حنين المصريين إلى عهد «الاستبداد المرن» و«الفساد الرحيم»
مع زيادة أسعار السلع، لا سيما بعد هبوط سعر الجنيه مجددًا مقابل الدولار، وفي ظل استمرار التضييق على الحريات العامة، يسري في أوصال كثير من المصريين حنين جارف إلى عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك الذي أطاحت به ثورة يناير 2011. وهذا الشعور إن لم يكن جديدًا، فإنه زاد وتمكن من النفوس إلى حال باتت ظاهرة، عيانًا بيانًا، حسبما عبَّر الناس، في الأيام الأخيرة، على مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك في حديثهم المباشر، الذي تنطق به الألسنة همسًا، على المقاهي، وفي الأسواق، ووسائل النقل، ومكاتب العمل.
ففي يوم واحد، وقبل ذهابي إلى إحدى الندوات الثقافية، طالعت في العالم الافتراضي مقطع فيديو تداوله مصريون على فيسبوك وتويتر يرفض فيه مبارك طلب صندوق النقد الدولي تخفيض سعر الجنيه مقابل الدولار بنسبة 30%، ويشرح تصوره للتأثير السلبي لمثل هذا القرار، لا سيما على الطبقات الفقيرة. كما طالعت مقطعًا آخر لنقيب المحامين الراحل رجائي عطية انتشر بعد وفاته يرفض فيه وصف مبارك بـ«المخلوع»، ويقول إنه قد تخلى عن السلطة طواعية ليجنب البلاد حربًا أهلية. ورأيت غمزًا في السلطة الحالية لموقفها من قضية سد النهضة، من خلال استعادة البعض على تويتر مشهدًا مصورًا للقاء تم بين مبارك ونظيره الزائيري موبوتو سيسيكو في 26 مارس 1985 تم خلاله مناقشة مكافحة الجفاف.
أما في «عالم الواقع»، وفي الندوة راح المتحدث يمدح مشروع «مكتبة الأسرة»، الذي كان يتم تحت رعاية السيدة سوزان مبارك، واصفًا إياه بأنه أهم مشروع للقراءة تبنته الدولة في القرن العشرين. في الليلة نفسها، وعلى المقهى، ترامى إلى سمعي حديث الناس، الذي بدأ جهورًا عن المنتخب المصري لكرة القدم، وكيف أنه كان عظيمًا تحت قيادة المدرب حسن شحاته، وانتهى خافتًا للحديث عن الحال السياسية والاقتصادية الراهنة مقارنة بما كانت عليه أيام أبو تريكة ورفاقه.
على المنوال ذاته يستعيد الناس ويستعيروا مواقف وقرارات وتصريحات كثيرة لمبارك، ويضعونها في مضاهاة مع ما يجري في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي. وينطلي هذا الفعل على كثيرين، ويضم إليه كل يوم أنصارًا جددًا، مع ضيق أحوال المعيشة، وخنق الحريات العامة، وبيع أصول الدولة المصرية، وتراجع الدور الإقليمي لمصر. لكن هناك من لا يستجيب لهذه النداءات الخفية تارة، والظاهرة أطوارًا، ويصل الحاضر بالماضي، ويُحمل مبارك مسؤولية كثير مما يعيشه المصريون الآن، سواء بالنسبة للمؤسسات والمال أو التقاليد السياسية والرجال.
قبل أيام فاجأني سائق تاكسي بالقاهرة بقوله: «ولا يوم من أيامك يا مبارك»، ثم راح يتحدث عن الضرائب، التي تبدو نوعًا من الجباية، وكيف أنها تتوالى بلا هوادة، وعن أسعار الوقود التي تتقدم بلا توقف، ومعها أثمان كل السلع الضرورية. كان الرجل مرهقًا للغاية، وهو يجوب الشوارع ناظرًا بلا انقطاع إلى جانبيها، لعله يلتقط زبائن، ينتظرونه على مضض.
أربكتني عبارته وأوجعتني في آن، وكان عليَّ أن أقدح ذهني لأسوق له مثلًا يقنعه، وهو الرجل الذي يبدو من حواره معي، أنه لم يتلق قدرًا كافيًا من التعليم، وكان واقعًا في تبسيط مخل للأحداث الجارية، فيرى أن الثورة أظهرت أسوأ ما في المصريين.
قلت له بالعامية ما أصيغه هنا بالفصحى: «لو أن سيدة مهملة تركت طبيخها خارج الثلاجة، حتى تعفن، فلما جاء موعد الغداء، وضعته على البوتاجاز، فراح يغلي بشدة، وبينما هو على حاله هذه، جاء أولادها الصغار، ورفعوا الغطاء عن الإناء، فانبعثت الرائحة الكريهة في جنبات الشقة، فلم يطيقوها، وفروا من أمامها هاربين: فمن نلوم، الأم التي أهملت طعامها حتى فسد؟ أم من رفع الغطاء؟ قال: طبعًا، نلوم الأم. قلت: هكذا ثورة يناير». كان نظام مبارك قد أصابه عفن، من طول الاستبداد والفساد، وكل ما فعله الثوار أنهم كشفوا هذا العفن، وكان علينا أن نحاسب من تسبب فيه، ولا نتعقب ونقسو على من كشفه، خاصة أن الأمر لم يسند إليهم، بل إلى خصومهم، أو على الأقل غير المقتنعين بما فعلوا، ويرونه «مؤامرة».
هز رأسه سريعًا في موافقة، لكن بدا أنه في حاجة إلى مثل آخر ليزداد اقتناعًا. صمت برهة، وجاد عليَّ ذهني بما أردت، فقلت له: «تخيل لو كنت ابنًا لرجل يملك قدرًا مناسبًا من المال، يكفي لعيش مستور لأسرتكم، فأدخلك وأخوتك المدرسة، وكفاكم طعامًا وشرابًا ورفاهًا، لكنه كان مستهترًا في الإيفاء بما يحتاجه قادم الأيام، فلم يدخر ما يرمم بيتكم القديم، الذي تسكنونه، ولا يعالج والدتك التي تعاني من مرض مزمن في الكبد، ولا يبقي ما يغطي نفقات تعليمكم. فجأة مات الوالد، واشتد المرض على الأم، ولم تقدر على أي طبابة، ثم خار البيت منهارًا، ولم تقدر أنت وأخوتك على مصروفات التعليم فتسربتم منه، فهل يمكن أن تجلس أنت على كومة الهديم، وتتذكر، أيام كنتم في المدرسة، تملأون بطونكم بطعام جيد، والأم لا تتألم، ولا تدرك ما سيفعله بها مرض يرعى في كبدها متوحشًا، وتقول: "ولا يوم من أيامك يا أبي"؟ أجابني: لا. قلت: هذا ما فعله بنا مبارك».
لست مع هؤلاء الذين يقولون: «يجرفنا حنين إلى زمن الفساد الجميل»، قاصدين بهذا سنوات حكم مبارك. فالحقيقة أن كثيرًا من الثمار المرة التي نجنيها الآن، هي من زرع نظام هذا الرجل ومن كانوا قبله، وهذه مسألة تتراكم البراهين عليها، وتطرح كل يوم جديدها.
مع هذا لا يستطيع منصف أن يزايد على هؤلاء، بينما يرى حالهم يسوء، لكن يجب عليهم أن يعوا كل أسباب ما هم فيه، ويدركوا أن النكوص، وإن كان يمد الفرد الواحد بساعات من أحلام اليقظة المفعمة بالسلوى، فإنه يضر ضررًا بالغًا بالأمم، لأنه يجعلها تدير ظهرها للمستقبل، بينما الزمن، الذي لا ينتظر أحدًا، يتقدم بها إلى الأمام.
وبالطبع فإن المصريين ليسوا بدعًا من الناس، إذ أن آخرين في بلاد شتى، طالما تملكهم مثل هذا الحنين إلى أزمنة صعبة، فارقوها بشق الأنفس، وكانوا يكابدون فيها الكثير من الويلات، فلما رحلت، تذكروها بطيب خاطر، متناسين.
فعلى سبيل المثال لا الحصر، أظهر استطلاع للرأي جرى في أسبانيا خلال الحرب الأهلية أن قطاعًا كبيرًا من الأسبان يحنون إلى أيام الجنرال فرانكو، الذي كان يحكم بالحديد والنار، وأدت سياساته المستبدة إلى قتل البدائل التي كان من الممكن، بل من الطبيعي، أن تقي البلاد من الفوضى، وتفتح أفقًا للتغيير الآمن، والانتقال السلمي للسلطة. وعلى المنوال ذاته يحن كثير من الفلبينين إلى أيام فرديناند ماركوس، ويحن روس إلى أيام الدكتاتورية السوفيتية.
في مصر هناك مثل تتناقله الألسنة دومًا يقول: «أحيني اليوم، وأمتنى غدًا»، وهذا المثل وأضرابه ساهمت في تشكيل ثقافة سائدة لدى قطاع لا يستهان بعدده من الناس، وهؤلاء أنفسهم، هم الذين قد يجرفهم حنين إلى ماض كان بلا مستقبل. وهو حنين لا يقف عند البعض عند حد عهد مبارك، إنما يعود في الزمن إلى مراحل أبعد، حيث هناك من يحن إلى زمن السادات، الذي يوصف عند هؤلاء بأنه كان قادرًا على إحياء لون من السياسة، بينما ماتت الآن. وهناك من يحن إلى زمن عبد الناصر،حيث كان لمصر مشروع، إن كان يقف على أكف الاستبداد، فقد كان يحفل بنمط من العدل الاجتماعي، لا يمكن إنكاره. وهناك من ينزلون في التاريخ إلى ما قبل، فيتغنون بالعهد الملكي، الذي كان واعدًا بإنتاج دولة تتقدم في مدنيتها، وفي بناء قدراتها الذاتية، ودورها التاريخي في الإقليم والعالم.
وهناك من لا يحن إلى عهد حكم بعينه، بقدر ما يحن إلى ماضيه هو، فإن كان شابًا قد بلغ سن العمل لكنه صار متعطلًا، فسيحن إلى أيام طفولته، وقت أن كان يرتع هانئًا، يأخذ وليس مطلوبًا منه أي عطاء، أو رد. وإن كان كهلًا، فإن من الطبيعي أن يحن إلى شبابه، ويردد بيت الشعر الدائم في هذه الحال:
«فيا ليت الشباب يعود يومًا .. فأخبره بما فعل المشيب».
والأخطر، بل الأدهى والأمر، من هذه المشاعر الفردية، أن تعتقد النخب التي كانت تناضل من قبل من أجل تغيير الأحوال إلى الأفضل، أو يؤمن الذي أمسكوا بإيديهم دفة الحكم والقرار، أن غاية الناس جميعًا هو العودة إلى اليوم السابق للثورة مباشرة.
وأتصور أن هذا الاعتقاد ليس مجرد افتراض، أو احتمال، بل تعداه إلى ما يشبه «العقيدة السياسية»، التي طالما رفعت في الماضي شعار «الاستمرار والاستقرار»، وتصرفت على أن الاستمرار، لا يعني أن تظل الأمة قوية نابضة بالحياة، متمكنة مكانًا ومكانة، بل هو بقاء الحاكم جالسًا على كرسيه الكبير، وبقاء المنتفعون منه جالسين على كراسيهم الأصغر التي تحيط به. وتصرفت على أن الاستقرار يعني الجمود، تحت اللافتة الجهنمية التي تقول: «سَكّن تسلم».
اليوم يتحدث كثيرون عن «الفساد الرحيم»، الذي كان فيه كبار الفاسدين يحرصون على ألا يضنوا بالفتات على سائر الشعب. ويتحدث هؤلاء عن «الاستبداد المرن» الذي أعطى الناس «حق الصياح»، فيما صمت آذان السلطة عن الصائحين، وكان من بين رجالها من ينظرون في استعلاء إلى ناقديهم ويقولون: «الكلاب تعوي، والقافلة تسير».
لم يدرك هؤلاء وقتها أن هذا مَثَل يطلقه من يحاول أن يظهر عدم اهتمامه بالنقد أو ليبرر موقفه أمام نفسه أو ليغيظ منتقديه. لكن كل هذا يتهاوى ويذوب لو كانت القافلة تحمل ما نهبه اللصوص أو شيئًا من الممنوعات، فعندها يصبح نباح الكلاب واجبًا وضرورة أخلاقية ووطنية، الالتزام بها شرف.
وخطورة هذا اللون من الحنين أنه يعطي دليلًا صارخًا، ومفزعًا في آن، على أن أغلب المصريين يغادرهم الأمل في المستقبل، بل يبدون غير راغبين عن التفكير فيه، أو أنهم إذا رغبوا في هذا فإنهم عاجزين عن العمل من أجل الخروج من القسوة إلى اللين، ومن الشدة إلى الفرج.
وبالطبع فإن مثل هذا الشعور لا يسبب إزعاجًا للسلطة اليوم، فهي ابتداءً لا تعتبر نفسها منبتة الصلة عن العهد الذي سبق ثورة يناير، بل بذلت جهدًا فائقًا في استعادته في صورة أشد قسوة، وإن كنت تسمي هذه القسوة صرامة وانضباطًا وحزمًا وحسمًا ومضاء عزيمة. وهي ترى، في الوقت نفسه، أن غاية الجماهير العريضة، ليس التقدم إلى تحقيق مطالب الثورة في العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، إنما التقهقر إلى ما دون هذه المطالب. وهذا معناه أن سقف الطلب صار منخفضًا عما كان عليه قبل 25 يناير 2011، بما يخفف الضغط عليها.
ولن تعدم السلطة عند هذه الحالة وسيلة في صناعة سردية تخدم موقفها، وهي التي تروى على مسامع الناس أن العهد الذي يحنون إليه كان بائسًا، ولعل الوصف الذي أطلقه الرئيس عبد الفتاح السيسي على هذا العهد، يقدم برهانًا على هذا، حيث وصف الدولة التي تسلم مقاليدها بأنها «كانت كُهنة»، أي خرقة بالية، وبالتالي فإن على المواطن ألا يفكر في رتق مزقها، إنما يصنع مسارًا آخر تحت شعار «الجمهورية الجديدة».
إن هذا اللون من الحنين، على اختلاف العهود أو المراحل التي يتوق الناس إلى العودة إليها، لا يعدو أن يكون نوعًا من الإيمان الخفي بدائرية التاريخ، وهو إيمان خطر على أمة عريقة، يليق بها، دون شك، أن تحيا في حالة مختلفة عما آلت إليه الآن.
آراء أخرى
لماذا لم ينجح الإخوان المسلمون بالمغرب في اختبار الديمقراطية؟
«لماذا سقط حزب العدالة والتنمية في الانتخابات التشريعية؟»
غضب يجتاح بغداد
«هي قصة بطيئة تمتد على مدى الـ 16 عامًا الماضية، في أعقاب غزو الولايات المتحدة للعراق في 2003»
جهود مكافحة الفساد بين مصر ورومانيا
«رغم أن مكافحة الفساد في رومانيا لا تزال ظاهرة حديثة، إلا أن كشف فضائحه أصبح بمثابة جزء من يوميات الرومانيين»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد