تونس: المعنى وآفاق المستقبل
هذا النص مستلهم بشكل واسع من الأفكار التي كُنت قد عبّرت عنها في الحوار الذي أجرته معي الصحفية رولا سامي سرحان، والذي نشرته على الموقع الإلكتروني الفلسطيني «الحدث» في 26 يوليو الماضي.
مقدمة
في نهاية 25 يوليو 2021، وباستخدام «التدابير الاستثنائية التي تحتّمها الحالة الاستثنائية» المنصوص عليها في المادة 80 من الدستور [الذي يستخدم لفظة «فصل»]، عزل الرئيس التونسي قيس سعيد رئيس الحكومة، وعلق عمل مجلس نواب الشعب، وأسقط حصانة أعضاء البرلمان، واستولى على السلطة التنفيذية بقرار رئاسي. أُعلنت كل هذه القرارات السياسية الخطيرة من خلال القناة التلفزيونية الرسمية. وشُوهد ردا فعلٍ مباشران تجاه هذا الزلزال: دهشة أصابت بالشلل السياسيين والمراقبين الآخرين، ونشوة موافقة جماهيرية عارمة. ما يحدث في تونس منذ تلك اللحظة هو، بلا شك، نقطة تحول، وعلامة بارزة في تاريخ الثورة التونسية، وفي تاريخ الممارسة السياسية التونسية. أنوي، فيما يلي في هذا المقال، أن أقدم الوقائع الرئيسة التي شهدها الأسبوع الأخير من يوليو 2021 في تونس، ثم أتعرض لمعنى هذا الوضع وآفاق مستقبله. وفي الخاتمة أخلص إلى لفت الانتباه إلى منظور دولة رعاية (رفاه) اجتماعية تونسية مستقلة، وديمقراطية وعادلة ومُمْكنة.
نقطة تحول تكسر مراوحة عقيمة
شهدت تونس، خلال العقد الأخير، تأرجحًا بين إعادة تنشيط عميقة وواسعة النطاق لروح الثورة التونسية 2010-2011، باندفاعاتها من جانب، وبين «جرعاتٍ» ممّا يُسمّى بـ«الانتقال الديمقراطي» على الجانب الآخر. اتخذت اندفاعات روح الثورة، في الأغلب، صورة الاحتجاج والحركات المطلبية في موجات متعاقبة، فيما اتخذت سيرورة «الانتقال الديمقراطي» صورة الانتخابات التمثيلية المتكررة، كما ينصّ عليها الدستور، مع إرساء ما انبنى عليها من مؤسسات الحكم. إزاء مثل هذا المفترق، يكون من الضروري تحديد الموقع الذي يصدر عنه المرء في التأمل والتحليل . يمكن رؤية ما كان خلال العقد الماضي من أعلى، أي على أنه سيرورة دستورية نحو بناء ديمقراطية تمثيلية، وإقامة توازن للقوى، وتشريع لعمل المؤسسات، وضمان لاستمرارية أجهزة الدولة… إلخ. يوجه التركيز، في مثل منظور العلوم السياسية هذا، في معناها الدستوري، إلى الجوانب الإجرائية والشكلية للديمقراطية. على أنّ ما مرّت به تونس خلال السنوات العشر الأخيرة يمكن إدراكه من أسفل أيضًا. وهو، في هذه الحالة، سيرورة من النضالات المتنوعة، ولكنها متناغمة، في اتجاه بناء قدرة المجتمع على التعبير عن طموحاته والإفصاح عن آماله. وقد كان لموجات الاندفاع الثوري أثر في تجذير الممارسات السياسية لصالح مَن هم خارج مشهد التمثيل الحزبي. وفي المقابل، سمحت المناسبات الانتخابية بتوزيع المنافع المادية والرمزية لصالح أعداد متزايدة من الملتحقين بالطبقة السياسية-الإدارية الحاكمة.
