه وما تم إثبات التنبؤ به يتم قبول أو دحض النظرية. لهذا السبب ما زال وسيظل علماء ومهندسي العالم يستخدمون قوانين الميكانيكا الكلاسيكية لنيوتن رغم معرفة قصورها، وذلك لسهولتها ودقتها المتناهية في التجارب والتطبيقات التي لا تتحرك بسرعات قريبة من سرعة الضوء. وتظل النظرية النسبية هى أفضل ما نمتلك الآن لتفسير الظواهر التي تتضمن كتل مهولة كالنجوم والكواكب أو سرعات تقارب سرعات الضوء. وتظل أي نظرية علمية قديمة صحيحة في مدى الظواهر التي فسرتها والاستنتاجات التي تنبأت بها. على النقيض، ما زال هناك الكثير والكثير لاكتشافه. فالعديد من العلماء عاكفون على تفسير القصور المتوقع لنظرية أينشتاين كسائر النظريات العلمية. كدراسة وفهم الثقوب السوداء وقوي التجاذب بين المجرات ونشأة الكون والتشابك الكمي، بالإضافة للهدف الأسمى وهو توحيد نظريات الفيزياء.

ويمكن أن يتبادر إلى ذهن القارئ السؤال: إن كان هناك قصور في النظرية، فلم تنتقد هؤلاء الشباب على المشاركة ووضع الحلول؟، أعترف أن قصة الشاب العبقرى صغير السن متحدي الفكر التقليدي والعازم على تغيير الواقع لها من البريق ما يجعل المتلقي في حالة من الانبهار والحماس. وهنا يجب تحميل جزء من المسئولية على البرامج الإعلامية التي لم تتحرى الدقة في اختيار ضيوفها. بالطبع المناقشة العلمية للشاب المبدع تقع خارج قدرات المحاور، ولكن فريق الإعداد يستطيع الاستعانة بخبرات المتخصصين من أساتذة الجامعات للتأكد من صحة ما لديهم من ادعاءات. ببساطة، النظريات العلمية ستظل دائما قاصرة وبالتالي هى ليست رخصة للقاصي والداني ليدلي بدلوه. الحل يتلخص في إرجاع الأمر لأهله.

وأفضل مثال على هذا يمكن أخذه مرة أخرى من أينشتاين. فهو أساسًا فيزيائي متخصص من واحدة من أعرق جامعات أوروبا. كان بارعًا في الرياضيات ويتمتع بذكاء حاد. وعلى الرغم من هذا بذل الوقت والجهد لفهم اكتشافات من قبله من عظماء العلماء أمثال ماكسويل وفاراداي، وأعاد الأمر إلى أقرانه للحكم على نظرياته في صورة مقالات علمية متخصصة. ويفاجأ القارئ أن الجموح الفكري لأينشتاين تطلب منه أكثر من أربع سنوات للرد على جموع العلماء وإقناعهم بصحة نظرياته المجنونة. وعندما حصل على جائزة نوبل كان بالفعل رئيس معهد فيلهيلم للفيزياء بألمانيا وأستاذ بجامعة برلين. وبالتالي ليس الظهور الإعلامي وشبكات التواصل الاجتماعي المكان أو الطريقة التي يمكن بها الحكم على الإنتاج العلمي للعلماء.

وأخيرا، إذا افترضنا جدلًا أن هؤلاء الشباب لديهم بالفعل ما هو أفضل مما قدم أينشتاين، فأنصحهم بألا يضيعوا أوقاتهم بالظهور الإعلامي، وأن يبادروا بنشر أبحاثهم في الدوريات العلمية العالمية ليطلع عليها المتخصصون من المجتمع الدولي، لينالوا حظهم في الترشح لجائزة نوبل، لأنه للأسف لا يتم من خلال القنوات الفضائية.

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
إيڤان

الغرف الورقية 

«لدى البشر قدرة بارعة على تحويل أكثر الأيديولوجيات تحررًا من القوالب، إلى مجرد قالب آخر»

اقرأ →
رأي
دينا حسين

جلال أمين: أستاذ فن المحاضرة

«لم يكن يحتاج إلى أكثر من سبورة، وطباشير، ومعرفته وصوته المليء بالدعابة ليجذب طلابه.»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).