تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

رغم هيمنة البيروقراطية.. اتحاد الشغل عقبة كبيرة أمام استبداد سعيد

هشام فؤاد
13 دقيقة قراءة
رغم هيمنة البيروقراطية.. اتحاد الشغل عقبة كبيرة أمام استبداد سعيد
تجمع اليوم العالمي للعمال في تونس تزامنًا مع عودة الاتحاد إلى معقله التاريخي، مايو 2024. تصوير علاء العقربي/نواة

قبل أيام لوّح اتحاد الشغل التونسي بالإضراب العام لمواجهة تهميش دوره في تمثيل العمال، وهجوم النظام السلطوي المتواصل على الحريات النقابية، بعد نجاحه في تقليم أظافر الأحزاب السياسية والمنظمات الحقوقية، مما جعل الساحة شبه خالية من المنظمات الفاعلة، باستثناء نقابة الصحفيين «التي لا تمتلك امتدادًا شعبيًا».

ويستفيد الرئيس قيس سعيد، في الحلقة الجديدة من معركته المستمرة لتقويض المنظمة النقابية، التي تعد واحدة من آخر أعمدة الديمقراطية في تونس، من تبني قطاع من الرأي العام والتونسيين لسردية السلطة عن مسؤولية الإضرابات عن الأزمة المعيشية المتفاقمة، كما يستفيد من الأزمات الداخلية، التي تعصف بالاتحاد وتهدد بانقسامه.

في المقابل، طالت الشريحة البيروقراطية المهيمنة على الاتحاد، الذي يضم نحو 750 ألف عامل، يمثلون 13% من مجموع الناخبين، اتهامات بالفساد وتقويض الديمقراطية الداخلية ومركزة السلطة، إلى جانب تبني خط مهادن ومطبع مع أنظمة الحكم بتوجهاتها المختلفة، بعد انتفاضة الياسمين عام 2011.

ومما لا شك فيه، فإن غياب اتحاد الشغل لا يؤثر فقط على النضال العمالي، بل على التطور السياسي للبلاد، لكن صموده في مواجهة هجمات السلطة يحتاج، حسب مراقبين، إلى جملة من الإصلاحات الهيكلية، والتخلص من القيادة البيروقراطية، وإعادة قراءة علاقته بالشأنين الوطني والاجتماعي، وكذلك تموضعه السياسي.

«يا عساس الطليان.. الاتحاد لا يهان»

تأسس الاتحاد عام 1946 على يد الزعيم النقابي التاريخي، فرحات حشّاد، الذي تم اغتياله عام 1952، وهو امتداد لتجارب نقابية شهدتها ساحة النضال العمالي منذ أوائل القرن الـ20. 

ولعب الاتحاد دورًا محوريًا في النضال ضد الاستعمار الفرنسي، ثم في الحياة السياسية والاجتماعية بعد الاستقلال، كما قاد عددًا من التحركات الاجتماعية والإضرابات. وبرز بقوة في المحطات المفصلية من تاريخ تونس. 

لذا لم يكن مفاجئًا مدى الاهتمام الإقليمي، بل والعالمي، بمتابعة معركة كسر العظم الجارية بين السلطة والاتحاد، والتي كان آخر فصولها المسيرة التي شارك فيها آلاف النقابيين، في 21 أغسطس الجاري، للدفاع عن حقوقه وموقعه التاريخي في المشهد الاجتماعي والسياسي. 

مسيرة حاشدة دفاعًا عن الحق النقابي، شارع الحبيب بورقيبة في تونس العاصمة، 21 أغسطس 2025. تصوير ملاك بن داخل

نُظمت المسيرة أمام مقر اتحاد حشّاد العظيم، في العاصمة، وجابت شارع الحبيب بورقيبة، وهو الشارع الرمز للثورة التونسية، وشهدت مشاركة سياسية وحقوقية، وصدحت الحناجر بشعارات مناهضة للرئيس قيس سعيّد، حسب وسائل إعلام تونسية متطابقة:⁠ «يا عساس الطليان.. الاتحاد لا يُهان» (المقصود أن الرئيس تحول إلى حارس بوابة لإيطاليا)، و«يسقط جلاد الشعب.. يسقط قمع البوليس»، و«يا مواطن يا مقموع.. زاد الفقر زاد الجوع».