ما حدث في 25 يوليو 2021، هو نقطة تحوّل لأنه كسر هذا التأرجح. فقد أثبتت علامات مؤكدة أنه قد بلغ مرحلة من العقم كان معها، في نقطة ما، على وشك الانكسار. ويمكن لنا التركيز على واحدة من بين هذه العلامات، موقِعها في أعلى المشهد السياسي، وعلى أخرى من قاعه. يمكننا، من الأسفل، ملاحظة تجذّر الاحتجاج والحركات المطلبية. فقد صارت هذه بالفعل، أكثر فأكثر شبابية، وأكثر فأكثر انفصالًا عن الأحزاب السياسية، وحتى غير ملتزمة تجاه أحزاب اليسار التقليدي، ومتصلة بشكل متنامٍ بالأحياء الشعبية، كما أظهرت ذلك التحرّكاتُ التي كان نصيب الشباب فيها كبيرًا خلال احتجاجات يناير 2021. يمكننا، بهذا المعنى، أن نفهم تسمية «الجيل الخطأ» التي أطلقها على ذاته قطاعٌ احتجاجي شاب، تعبيرًا عن الامتعاض والتمرّد. من الأعلى، أخلّ انتخاب قيس سعيد للرئاسة في 2019 بالتوازنات القائمة داخل الطبقة السياسية-الإدارية الحاكمة وترتيباتها.
وبرغم التناقض بين المثالين السابقين، من حيث موقعيهما في المشهد السياسي، فإن إمكانية التفاعل والتأثير المتبادل بين قطاعيه ظلّت ممكنة.
نظام سياسي نافذ
ثبتت تلك النفاذية أكثر من مرّة. ينبغي، لإدراك العمق الذي أتى سعيد منه، أن نتذكر أنّ انتخابَه قد مرّ هو نفسه خلال مسار طويل، تحوّل فيه من قيس سعيد الشخص (الصراحة والنزاهة والاستقامة… إلخ) إلى قيس سعيد الفكرة (ضرورة التغيير) ومن ثمّ إلى قيس سعيد البرنامج السياسي (المحصلة الناتجة: الفكرة + المشروع = البرنامج). عَكَس انتخابُ سعيد مثالًا لهذه النّفاذية التي سمحت لشخص «خارجي» بالوصول إلى السلطة. فلقد كانت حملته لجولة الانتخابات الثانية من تصميم، وبناء، وصنع شباب متطوعين، بالكامل تقريبًا، تجمعوا في لجان محلية وإقليمية مؤسّسة ذاتيا. العلامة الأخرى الدالة على نفاذية النظام السياسي هي تقاطع مظاهر الأزمة المتشعبة التي تمرّ بها تونس. هي، وفي نفس الوقت، أزمة فعالية لدى منظومة الرعاية الاجتماعية-الصحية، وأزمة نموذج سياسي-اقتصادي، وأزمة نظام سياسي موبوء بالفساد. كان لهذه الأزمة ثلاثية الأبعاد بما فيها من إمكانية التأثير والتأثر المتبادلة بين القطاعات، وتعدديَّةٍ في اتجاهات فعل المتغيرات السياسية المختلفة، آثار ملموسة. فقد انهارت حكومتان بفعل الأزمة، وأصبح البرلمان حبيس جدالاته، وتوازنات القوى بين كُتله الهشة. أخيرًا وليس آخرًا، كان تحرّك الرئيس في 25 يوليو 2021، والذي مكنه من الاستيلاء على كل السلطات التنفيذية، مثالًا آخر عن نفاذية النظام السياسي.
تثبت كل أمثلة التنافذ بين السيرورات والسياقات والمستويات هذه قابلية النظام السياسي للاختراق، بما هي سانحة لمنفعة الفاعل الأكثر استعدادًا لاستغلالها. والاستعداد المقصود لهذا الغرض، هو أن تكون قادرًا على قراءة اللحظة السياسية الفارقة بتأنٍ وصوابٍ، وأن تستجيب لها بفعالية وتستثمر فيها. أثبت سعيد، في لحظة 25 يوليو السياسية هذه، أنه هو هذا الفاعل، وقرّر أن يقوم بهذا الاختراق وأن يحوّله فرصَةً سياسيًّةَ ملموسَةً. وحتى ذلك الحين، كانت النفاذية تعمل وفق منطق «كلية الظاهرة الاجتماعية» ناقلةً -بشكل تبادلي- التأثير والتأثّر بين مكونات الحياة الاجتماعية ومستوياتها.
معالجة التناقضات المتشابكة
حلّ الرئيس، بمناورته الحاسمة، التناقض الذي حكم موقعَه، هو نفسه، حتى الآن. تمثّل طرَفا هذا التناقض في أن يكون هو ذاته من بين فاعلي النظام الحاكم الذين صعدتهم العملية الانتخابية إلى المواقع التي يحتلونها، وأن يكون في الآن نفسه، مُعَادِيًا لهذه السيرورة ذاتها، ومُنْكِرًا لكامل النظام السياسي، برمّته. ويأمل سعيد، بحله لهذا التناقض، في أن يُنظر إليه على أنّه هو من تمكّن من حَسَم التردّد المُراوح بين الاندفاعات الثورية وبين جُرعات «الانتقال الديمقراطي»، لصالح الأولى. حجته في ما أقدم عليه تقول إنّ «تلكؤ الانتقال الديمقراطي» صار غير فعّال، على الأقلّ، على المُستوى البرلماني. والمبرّر الرئيسي، بالنسبة إليه، هو أن البرلمان قد صار حَلَبَة إعاقات عشوائية للعمل، متزايدة الاضطراب، يسودُها العنف. ومن ثم فقد كان مضطرًا لضرب الفساد، واجتثاث التوافق السياسي الفاسد والمُفسِد.
ومع ذلك، ليست سلطة الرئيس من دون حدّ، ولا يبدو أن يديه مطلوقتان، لا في قراءة اللحظة السياسية ولا في استثمارها، دستوريًا و سياسيًا. على الجانب الأول، ومن الناحية الشكلية، يصر معارضوه بشكل متكرّر على أنّه لا يملك درجة الأستاذية الكاملة، وهو يذكّر باستمرار، ردًّا على ذلك، أنه أستاذ قانون دستوري. وقد كان، بهذه الصفة، ومنذ انتخابه، الشخص الذي خاض دون هوادة معارك متعاقبة حول حقّه الحصري في تأويل الدستور. وكان من بين حججه الأكثر قوة في هذا غياب المحكمة الدستورية، التي نصّ عليها الدستور في بابه الخامس المخصص للسلطة القضائية، في قسمه الثاني تحت عنوان «المحكمة الدستورية» وتحديدًا الفصول من 118 حتى 124 والتي لم تُنشأ بسبب خلافات الأحزاب والكتل البرلمانية. إذًا، على هذا المستوى القانوني، يبدو الرئيس معقودًا من لسانه، فهو يعلم أنه ينبغي عليه أن يكون متسقًا مع صورته التي أنشأها هو ذاته عن ذاته، ومتوافقًا مع سمعته الدستورية.
ما هو على المحك، على الجانب الآخر، هو أنّ الرئيس مُلزم، من الناحية السياسية، باعتبار ضرورة وجود مَسَارات لبِناء جبهة سياسية حوله. هو في أفضل موقع يجعله يعرف أنّه في أمس الحاجة إليها. وقد كانت بعض الأحزاب والمجموعات السياسية قد أعلنت بالفعل، منذُ عدة أشهر، أن هذه الجبهة ستكون أفضل حلّ يعالج الأزمة السياسية، كما أُعلن عن إقامة مثل هذه الجبهة أكثر من مرة في بيانات / شعارات من قبيل «حكومة الرئيس» أو «الجبهة الرئاسية» أو «الكتلة الرئاسية» أو «التحالف الرئاسي»… إلخ. والآن، تتوالى خطوات ميلاد هذا التحالف، وقد أظهر عديدٌ من الأحزاب السياسية دعمًا لها. ويظل دعم الاتحاد العام التونسي للشغل ضروريًا بالطبع لتشكيل هذه الجبهة وتحشيدها وإكسابها عمقًا شعبيًا. ومع ذلك، يعلم الرئيس أن هذا الدعم السياسي ليس كافيًا إن لم يكتمل بـ«التحصين الدستوري».
انقلابُ قصرٍ ناعمٌ ذو دعامات ثلاث
ناتج كل ما أوضحناه سابقًا هو أن انقلابَ قصرٍ ناعمًا قد تمّ. ولغرض تعزيزه يرغب قائده أن يستقر على ثلاث دعامات.
الدعامة الأولى هي جعل الانقلاب يبدو مطابقًا لنصوص الدستور. لذلك كان سعيد حريصًا بقدر كاف على الإعلان إنه ليس خارجًا على الشرعية الدستورية. لا يحدد دستور 2014 التونسي حرفيًا أنواع القرارات الممكن اتخاذها باسم «التدابير الاستثنائية التي تحتمها الحالة الاستثنائية» الواردة في الفصل 80. ولكن هذا لم يحُل دون أن يتخذ الرئيس الإجراءات المُشار إليها سابقًا. وعلى ذلك أكّد أيضًا صواب تأويله للفقرة (2) من الفصل نفسه، والتي تنص على أنّه «يجب أن تهدف هذه التدابير إلى تأمين عودة السير العادي لدواليب الدولة في أقرب الآجال»
في نفس الاتجاه، يرغب سعيد، لتعزيز حركته السياسية، في أن تبدو مناورته شرعية سياسيًا. بهذا المعنى، أكّد أنها استهداف لطبقة سياسية حاكمة لها مصالح مشبوهة متشابكة، بالغة الإضرار بالعباد والبلاد، ومتزايدة التعفّن في ممارساتها الفاسدة - المُفسدة.
الدعامة الثالثة هي الدعامة الشعبية. وبالفعل تهدف حركة الرئيس السياسية إلى الظهور على أنها استجابة لمطلب جماهيري، ومن ثم تمثل، في أعين الجماهير، الشرعية الصحيحة. الصورة المطلوبة بإلحاح هي إظهار الانقلاب على أنه استجابة للحظة غضب شعبي عارم ظل كامنًا لأشهر، وولّد رغبة جامحة في التغيير.
في البداية تلاقت الدعامات الثلاث بشكل ناجح جزئيًا، ليتعزّز نجاحُها بالتدريج عبر الساعات الأولى للانقلاب. كان القبول الشعبي حاسمًا. وكان للتعزيز المتراكم لما حدث، ثلاثة مكوّنات: قبول خجول ومنحاز جزئيًا لخبراء دستوريين، ودعم سياسي حماسي من «الجبهة الرئاسية» الصاعدة، وترحيب شعبي واسع. من الناحية السياسية، ثمة نوعان من المعارضين لإجراءات سعيد. على الجانب اﻷول، ثمة جبهة الليبرالية السياسية من داعمى الاحترام الكامل للدستور ومؤيديه في صورته الحرفية، والذين اعتادوا انتقاد «الميول الشعبوية» للرئيس. وعلى الجانب الآخر، نجد الخاسرين الذين أُضيروا بشكل مؤذٍ بسحب امتيازاتهم السلطوية. وكان من بين المرحبين بإجراءات سعيد، المجموعات الاجتماعية المنتمية إلى الطبقات الوسطى المدينية ذات نمط الحياة المُحَدّث، والمتمسّكة بمعارضة اجتماعية لرؤى حزب النهضة السياسية والأيديولوجية.
وعليه، وبرغم الطبيعة المُثبتة لانقلاب القصر الذي أقدم عليه الرئيس، من المرجّح أن يمرّ بنجاح. يحتاج هذا النجاح، إلى العمل على الحفاظ على زخم الدعم الشعبي الواضح، بالتوازي مع الإسراع في «استعادة الحالة الدستورية». ومع ذلك، يظل التحدي الأكبر لتعزيز تجذّر ما حدث، هو إثبات إمكانية شرعنة الحكومة الجديدة وفق شروط تغيير حقيقي لظروف الناس الاقتصادية والاجتماعية والصحية.
علاقة المجتمع بالدولة
ثمة أفقان ينبغي تجنبهما بأي ثمن. الأول هو أفق الديكتاتورية، أي إمكان اتجاه قيس سعيد نحو أن يكون ديكتاتورًا آخر. فحيث أنه قد عزل الحكومة و«جمّد» البرلمان، هو حاليًا الفاعل السّياسي الوحيد المُحتكِر لكل السلطات. ينبغي، في مثل هذا الموقف دائمًا، أن يُخشى الانزلاق نحو الديكتاتورية وأن يُقَاوَم. الأفق الثاني غير المرغوب هو استعادة وضع ما قبل 25 يوليو، الذي كان حالةً من الديمقراطية المغشوشة الفاسدة والمُفسِدة. لقد كان إعادة إنتاج لوضع ما قبل الثورة، بل لا يقلّ عنه سوءًا، حتى وإن بدا الاثنان متناقضين. لتجنب الأفقيْن الكارثيين، ثمة حاجة ماسّة إلى خارطة طريق.
ينبغي، حتى ينجح تصميم خارطةٍ تُجيد الاستجابة للموقف، أن نستمر في قراءة ما يحدث من أسفل، بالانتباه إلى أصوات المجتمع المُحْتَجَّةِ والمُطَالِبَة المزمنة، ومن داخل هذه اﻷصوات. ينبغي، بهذا المعنى، اعتبار ما حدث علامة مميزة في مسار علاقة المجتمع بالدولة. تُعَزِّزُ هذا الاعتبارَ «أصواتُ المجتمع العميق» التي بلغت مستويات عليا، غير مسبوقة. فلقد مرّ التوازن الرّابط ما بين خارطة الاحتجاجات الاجتماعية وخارطة المعارضة السياسية، على سبيل المثال، بهزات كبرى، طوال العقد اﻷخير. وزادت تلك الهزات من الافتراق بين الخارطتين. وعندما تظل خارطة الاحتجاجات الاجتماعية، في استمرارها، من دون تعبير سياسي مباشر، بحيث لا تؤثر في السياسات العامة أو في الخطط الحكومية، يكون ذلك عائقًا حقيقيًا. ولئن كان ذلك يعني انسدادَ سُبُل بعينها لإحداث التغيير، فهو يعني أيضًا انفتاح أخرى. في مثل سياق الاضطراب الحاد والعميق والمتسارع هذا الذي تشهده تونس، يميل مثل هذا التناقض ما بين الإعاقة والانفتاح إلى أن يتجذر. فكلما تم تجاهل تشعبه، صار غير قابل للمعالجة. ويصح هذا بصفة خاصة كلما كانت المعالجة، كما شوهد خلال الأشهر الأخيرة، من فوق، وبتعالٍ، وبآذان مترفّعة صماء، بل وبوليسيّة أمنيّة.
ومع ذلك، من المهم أن نعود قليلًا في الزمن، كما حاولتُ أن أفعل في نصٍّ لي نشرته بعنوان «واحد، عشرة، خمس وستون». أشار النص، باستخدام الرقم واحد، إلى عام الوباء، وكان الرقم عشرة يشير إلى عقد الثورة، وأشّر الرقم «خمسة وستّون» على عمر الدولة ما بعد الاستعمارية في تونس. وقد أظهرَ لي ما استعرضته أن الدولة ما بعد الاستعماريّة في تونس منذ نشأتها «كانت مبنية على إنكار تام لضرورة معالجة مسألة العدالة الاجتماعية». إضافة إلى ذلك، أن إعاقتان بنيويتان كانتا لهذه الدولة حالتا دون أن تنجح في توليد معنَى له قيمة لحياة التونسيين. الأولى هي تحديثٌ كسيح يتوهّم قدرة الدّولة على أن تهندس المجتمع باستخدام هيمنتها عليه. والإعاقة الثانية هي تنميةٌ للتخلّف روّجت أوهامًا راوحت ما بين التنمية المتوازنة والتنمية البشرية والتنمية المستدامة... إلخ، وليست هذه إلا بعضًا من الشعارات السياسية المُضللة.
في نفس النص الذي أشرت إليه، اعتبرتُ أن همّ الدولة ما بعد الاستعمارية هذه لم يكن توفير مستلزمات العيش الكريم وإتاحة فرص التطوير الخلاق لقدرات المجتمع على التحكم في تاريخيّة تغيّره. كان همّ الدولة ما بعد الاستعمارية التونسية إثبات قدرتها هي على إنتاج العالم الاجتماعي، مادِّيًّا ورمزيًّا، وهندسة المجتمع على صورة ما تُريده منه. وبالتالي، بنت تلك الدولة علاقتها بالمجتمع على أولويّة مراقبته، من خلال وراثة استراتيجية إطلاق يد السلطة الكولونيالية في مراقبة الهويّات التاريخية الجماعية من قبائل وعروش وبُلدان وأوطان، وهذه هي التسميات التي كانت سارية لمجتمعات القُرْبِ والتّعارُف.
إن المجتمع المكون من مجتمعات القرب والتعارف هو نقيض المجتمع الذي سعت الدولة التونسية الحديثة لتشكيل صورته وضبط علاقاته. يعود هذا إلى مرحلتها قبل الاستعمارية، في منتصف القرن التاسع عشر. لقد سعت الدولة التونسية الحديثة، على امتداد مراحلها الثلاث، إلى أن تجعل كل ممارسات المجتمع وأنشطته، وهوياته، وتاريخه متمحورة حول حضور الدولة وفعلها. وقد تأسست مركزية الدولة هذه على عُلويّة المِلك العام، وكلّيانيّة الجهاز، وسيطرة المؤسسة وهيمنة المدينة على الريف، إذا ما اكتفينا بالإشارة إلى القليل من المفاهيم التأسيسية. أحد هذه المفاهيم الأخرى كان انتظام اشتغال السوق، ولكن في إطار الحدود التي تسمح بها نُظم التجارة وتقسيم العمل الدولية، قبل العولمة وبعدها.
ومن ثم، كانت العلاقة بين الدولة التونسية والمجتمع التونسي، لأكثر من قرن ونصف، مبنية على سيادة الأولى على الثاني. كانت الشعارات السائدة، في ما يخص المرحلتين ما قبل الاستعمارية والاستعمارية، هي التمدّن، والاستنارة من «أحبابنا الدول العظام» كما كانت الدول القومية الأوروبية الصاعدة في القرن التاسع عشر تُسمّى في الكتابات التأريخية التونسية الرسمية. أما بالنسبة لفترة ما بعد الاستعمار، فقد أكّدت الشعارات تكرارًا على التحديث والتنمية واللحاق بركب الأمم المتقدمة… إلخ. حتى شعار التحرّر الوطني والذي كان مركزيًا خلال النصف الأول من القرن العشرين، فقد طُوع -بشكل جائر- نحو خدمة سيادة الدولة أثناء «بناء» الدولة ما بعد الاستعمارية.
كانت الثورة التونسية في 2010-2011، لحظة تاريخية حاسمة في قلقلة الهيمنة المديدة للدولة على المجتمع. كان ذلك شديد العمق بحيث أنه شمل البُنى الاجتماعية، وفلسفة القيادة، وممارسات الحكم، وعلاقات القوة بين الحاكم والمحكوم. إن القراءة الأكثر عمقًا لما كان يحدث طيلة العقد الماضي هي تلك التي تراهُ سلسلةً من المحاولات العنيدة لإعادة صياغة العقد الاجتماعي المنظّم لعلاقة المجتمع بالدولة. ويمكن القول، مع اعتبار فشل المحاولات التي تمت إلى حدّ الآن في تحقيق هذا الهدف، أن ما حدث في 25 يوليو 2021 فتح أفقًا آخر لإعادة تشكيل العلاقة بين الكِيَانَيْن.
يمكن لنموذج دولة الرعاية الاجتماعية المستقلة والديمقراطية والعادلة أن يكون هدفًا محتملًا لإعادة التشكيل التي تحقِّق إعادة صياغة العقد الاجتماعي. وأنا أدّعي، مع أخذ كل التنويعات الممكنة لهذه الصياغة في الاعتبار، أن دولة الرعاية الاجتماعية المستقلة والديمقراطية والعادلة هذه هي النقيض المباشر لما كانت عليه الدولة ما بعد الاستعمارية التونسية حتى اليوم. لقد اقترحتُ هذه الصياغة منذ عام 2014، معتبرًا أنّ عُمُر الدولة ما بعد الاستعمارية التونسية الافتراضي قد انقضى منذ نهاية عام 2010، وأن صلوحيتها قد انتهت كما هو حال كل الدُّول ما بعد الاستعمارية العربية تقريبًا. وعلى الرغم من ذلك، ما زالت حشرجاتها مستمرة حتى هذا اليوم وربما تواصلت لبعض الوقت.
خاتمة
إذا ما نجحت قوى العدالة الاجتماعية التونسية في تجنب أفقي الديكتاتورية وإعادة توازن القوى السياسي السابق لـ25 يوليو، يمكن لنا الادّعاء أن مستقبلًا أفضل لمسار دولة الرعاية الاجتماعية المستقلة والديمقراطية والعادلة، صار مفتوحًا الآن وهنا. ومع ذلك، لا يمكن تحقيق مناعة حقيقة ضد هذين الأفقين الكارثيين ولا التقدم نحو هذا المستقبل المشرق دون ممارسة سياسية ديمقراطية ومفتوحة. وهذا ما يحتاجه على وجه الخصوص، وبشكل حاسم، الشباب والنساء والفئات والطبقات الاجتماعية الشعبية في المناطق الريفية والحضرية، حتى إذا ما تبيّن أنّه ينبغي فرضُه مجدَّدًا.
آراء أخرى
رغم هيمنة البيروقراطية.. اتحاد الشغل عقبة كبيرة أمام استبداد سعيد
«يتميز الاتحاد التونسي، منذ تأسيسه، بأنه ليس مدينًا بوجوده للسلطة الحاكمة»
في النموذج الانتفاضي العربي: قراءة في ملف «الربيع العربي»
«ما الذي يمكن أن يثري به هذا الملف مفهوم النموذج الانتفاضي العربي؟ »
10 سنوات على الثورة التونسية: عن خصوصيات وحدود «الاستثناء»
«ملف الربيع العربي»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد