ثورة متأزمة.. وسلطة تحرق يد من يلتقطها
منذ حوالي عام، كنت أعتقد أن "السلطة لاتزال ملقاة في الشوارع"، وقتها تراكمت دلالات كثيرة على الفشل الإخواني في السيطرة على الأجهزة الأمنية، بالتوازي مع فشلهم في إقناع فئات متزايدة من المجتمع، بحق "السلطة الإخوانية " في القيام باحتكار ممارسة العنف، سواء لرفضهم بشكل أيدلوجي، أو لعجزهم عن الظهور بمظهر السيد القوي، الذي تمنته بعض الشرائح المجتمعية أملاً في الاستقرار. تؤيد كل شبح لـ"السيد القوي" يظهر على الساحة، ليجلب لها الهدوء والسكينة، ثم تعود خائبة، فيما الصخب والحركة ماتزال تملأ الشوارع.
الاستقرار الذي لن يأتي إلا بـ"انتصار الثورة"؛ أي انتصار مشروع سياسي رحب معترف به من جانب الكتل الأكبر والأكثر تأثيراً في الشعب، ما يضمن له استقرارا نسبيا، وهو بالضرورة مشروع "الثورة"، لأن أي مشروع آخر، هو مشروع للفوضى والعنف الشامل، لحاجته إلى قمع كتل معتبرة من الشعب. وهو قمع لن يتحقق بسهولة، بسبب "شيوع" روح مقاومة السلطة بعد الثورة، ولكن ذلك الأمل -أي انتصار الثورة- هو أيضا لن يتحقق بسهولة، ولا هو أصلا بهذه البساطة التي يتبدى فيها، لأن "الثورة" نفسها لم تكن بالبساطة ولا السطحية التي يمكن الحديث معها عن "انتصارها" بشكل بسيط، الثورة كانت تحمل بذور تأزمها الحالي من البداية.
بنية تأزم الثورة
بعيداً عن تفاصيل ما حدث منذ تنحي مبارك، والمعارك الجدالية بين مختلف التيارات، حول المواقف التفصيلية من الاستفتاء على التعديلات في مارس ٢٠١١ والتحالف مع العسكر وجمعة الشريعة ومذبحة ماسبيرو وأحداث محمد محمود ومجلس الوزراء ثم العباسية ثم انتخابات الرئاسة، وما بعدها، بعيدا عن كل ذلك يمكن تبين اضطراب بنيوي في المنظومة هو ما يمنع تحقق ما نظنه "انتصار الثورة". هذا الاضطراب البنيوي، يمكن ملاحظته إذا نظرنا إلى الثورات المجاورة لنا، وطبيعة أزماتها. تونس المثال الأكثر سلاسة، وسوريا المثال الأكثر دموية، ويمكن الاستعاضة بالسيناريو السوري، لكونه يمثل الامتداد الخطي للأزمة، وليس الامتداد الخطي للحل.
يمكن تلخيص المأزق السوري، في "ممانعة" النظام للتغيير، وإصراره على المضي قدماً في قمعه، بما جعل المقاومة المسلحة أمراً لا مفر منه بعد انشقاق الكثيرين من الجيش والأجهزة الأمنية رفضاً لقتل المواطنين. ثم تعددت الفصائل المسلحة ثم تمكنت الفصائل الإسلامية في تصدر المشهد، وفي مشابهة النظام، في أفعالها ومحاربتها للمعارضيين غير الإسلاميين، لكنها ظلت عاجزة حتى الآن عن الإيقاع بهذا النظام، وذلك لكونها "إسلامية" تحديداً وبالتالي غير معبرة عن أي هم وطني جامع، وفي حركتها لبسط سيطرتها المادية والمعنوية تقوم بإبعاد الكثيرين عن التعلق بالثورة كأمل، كما تُفشل أي تحرك دولي لمحاصرة النظام، وينتهي بها المطاف إلى أنها ساعدت النظام السوري على البقاء، فيما نجحت بشكل كبير في هزيمة الثورة
وفي سوريا أيضا، ومنذ بداية الانتفاضة، وقت أن كانت وطنية جامعة، قرر النظام أسلمتها بنفسه، وركزت حملاته الإعلامية على ذلك. كان النظام يدرك أنه يجيد اللعب ضد خصم إسلامي، وعليه فعل كل ما يمكنه ليؤول الأمر إلى ما آل إليه، وبشكل آخر كان الإسلاميين يعرفون أيضاً أنهم يجيدون التعبئة من منطلق المظلومية وفي التخندق داخل معسكر الإيمان ضد معسكر الكفر، وليس معسكر الحرية ضد معسكر الاستبداد، وعليه فقد ساعدوا النظام على الوصول إلى ما أراد، وبدت الثورة في كل حالاتها مربكة لكليهما، لعبة جديدة غير قادرين على التأقلم معها، ويفضلون ما تربوا عليه.
بشكل أقل حدة ودموية، تتماثل التجربة المصرية مع التجربة السورية، في تأزمها البنيوي، وبنيوية التأزم يقصد بها أنه تأزم بعيد عن الاختيارات السياسية لكل فصيل، ما نحن فيه ليس حتمياً، بشكله المحدد، لكن الأزمة نفسها كانت ستطل برأسها من خلف كل منعطف مهما كان الطريق الذي سنسير فيه.
ثورات تصارع بعضها
يفضل الكثيرون التعبير عن مطالب الثورة بشعاراها التي رفعت في منذ أيامها الأولى" عيش، حرية ، عدالة اجتماعية"، وهو ما يجعلهم يصرحون ببساطة إلى أن شرط الحديث عن انتصار الثورة هو تحقيق هذه الشعارات. لكن انتصار الثورة نفسه، ليس بهذه البساطة، الثورة لم تكن أبداً ثورة واحدة، والشعارات في تجريدها العام خادعة، والفروقات التي لم يظهرها التوحد ضد مبارك، أظهرتها العراكات السياسية المستمرة من بعد تنحيه.
في رأيي لا يمكن الحديث عن انتصار الثورة بتجريد. لكل فصيل انتصاره الخاص، والذي قد يمثل هزيمة " لثورة الآخرين". الإسلام السياسي، أيدلوجية بسيطة وسطيحة مرتكزة حول "تطبيق الشريعة"، والتي لا تعدو كونها مجموعة من الحدود مضافا إليها ممارسة الحسبة على المجتمع، أمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر، وهو ما يتعارض مع "ثورة " أخرى، لثوار آخرين، ليبراليين ويساريين، ضيقي الصدور إزاء التقليل من مساحة حركتهم وحريتهم، وتتعارض ثورة كل منهم مع ثورة" القوميين"، أنصار "السيد القوي" الأصليين، ومعارضين مبارك لأسباب تتصل بالسياسة الخارجية وبـ"الضعف " و"الهوان"، ولا يكترثون قليلاً أو كثيراً بالحريات أو العدالة. وعليه لم يكن تأييدهم المفرط الحماسي لعبدالفتاح السيسي، بغريب. لقد كانوا يبحثون من البداية عن "سيد قوي" وها قد وجدوه.
كيف استلم العسكر السلطة؟
منذ تنحي مبارك، جرت محاولات عديدة لالتقاط السلطة من الشوارع، أي الحصول على تواطؤ شعبي لممارسة العنف الرسمي. حاول المجلس العسكري باستفتائه، فأحرقت السلطة يده، وصارت رموزه مثارا للاستهزاء والسخرية. ثم حاول الإخوان مع مجلسيهم ورئيسهم وحكومتهم وإعلانهم الدستوري، الذي يمثل ذروة الرغبة الإخوانية في التقاط السلطة، دون جدوى. أحرقت السلطة أيديهم أيضا. ثم أخيرا المحاولة الأكثر جدية لاستلام السلطة الملقاة في الشوارع منذ ٢٨ يناير ٢٠١١، كانت محاولة الجيش في ٣ يوليو الماضي، مستغلاً الغضب الشعبي المشبع بالبغض تجاه الإخوان، وخوف شرائح متسعة من تهديداتهم لمخالفيهم.
رأت تلك الشرائح في الجيش والشرطة بديلاً عنها في "الحرب الأهلية"، حيث ستتولى تلك الأجهزة الأمنية القيام بقمع الإخوان بديلاً عنها. لأول مرة دخلت الشرطة ميدان التحرير مرفوعة على الأعناق في ٣٠ يونيو. المشهد كان معداً بالتأكيد من قبل الجيش والداخلية، للظفر بذلك "المشهد" تحديداً، لكن هذا لا ينفي كون أن هذا المشهد رغم أنه تم إعداده مسبقا من داخل دوائر الجيش والشرطة، إلا لأنه -للأسف الشديد- لم يلقى مقاومة حقيقية من قبل الكتلة الرئيسية للمتظاهرين.