المتحدث الرسمي للاتحاد، سامي الطاهري، أعلن أنه «في حال استمرار الاعتداءات ورفض الحكومة فتح حوار مجتمعي حول أوضاع العمال، سيتم تحديد موعد لإضراب عام».

كان الاتحاد قد نجح في تنظيم إضراب عام لعمال النقل شل البلاد تمامًا أيام 29 و30 و31 يوليو الماضي، للمطالبة بتحسين أوضاع العمال المعيشية في ظل سياسات الليبرالية المتوحشة.

وجاء الإضراب عقب فشل جلسات المفاوضات بين النقابة وسلطة الإشراف الحكومية، إذ لم تستجب وزارة النقل التونسية للمطالب الاجتماعية والمالية الأساسية، مؤكدة أنه لا يمكن الموافقة عليها ما لم تحقق شركات النقل أرباحًا مالية، وفق ما نقلته بوابة تونس الإخبارية.

وبدا الإضراب بمثابة القشة التي قصمت ظهر العلاقة بين الاتحاد والسلطة، التي تتحرك ببطء، لكن بثبات، لإضعاف دوره تمهيدًا لتقويضه.

بعد يومٍ من إضراب عمال النقل، تجمع مؤيدون للرئيس التونسي، أمام مقر الاتحاد في العاصمة، احتجاجًا ضد قياداته، وطالبوا الرئيس بتجميد الاتحاد، وحاولوا اقتحام المقر. وفي اليوم التالي مباشرة، أطل الرئيس مرة ثانية، وقال بنبرة غاضبة: «لم تكن في نية المحتجين لا الاقتحام ولا الاعتداء كما تروّج لذلك ألسنة السوء». 

لاقت انتقادات سعيد للمنظمة النقابية استحسان طيف من الرأي العام التونسي، الذين يرون أن من بين أبرز أسباب تراجع الوضع الاقتصادي الإضرابات المتكررة منذ 2011، والتي نفّذتها النقابات في قطاعات حيوية ومنها إنتاج الفوسفات.

مؤخرًا، تذكرت رئيسة الحكومة التونسية، سارة الزعفراني، فجأة بعد عشرات السنين أن التفرغ النقابي للموظفين العموميين في جميع الوزارات غير قانوني، وأصدرت قرارًا بإنهاء التفرغ لـ«زيادة الإنتاجية وعدم إهدار فلوس البلاد». والمقصود بالتفرغ النقابي هو توقف النقابيين عن أعمالهم الوظيفية، وإعطاء كل الوقت للمهام النقابية، مع الإبقاء على أجورهم.

تم إقرار التفرغ النقابي بعد الاستقلال عام 1956، في عهد الرئيس الحبيب بورقيبة. والطريف أن السلطات بررت القرار حينذاك بأنه «سيؤدي إلى حث العمال والموظفين على القيام بواجبهم».

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تخطاه إلى التلويح بإصدار قرار بإلغاء الاقتطاع الآلي للاشتراك النقابي من أجور الموظفين وتحويله لميزانية الاتحاد، حيث أكد الرئيس أنه «لا مجال للتراجع عن المحاسبة ولا تردد في استرجاع أي مبلغ من حق الشعب، ولا مجال لأن يحل أحد محل الدولة لا في الانخراط غير الإرادي ولا في التمويل غير الطوعي».

يرى مراقبون أن سعيد هو من أعطى الضوء الأخضر لرئيسة الحكومة لإثارة مسألة الاقتطاع الآلي، مما سيضر بشكل كبير، في حال تطبيقه، بالموارد المالية للاتحاد وقدرته على تمويل نشاطاته.

ورغم أن قيمة الاقتطاع تعتبر رمزية (نحو دولار واحد شهريًا)، فإن اتحاد الشغل يحصد موارد مهمة من عائداته التي تتم بشكل آلي بالنسبة للعاملين في القطاع العمومي.

كما تعمد النظام حرمان الاتحاد من حق المشاركة في التشريع، فلم يشركه في مناقشة القوانين العمالية أو إجراءات مثل تعديل عطلة الأمومة ومنح زيادات دون مفاوضات، بالتزامن مع شنّ أبواق السلطة حملات شيطنة وتخوين، ما يجعل أي نقابي أو قيادي عرضة للاتهام المباشر، ويضع الحركة النقابية في موقف هش أمام السلطة.

في المقابل، شدّد الأمين العام المساعد للاتحاد، قائلًا: «كل هذه الأساليب استُعملت عبر العقود، لكن جوهر المسألة أنّ الاتحاد منظمة صاحبة موقف؛ من الاقتصاد، من العدالة الاجتماعية، من مسألة الديون والتبعية، من السيادة الوطنية، ومن مصير المؤسسات العمومية».

ختم الطاهري بالتشديد على أنّ «التفرغ النقابي ليس منّة من أحد، بل حق يكفله القانون، تمامًا كما هو الحال في منظمات أخرى»، لافتًا إلى أن التفرغ انتهى فعليًا منذ 2022، وأن ما ورد في المنشور يأتي في إطار تأجيج وتأليب الرأي العام ضد الاتحاد.

كما لفتت خمس جهات حقوقية، في بيان، إلى أن «هجوم الرئيس يأتي في سياق تَصاعد الاحتجاج الاجتماعي في الأشهر الأخيرة، سواء لدى الشغّالين أو المعطّلين، في ظل تدهور المقدرة الشرائية وصعوبة الأوضاع المعيشية وانهيار الخدمات العمومية وانسداد الآفاق، ومواصلة السلطة سياساتها التقشّفية مغلّفة بشعارات الانتصار للمفقَرين والمهمشين، وسياسة حراسة الحدود الإيطاليّة وإعادة المهاجرين التونسيّين، مُغَلّفة بالشعارات السيادية والنظريات العنصريّة». 

اتحاد الشغل وهيمنة البيروقراطية

شغل اتحاد الشغل، التنظيم النقابي الأكبر في البلاد، والحائز جائزة نوبل عام 2015، دور المُرجح منذ بداية الانتفاضة ضد حكم بن علي. ورغم أنه لم يكن من أطلق تلك الانتفاضة، ولم يستجب لها فورًا، فإن انخراط الفروع الجهوية والقطاعية الثورية، اضطرت قيادته، تحت ضغوط القواعد، إلى تبني الدعوة للإضراب العام ضد بن علي. 

وكان الأمين العام لاتحاد الشغل، حينذاك، عبد السلام جراد، آخر شخصية التقاها بن علي قبل هروبه من تونس. وكان واضحًا أن عدم قدرته على إثناء قيادة الاتحاد عن قرار الإضراب العام تسبب في يأسه من الاستمرار في الحكم. 

وعقب رحيل بن علي، استمر الاتحاد في لعب دور المُرجح والحامي للمجتمع التونسي من الانزلاق إلى المسارات الدموية، فقد تشكلت حكومة «النهضة» بعد موافقة اتحاد الشغل على المشاركة فيها، وانهارت بعد خروجه منها استجابة لضغط القواعد. وبرز دوره بشكل خاص بقيادة أمينه العام حسين العباسي خلال الأزمة السياسية التي أعقبت مقتل السياسيين اليساريين، شكري بلعيد ومحمد براهمي.

وتولى الاتحاد رعاية الحوار الوطني الذي أسفر عن توافق سياسي أدى إلى تنازل حركة النهضة عن رئاسة الحكومة وتهيئة الأجواء لإجراء الانتخابات التشريعية في أكتوبر 2014 والرئاسية في ديسمبر من العام نفسه.

غير أن مياهًا كثيرة جرت في النهر، أسفرت عن عدد من الأزمات الداخلية التي كان لها أثر مهم في قدرة الاتحاد على القيام بدوره الكفاحي ومواجهة سلطة تضيق ذرعًا بكل الأجسام الوسيطة في المجتمع. 

منذ العام الماضي، تضرب الاتحاد صراعات داخلية دفعت الناطق الرسمي باسم المعارضة النقابية، الطيب بوعايشة، إلى دعوة الشغالين والهياكل النقابية كافة إلى ضرورة الوعي بخطورة الأزمة التي يمر بها، والتي أصبحت تهدد وجود الاتحاد، وفق تعبيره.

وبيّن بوعايشة في تصريح لموقع «موزاييك» التونسي، يوم 13 فبراير الماضي، أن السلطات «تدعم بشكل كامل المكتب التنفيذي الحالي للاتحاد»، مبررًا ذلك بسماحها بعقد مؤتمر سوسة خلال فترة الكوفيد عام 2021، والذي استندت عليه قيادة الاتحاد لتعديل الفصل 20 من قانون الاتحاد الأساسي خلال المؤتمر الاستثنائي غير الانتخابي 2021، مما أحدث جدلًا كبيرًا وانقسامًا داخله، على حد قوله.

ويرى بعض النقابيين أن تعديل الفصل 20 للسماح لأعضاء المكتب التنفيذي بالترشح لعدد غير محدود من الدورات، خطوة لإطالة عهد القيادة الحالية، وضرب التناوب على المسؤوليات، من خلال تعديل شروط الترشح للمسؤوليات القيادية في الاتحاد، بعد أن كان الترشح محددًا بدورتين فقط.

نهاية سبتمبر الماضي، برزت «جبهة معارضة» داخل المكتب التنفيذي لاتحاد الشغل تضم خمسة أعضاء من صفاقس، التي تعد المركز الصناعي والتجاري الأول في البلاد، معلنة عن نيتها الدخول في اعتصام مفتوح بمقر المنظمة، احتجاجًا على «الوضع داخل الاتحاد، للمطالبة باستقالة الأمين العام للاتحاد نور الدين طبوبي»، كما عبرت بعض الاتحادات الجهوية عن رغبتها في قطع علاقتها مع المكتب التنفيذي.

الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، نور الدين طبوبي، وجانب من قيادات الاتحاد خلال انعقاد الهيئة الإدارية الاستثنائية، تونس العاصمة، أغسطس 2025. تصوير أيمن الرزقي/نواة

غير أن سهام النقد توجه كذلك من خارج صفوف الاتحاد. يقول النقابي اليساري التونسي المعروف، بشير الحامدي: «مسيرة الاتحاد اليوم [21 أغسطس] هي مسيرة الدفاع عن البيروقراطية والحريات بمنظور ليبرالي إخواني ضد سلطة فردية ديكتاتورية، هي نفسها تدفع في اتجاه كشف آخر قلاع حركة نقابية توقفت منذ زمن عن أن تكون مستقلة وديمقراطية».

ويضيف أن البيروقراطية مارست كل أنواع التسلط سابقًا، تحت أنظار نفس السلطة التي سهلت لها وساعدتها، على أن تنقلب، فقط برجاء أن تصمت عن ديكتاتوريتها. وأخرجتها السلطة القضائية من مآزق كثيرة كالشعرة من العجين، بينما القاصي والداني يعلم أنها منقلبة وفاسدة. 

ودعا: «كونوا مستقلين ولو مرة عن الحاكم والبيروقراطية، لا تهتموا بقِلتكم وكثرتهم، وتذكروا دائمًا أنكم الأغلبية… فكونوا مع أنفسكم مقاومين مستقلين عن المنقلبين، سلطة وبيروقراطية، تكونوا أوفياء للاتحاد، ولأنفسكم ثانيًا».

الاتحاد والانقلاب

تعيش تونس منذ عام 2021 انقلابًا نظمه الرئيس قيس سعيد بمساندة بعض القوى السياسية، مثلما حدث في مصر، أطاح خلاله بالبرلمان المنتخب الذي كان يسيطر عليه الإسلاميون، وبدأ الحكم بمراسيم، وحل المجلس الأعلى للقضاء، ومنح نفسه مجموعة من الصلاحيات الجديدة.

وقع الانقلاب على خلفية غضب شعبي من السياسات الاقتصادية التي تبنتها حركة النهضة الإسلامية، إلى جانب رغبة قوى سياسية يسارية وليبرالية في الإطاحة بالإسلاميين.

أما الاتحاد، الذي تطلع إلى موقفه الكثيرون، فقد أغمض عينيه عما يجري، معتبرًا أنه ليس له ناقة ولا جمل في المعركة الدائرة، على أمل أن يتمكن مسؤولوه من التأثير على الحكومة الجديدة، فلم يتحرك لمواجهة تعطيل الدستور وإغلاق البرلمان بدبابة جيش وتعطيله ثم حله. 

وهو ما يذكرنا بالوضع في مصر، حين أعلن قطاع كبير من النقابات المستقلة، التي ولدت من رحم انتفاضة يناير 2011، تأييدها ترشيح المشير عبد الفتاح السيسي رئيسًا للبلاد عام 2014، ودعوتهم إلى وقف الإضرابات، دون الحصول على أي مكتسبات، فكانت النتيجة تدمير تلك النقابات.

ومثلما حدث في مصر، بمجرد استقرار الرئيس التونسي المدعوم من الجيش والشرطة، ومن دول إقليمية، على رأسها الإمارات، هاجم كل مؤسسات المجتمع المدني، مستخدمًا إحباط الشعب وتدهور أوضاعه المعيشية.

كان سعيد قد كشف في حوار مع صحيفة «الشارع المغاربي» في 11 يونيو 2019، عن مشروع «يهدف إلى وقف الدعم عن جميع الجمعيات، سواء من داخل تونس أو من خارجها، لأنها تُستخدم كوسيلة للتدخل في شؤوننا»، وفي المقابلة نفسها عبر عن رغبته في إلغاء الأحزاب السياسية في الحكومة كليًا. وفي تصريحات صحفية سابقة قال إن الأحزاب السياسية «مصيرها الزوال. لقد انتهى عهدها»، مضيفًا: «لن ألغيها، التعددية ستبقى قائمة إلى أن تندثر وحدها».

يفند الكاتب الصحفي المتخصص في الشأن التونسي، كارم يحيى، في سلسلة مقالات نشرها على موقع «المشهد»، في الأول من يناير 2023، موقف قيادة الاتحاد من إجراءات سعيد الاستثنائية التي تبناها يوم 25 يوليو 2021، قائلًا إن قيادة اتحاد الشغل مع الانقلاب على المؤسسات واستقلاليتها عن السلطة التنفيذية وفي ظل تصاعد العدوان على الحريات والحقوق، تغاضت وصمتت في الأغلب، بل واتسمت مواقفها إلى ما قبل أيام من انتخابات 17 ديسمبر 2022 البرلمانية، بمباركة إجراءات ومسار 25 يوليو. صحيح أن هذه القيادة امتنعت عن المشاركة في اللجنة الاستشارية لوضع دستور الرئيس قيس سعيد وعن الدعوة للاقتراع عليه أو مقاطعته، إلا أنها تنكرت، بحسب يحي، لما اختبرته هذه القيادة بنفسها بخصوص إسهام الرئيس نفسه في الأزمة. بل وانخرطت في تبني خطاب المبالغات والافتراءات الذي اعتمده تحالف الرئيس سعيد ومن خلفه بيروقراطية أجهزة الدولة المحتكرة لشرعية ممارسة العنف، وأعداء الثورة خارجه، وإعلام الثورة المضادة المحلي والإقليمي. وتبنى خطاب قيادة الاتحاد مصطلح «العشرية السوداء»، في إشارة إلى سنوات حكم حزب النهضة التابع لجماعة الإخوان، بالإضافة إلى وصم الأحزاب بالمطلق بالفساد والفشل. ناهيك بهذا، لم تقدم هذه القيادة تفسيرًا أو مراجعة لجمهورها وللرأي العام في تونس وخارجه عن مشاركتها هي نفسها في منعطفات وقرارات وسياسات حاسمة خلال هذه «العشرية»، التي أصبحت عندها أيضًا بين عشية وضحاها «سوداء». 

ورغم هذه الانتقادات الموجهة لقيادة الاتحاد البيروقراطية وخطها المهادن، اعتبرت ست جهات: «دمج»- الجمعية التونسية للعدالة والمساواة، والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعي، وحملة ضد تجريم العمل المدني، والجمعية التونسية للدفاع عن الحريات الفردية، ومنظمة البوصلة، والهيئة الوطنية للدفاع عن الحريات والديمقراطية، أن المعركة اليوم هي معركة الحفاظ على الاتحاد في مواجهة الاستبداد، وإصلاحه في ذات الوقت.

وقالت الجهات الست في بيان إن «الرئيس الذي احتكر كلّ السلطة ووضع نظامًا سياسيًا سلطانيًا على مقاسه، ثمّ احتكر الفعل السياسي عبر تحويل معارضة نظامه إلى تآمر على الدولة، يسعى اليوم لمصادرة صوت المهمشين واحتكار تمثيلهم، وإخماد أي صوت مناقض لسرديّته». 

وأعرب البيان عن إدانة «مساعي السّلطة لضرب الحقّ النقابي وتدجين الاتحاد العام التونسي للشغل وتعتبرها فصلًا جديدًا وخطيرًا ضمن مسار ترسيخ نظام الاستبداد وإخماد الاحتجاج وغلق قوس الحريات وتصفية الثورة، تمهيدًا لإجراءات اجتماعيّة قاسية، كما حصل في 1985». 

لكن البيان شدد في ذات الوقت على أن الجهات الموقعة «تدعم كلّ مساعي رأب الصدع الداخلي وسط الاتحاد وإصلاحه الديمقراطي، بما من شأنه أن يشجّع على التفاف النقابيّين والنقابيات حول منظمتهم في هذا الظرف العصيب من أجل استعادة الاتحاد دوره في الدفاع عن الحقوق الاجتماعية والديمقراطية».

ولفتت إلى أن «للاتحاد العامّ التونسي للشغل، مهما كانت الصعوبات التي يمرّ بها داخليًا، إرثًا نضاليًا وطنيًا واجتماعيًا، وأنّ الدفاع عنه اليوم إزاء هجمة السلطة مهمّة ديمقراطية ومدنية تعني كل القوى الحيّة في المجتمع».

وفي السياق ذاته، تشدد جماعة «اشتراكيون ضد الانقلاب» في تونس، على أن «الدفاع عن الاتحاد ضد قمع السلطة واجب، وعلينا أن نكون واضحين: الدفاع عن حق الاتحاد في التنظيم والعمل الحر هو دفاع عن حق كل العمال في التكتل والنضال. حتى ونحن نعارض سياسات القيادة البيروقراطية، فإن أي هجوم من السلطة على الاتحاد هو هجوم على الطبقة العاملة نفسها». 

وتشير إلى أن «الصراع مع البيروقراطية لا يبرر أبدًا الاصطفاف مع السلطة في ضرب النقابات، بل على العكس، هذا هو الوقت الذي يجب أن نربط فيه بين معركة الحرية النقابية ومعركة القاعدة العمالية لانتزاع قيادة مقاتلة من قلب الاتحاد نفسه».

وأضافت «اشتراكيون ضد الانقلاب» أن الكثيرين يرون أن القيادة النقابية تحوّلت إلى «قوة محافظة، مستعدة للمقايضة مع السلطة أكثر من استعدادها لمواجهة الاستبداد أو الدفاع عن العمال. هذا النقد صائب جزئيًا، لكنه يظل محدودًا حين يختزل الاتحاد كله في قيادته، ويتجاهل إمكانية أن تتحرك القواعد العمالية وتنظم نفسها».

يتميز الاتحاد التونسي، منذ تأسيسه، بأنه ليس مدينًا بوجوده للسلطة الحاكمة مثل الكثير من التنظيمات النقابية في المنطقة العربية، والتي أسستها الأنظمة الحاكمة عقب الاستقلال عن المستعمر. وهذا ما جعله يتمتع ليس فقط بدرجة عالية من الاستقلالية عن النظام الحاكم، بل أيضًا بدرجة عالية من الندية في العلاقة مع النظام الحاكم، فهل ينجح في مواجهة مساعي السلطة لتقويضه وعبور أزماته الداخلية. الإجابة ستكشف عنها الأيام المقبلة.

عن الكاتب

آراء أخرى

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).