تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

تعليقًا على ما جرى في السودان: لهذا الردة مستحيلة

عمّار جمال
5 دقيقة قراءة
تعليقًا على ما جرى في السودان: لهذا الردة مستحيلة
اتفاق 21 نوفمبر بين عبد الله حمدوك وعبد الفتاح البرهان

مع فجر 25 أكتوبر الماضي، علم السودانيون أن الجيش قد انقلب على السلطة المدنيّة، لم ينتظر الناس بيانًا من المكونين المدني أو العسكري، بل احتشدوا من تلقاء أنفسهم، وخرجوا إلى شوارع العاصمة والمدن السودانية، وبدأوا على الفور في بناء المتاريس وغلق الشوارع الرئيسية والجانبية في الأحياء، كل هذا حدث في الفترة من السادسة حتى الثامنة صباحًا.

كان الشعار الأساسي هو «الشعب أقوى أقوى والردة مستحيلة»

قبل الانقلاب بأسابيع، اعتصمت مجموعة أمام ساحة القصر الجمهوري، ودعت الجيش لاستلام السلطة، في ما اعتبرته «عودة إلى منصة تأسيس ثورة ديسمبر». ادعت هذه المجموعة أنها مُنشقة من التحالف السياسي الحاكم -والذي كان من أبرز قوى الحراك ضد حكم عمر البشير- «قوى الحرية والتغيير» ثم أطلقت على نفسها اسم «قوى الحرية والتغيير- الميثاق الوطنيّ». وفي خطابه صبيحة الانقلاب، لم يذهب عبد الفتاح البرهان بعيدًا عن دعوة تلك القوى المُنشقة ذاكرًا أن إجراءات الجيش هي تصحيح لمسار الثورة.

بالتالي جاءت صيحة «الردة مستحيلة» لتكون ردًّا مباشرًا على الاستخدام الخاطئ لعبارتَيّ «العودة إلى منصة التأسيس» و«تصحيح مسار الثورة»، الأمر الذي يؤكدهُ الربط الشرطي بامتلاك الشعب لقوته، أي مصيره. المهم هنا ليست «الردة» أو «منصة التأسيس»، لكن موقع مُستخدم العبارة نفسها من الموقف الثوريّ. العودة إلى منصة التأسيس ليست موقفًا ثوريًا بل خدعة تتشابه مع موقف المجلس المركزي لتحالف «قوى الحرية والتغيير» المُطالب بالعودة للوثيقة الدستورية وما قبل انقلاب 25 أكتوبر.

منذ اعتصام القيادة العامة في أبريل 2019، أدركت الثائرات والثوار أن مدنيّة السلطة أهم وأدعى للقتال من مجرد الدعوة للديمقراطية. عرف تاريخ السودان دورات متقلبة ارتسمت في مسار خطّي من حكم ديموقراطي - انقلاب عسكري - ثورة شعبية - حكم ديمقراطي، وهكذا دواليك. وبالتالي، ومن أجل كسر هذه الدائرة الشريرة، وحلّ أزمة الديموقراطية، مرة وإلى الأبد، يجب العودة إلى جذور الأزمة، والتي أهمها هي علاقة الجيش بالسلطة. فجاء شعار «مدنيّة»، والنبيل في الأمر أن الشعار خرج من ميدان الاعتصام، عند تلك اللحظات الباهرة التي عرفت فيها الجماهير ليس حكم نفسها فقط، بل قدرتها على إدارة الأمن والغذاء. إذن الدعوة للمدنيّة ليست مجرد أماني تجريديّة، لكنه فرض تجريبي. هي منصة التأسيس القصوى لثورة ديسمبر التي تتأسس عليها نعمات الثورة الثلاثة (حرية، وسلام، وعدالة)، ولاءاتها الثلاثة (لا تفاوض، ولا شراكة، ولا شرعية).

في تأويله لعبارة آلان باديو «الديمقراطية هي صنمنا المعاصر» يقول سلافوي جيجيك إن «الديمقراطية هي آخر ما نراه قبل مواجهة النقص في تكوين المجال الاجتماعي». هُنا نجد تبرير خطاب انقلاب البرهان «تصحيح المسار»، و اللاشعور السياسي لخدعة جماعة الميثاق الوطني «العودة إلى منصة التأسيس»، وانغلاق بصيرة جماعة المجلس المركزي «العودة إلى الوثيقة الدستورية»، وأخيرًا الأساس الذي اهتدى من خلاله عبد الله حمدوك في عودته إلى منصب رئيس الوزراء «استعادة مسار الانتقال لتحقيق ديمقراطية مستدامة». يظنّ كل هؤلاء أن انتظامًا شكلانيًّا للقوى كفيل بحلّ «صدمة العداء الاجتماعي»، أما الفاعلين الأساسيين، لجان المقاومة، فيعلمون أن الغاية هي مدنيّة السلطة، والوسيلة هي البناء القاعديّ. هذا الالتحام للغاية والوسيلة عبّر عنه بيان لجان المقاومة بصدق شجاع: «قدرنا أننا الجيل الذي سيدفع تكلفة نهاية الانقلابات العسكرية، ولن نؤجل هذه المعركة مهما كان الثمن»

بغضّ النظر عن المبادئ الأربعة التي ذكرها حمدوك في خطاب توقيعه على اتفاق 21 نوفمبر الذي عاد بموجبه رئيسًا للوزراء، (حقن الدماء، وفكّ الاختناق الداخلي والخارجي واستعادة مسار الانتقال لتحقيق ديمقراطية مستدامة، والحفاظ على مكتسبات السنتين الماضيتين، وتحصين التحول المدني الانتقالي من خلال توسيع قاعدة الانتقال)، إلا أنه أجاب يومها عن سؤال محاور قناة الجزيرة عن سبب عودته للعمل مع مَن يعتبرهم انقلابيين قائلًا إن «الخيارات في الدنيا تظل محكومة بما هو ممكن». هنا يكمن الخطل الحمدوكيّ. أولًا لأن خيارات الثورة، أي ثورة، تتأسس على قاعدة «كُن واقعيًّا واطلب المستحيل»، وثانيًا لأن الممكن في تصورات حمدوك هو ممكن الثورة المُضادة داخل وخارج السودان.

ترى الثورة المُضادة في الداخل، وكما أشرنا، أنه لا يمكن الحكم دون شراكة بكيفية ما مع الجيش. أما الخارج، وتحديدًا دوائر المجتمع الدولي التي دعمت عودة حمدوك، بل جمّدت دعمها المالي للسودان لحين عودته على سدة الجهاز التنفيذي، فهي ترى في الديمقراطية خلق مناخ للاستثمار يشجع نقل الفائض، ويخلق مواقع استهلاك داخلي. كل هذا لن يتم دون برامج إصلاحات اقتصادية تضع السودان ضمن خارطة الاستحقاق النيوليبراليّ. وليس سوى حمدوك من شخص بمقدوره خلق هذا الصنم الديمقراطي، أو مثلما وصف ضرورة عودته بـ«فكّ الاختناق الداخلي والخارجي»

بالنظر إلى المكتسبين اللذين أشار لهما حمدوك بعد عودته لمنصب رئيس الوزراء، أي السلام والاقتصاد، نجد أنهما تأسّسا على هذا الممكن الخجول. جاء اتفاق جوبا خائر القوى، واقتصر على محاصصة للسلطة على المستوى الفوقي، فيما تأجل تكوين المفوضيات التي تعززه (الأراضي، والعدالة الانتقالية، والحدود… إلخ). أما حلول الإصلاحات الاقتصادية، فقد عاثت فسادًا في مجتمع جردته سياسات الإفقار من قدرته الذاتية، وهو ما أكد عليه إبراهيم البدوي، وزير مالية حكومة حمدوك الأولى، في مقال كتبه رفقة إسحق ديوان: «وقعت تكلفة الإصلاحات، إلى حد كبير، على عاتق المواطنين الفقراء. وبدلًا من المكاسب الديمقراطية، شهد المواطنون السودانيون تسارع التضخم إلى 366٪، وانكماش الاقتصاد للعام الثالث على التوالي، وزيادة الفقر المطلق.»

علينا التذكير أن ثورة ديسمبر كانت، ولا تزال، معركة تقدميّة، ونظر إلى الأمام، وتقييم داخلي عميق لتاريخ السودان، ورغبة وإرادة جادة في استعادة الشعب للقوة. من هنا لا يبتغي شعار الردة المستحيلة تحديد زمني ما، ليس رفضًا للردة إلى ما قبل محطات ما في الثورة (25 أكتوبر، أو 6 أبريل، أو حتى 19 ديسمبر). الردة مستحيلة هي إجابة مباشرة ضدّ تلك الأيام التي افتقر فيها الشعب قوته. أما «الشعب أقوى أقوى والردة مستحيلة» فهي عبارة يوم استقلال السودان.

ابتكار القوة هذا، والإيمان بالقوة، والشجاعة والكبرياء في التحلّي بالقوة هي وحدها المحطات الأساسية لخلق سودان جديد. وهي المواقف العظيمة التي تتحدد على أساسها صواب الثورة وخطأ مسارها، وكذلك الفاعل الاجتماعي القيّم على تصحيح مسارها.

نعم، نحن في حاجة لفكر جبّار للانتقال من القوة إلى الفعل، لكن نحن في حاجة ماسة للتفكير في ماهية مَن يطرحون هذا السؤال، ووضعهم مباشرة في سياق صواب الثورة. فعلى العكس مما قاله حمدوك، لا ينفصم سؤال مَن يحكم السودان عن سؤال كيف يُحكم السودان، على الأقل في هذه المرحلة.

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
شوقي عبد العظيم العماري، ومحمد عبد العزيز، ورشا عوض، وعلي الدالي، وعثمان فضل الله، وأحمد قجه، ومحمد لطيف، ومحمد ناجي، وكمال الصادق، وفيصل محمد صالح.

نداء من صحفيين سودانيين للمجتمع الدولي

«نحن -الصحفيون السودانيون- ندعو المجتمع الدولي إلى بذل كل الجهود الممكنة لدعم زملائنا الذين يغطون الحرب في السودان. تتوارى الحرب في السودان عن أنظار العالم، وإن…»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).