تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

ثم أما بعد..

محمد حنفي الكاشف
4 دقيقة قراءة

بعد السلام والتحية واﻷحضان غير المرئية، كيف الصحة والحال؟ بالتأكيد أحسن حالًا منا.. اشتقت إليك، وشوقي يمزق قلبي أكثر مما تتخيل، أو قد تتخيل، فكما قال المتنبي قبلًا "أُغالِبُ فيكَ الشّوْقَ وَالشوْقُ أغلَبُ".

أكتب إليك لأحكي لك عما يحدث بنا ومعنا، فأنت غائب منذ فترة ليست بالقصيرة، ومَن في غيبتك لا يعود، واﻷمل في الرجوع كذوب، أتعلم أننا وبعدما مرت سنون ما زلنا متخبطين وتائهين، وأصبح الضحك على الذقون من شيم العصر والكذب أبو الفنون، ومع أن علاج عاهاتنا المجتمعية ليس بالسهل لكنك تعلم أن الطَبع يغلب التَطبُع، فكل المحاولات باءت بالفشل والجنون.

هل تتذكر منذ أربع سنوات عندما كنا دومًا مختلفين في الشأن العام والخاص؟ كنت تؤمن بغياب الألوان الوسطى فليس هناك إلا أبيض أو أسود، وباقي اﻷلوان ملغاة من قاموسك الشخصي.. لكن، وبعد مرور السنين، أؤكد لك أننا رأينا أغلب اﻷلوان، واليوم نختبر كل ساعة لون الكوبيا الخام ملطخ بدم أصدقائنا ومعارفنا.. وها نحن نقاوم ونراهن على اﻷمل الذي مات حرفيًا، متجاهلين الحكمة بأنه لا كبير على الموت وأن كل من عليها فان، حتى ملك المملكة مات وتمت البيعة ﻷخيه من بعده والحياة سهلة ويسيرة، وعشنا تجربة عتيدة للتداول السلمي للسلطة والسلطانية الذهبية.. ألا تصدق أن صباح الشحرورة ماتت برغم حبها للحياة ورغبتها في التمتع بها حتى الرمق اﻷخير، أنت طبعًا تصدق هذا فلقد عشت المرحلة ومررت بها، يا لحظك!

وبرغم كل ما يحدث يظل الجدعان متمسكون باﻷمل الميت ولا يريدون رؤية أمل جديد وليد، فكما خبرنا بعد كل حي يموت يُولَد حي يحيا بعده من جديد، سُنة من سنن الحياة مثلها مثل الليل والنهار.

بمناسبة سنن الحياة، أحب أن أبلغك أني تزوجت وخضت التجربة الدنيوية العظمى وقيدت نفسي في القفص الذهبي، لم أظن أني أستطيع مجاراة اﻷمر والصبر على تعلم متطلباته للاستمرار فيه، أو أن أخطاء صغيرة خاطفة من السهل أن تغتال الحلم في مقتل، ثم أن مشاكلي في التعبير عما بداخلي، والتي  يفسرها البعض على أنها تجاهل أو كِبر أو لا مبالاة أو هدوء يصل لحد البرود، تعصف بذهني وبحياتي، فما يدور بداخلي رياح هادرة وأمواج غاضبة، تجعل استقراري النفسي منعدم، فيدفعني للسير في خطوط متعرجة والاختباء داخل مني خوفًا من الاصطدام بسور من الخيبة والحسرة، وهو ما لا بد أني ملاقيه إن استمررت بالعيش بنفس المنهجية الساذجة والاختباء.

من الواضح أننا مكتوب علينا عيش تجربتين مختلفتين، فها أنت ذهبت للمرحلة التالية، أما أنا فأخوض التجارب في متاهات حياة فانية، أغلب الظن، وظني خير، أنك مستمتع بمكانك الجديد وخصوصًا بعدما لحق بك الكثير من الأحبة والرفاق، أبلغهم منا السلام وحدثهم عن اشتياقنا لهم، في غيبتك أجد نفسي حائرة في أجواء الكآبة والعبوس برغم وجود مسببات للبهجة حولها لكنها لا تلتفت إلا لما يؤلم.. وغالبًا ما يكون السبب من نفسي التي تبعث هذا الجو المليء بالشجن.

يقيني أن تغيير البيئة المحيطة يكمن في القرب أكثر من مبهجات الحياة وأسباب فرحتها.. هذا كيقيني أنك غير مهتم بنا اﻵن ولا بقذاراتنا ولا تصغي للمهاترات الدائرة بيننا.. ياللحظ!

هل رأيت من مكانك باﻷعالي تساقط الزهور مفترشة شوارعنا الملوثة بدماء الغدر؟ فقل لي رجاءً كيف التقرب لمبهجات الحياة حين يسقط الرفاق قتلًا أو كمدا، والخلائق تائهة عن شاردة الصواب؟.. وإن كنا لا نعلم متى ستنتهي تلك المهزلة المأساوية فكل ما نعلمه إذن، ويساعدنا على تحمل تلك الحياة، أن الفرج آتٍ لا محالة، فبعد كل ليل بهيم مليء بالبهائم يأتي شعاع الشمس ليبدد الجهل والخداع، ويحرق مصاصي دماء الغلابة الذين امتلأت بهم دنيانا.. هل رأيت الوحوش اﻵدمية وهي تنتقم لوحشيتها وهمجيتها، وتسببها في مقتل ما يزيد عن عشرين شاب ذهبوا لتشجيع فريق ما في مبارة كرة قدم؟ هل وصلك علم بوصول جنود الجيش اﻷسود لمشارق البلاد وذبحهم لعدد من المجندين وغيرهم كثيرين؟ وهل تعلم أننا سئمنا الحياة بلا أمل؟!

أخيرًا دعني أطلب منك أن تستمتع وتنسى دنيانا المليئة بالتشوهات والعاهات النفسية واﻷخلاقية، أعدك أني في يومٍ ما سألحق بك وأكون معك، لكن حتى يحين هذا الميعاد سأظل وفيًا لذكرى كانت تجمعنا وحياة عشناها سوية.
مع خالص الحب والدعاء بقرب الميعاد.. كُن في استقبالي.. فلن يحسن أحدهم استقبالي كما كنت دومًا تفعل.

خالص حبي وتقديري واشتياقي:
إلى أخي الميت على سريره.
فبراير 2015.

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
علاء عبد الفتاح

هو صحيح عندنا دستور!؟

«كل ما يمكن أن تحققه الدساتير هو تنظيم العلاقة بين مؤسسات الدولة ذات التأثير الفعليّ»

اقرأ →
رأي
أحمد أبو حسين

دولة السيسي الدينية

«خيل للبعض من المثقفين والمتابعين أن عبد الفتاح السيسي هو الطريق للدولة المدنية الحديثة، متجاهلين عسكريته وتوجهاته الدينية. الأولى تم تجاهلها تماماً، لأن مصر دائماً، كما…»

اقرأ →
رأي
أحمد أبو حسين

حروب النوستالجيا: أربعة يتنافسون على الماضي

«"النوستالجيا" هي الشعور بالحنين إلى الماضي، وهي من أهم الأدوات التي تستخدم في الدعاية، والتواصل العادي، والتواصل السياسي، والأخير هو موضوع المقال. كان للنوستالجيا دور كبير…»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).