صحيح، أن كتلة من ذوي الميول اليسارية، فضلوا أن يخرجوا في مسيرات منفصلة تهتف ضد العسكر والإخوان معاً -سميت من قبل مخالفيها مسيرات اليسار الطفولي- إلا أن تلك المسيرات نفسها، ذابت وسط سيل المسيرات الأكثر زخماً. كان الطابع العام للحدث، هو الطابع الكئيب، دخول الشرطة إلى ميدان التحرير محمولة على الأعناق.
بعد أسابيع قليلة من دخول الشرطة على الأعناق للتحرير، سيطلب وزير الدفاع من الشعب تفويضه للبدء في "الحرب على الإرهاب"، ومتأثرة بالحرب الإعلامية الموجهة من الجيش، وبتهديدات الإخوان عن التفجيرات والعنف. ستخرج جموع كثيرة لتلبية دعوته، جموع غفيرة لكنها أقل كثيراً من جموع ٣٠ يونيو.
خطة الجنرال كانت ببساطة هي تلبية رغبة القطاعات التي ترى الحل في "سيد قوي" "يلم الليلة"، ولكنه فشل في ذلك، اتسعت المظاهرات، واتسع القمع، واسترد الإخوان بعضاً من دوائرهم المفقودة، وبالوقت تبتعد كتل علمانية مؤثرة عن التحالف الوهمي "لـ ٣٠ يونيو"، ويستمر فيه فقط الكتلة الصلبة للنظام: رجال أعمال، الشرطة، الجيش، الكتلة الصلبة المطالبة بـ"الاستقرار" أيا كان نوعه وأيا كان ثمنه، ولسوء حظها، فـ"استقرارها" يتحول دوما إلى "سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءا، حتى إذا جاءه لم يجده شيئا".
في خطابه الرئاسي قبل الأخير، هتف الإخوان في رئيسهم "اضرب يا مرسي"، ولم يستطع مرسي "أن يفعل"، وفي تفويضهم للسيسي بـ"الضرب" كان رجاء أنصار العسكر أكثر قوة، وقد "فعل" فعلاً، لكنه لم ينجح في الوصول إلى أي استقرار.
في كل الأحوال، الاستقرار لن يأتي بقمع كتل شعبية كبيرة، بقدرة كل منها أن يفشل أي خارطة طريق، بل تبدو أي حلول مبنية على وهم "السيد القوي" هي على العكس مشاريع للفوضي الدائمة، فيما تبدو الثورة هي مشروع الاستقرار على ما يمكن الرضا بالاستقرار عليه، الانحيازات القيمية للثورة برفض "القمع" و"السيد القوي" هي الانحيازات الأكثر عقلانية وعملية، اختيار أن هناك فرصة لأن "نحيا كراما كلنا"، ولكن المأزق الأساسي أن حياتنا بشكل كريم، لن تكون إلا بعد هزيمة كل مشاريع "لنحيا نحن كراما، وليموتوا هم بغيظهم"، أو استنزافها واحدا تلو الآخر.
صحيح أنه كان ليكون من الأجمل أن يتم عبور كل هذا عبر مناقشة منطقية بسيطة، دون الحاجة للتأكد من ذلك عبر دماء وحياة وحريات الكثيرين، إلا أنه ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، ولا يبدو أن هناك مفر، من رحلة شاقة وطويلة للوصول إلى ما كان معلوماً منذ البداية.
آراء أخرى
مراجعات ينايرية
«نظامنا السياسي الحالي من إفراز يناير 2011، وإن كان في جوهره محاولة لتجديد نظام يوليو 1952»
تمرد الإمام على ثنائية «الكاهن والفرعون»
«جرت العادة في بلادنا أن يضفي رجل الدين الرسمي الشرعية على قرارات وفرمانات حكام الدولة،»
لا شيء في مصر.. كل شيء في مصر
«ليس للمعارضة الديمقراطية المصرية الآن هدف وسط هذا العته سوى النجاة،»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد