تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

الاختبار السوداني الحاسم لـ«بايدن»

عبد العظيم حماد
4 دقيقة قراءة
الاختبار السوداني الحاسم لـ«بايدن»
Courtesy: Mada Masr

يجوز لنا الافتراض أن السودان أصبح الآن هو اختبار الفرصة الأخيرة لمصداقية وكفاءة الرئيس الأمريكي، جوزيف بايدن، وسياسته الدولية، خاصة في قضية الديمقراطية وحقوق الإنسان.

لقد تجمعت أسباب وعوامل عديدة لتعزز هذا الافتراض، إذ تطورت أزمة الحكم في الخرطوم إلى حافة الاقتتال الأهلي في الأسبوعين الأخيرين، في وقت لم تندمل فيه جراح بايدن شخصيًا، وبقية أركان إدارته المسؤولين عن السياسة الخارجية من الهزيمة الأمريكية المريرة في أفغانستان، وفي وقت تزداد المفاوضات الدولية النووية مع إيران تعقيدًا، وذلك جنبًا إلى جنب مع تأزم الموقف في العراق بعد الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وانعدام اليقين في إمكان تنفيذ الانسحاب الأمريكي الكامل من الأراضي العراقية، وكذلك انعدام التقدم في جهود تسوية حرب اليمن، أو في ملفات حقوق الإنسان لدى حلفاء واشنطن الرئيسيين في الإقليم، خاصة مصر والسعودية. مما يجعل هزيمة القوى المدنية في السودان، أو الانقلاب على وثيقة إدارة الفترة الانتقالية -التي تقترب من خط النهاية- ليعود العسكريون إلى الحكم بمثابة ضربة قاصمة -إن لم تكن قاضية- في أية انتخابات أمريكية تالية للمعسكر الديمقراطي، وإعادة الروح لمعسكر الرئيس السابق، دونالد ترامب. 

 إدراكًا من جانبه لدقة وحرج الاختبار السوداني، وضع بايدن ثقله الشخصي وراء جهود ردع العسكريين عن الانقلاب على اتفاق نقل السلطة للمدنيين، فكان جاك سوليفان، مستشار الأمن القومي، وليس وزير الخارجية، هو أول من اتصل بأطراف الصراع في السودان، لينذر بعواقب وخيمة لأي انقلاب محتمل، ثم تتابعت اتصالات وزارة الخارجية، وزيارات المبعوثين الأمريكيين رفيعي المستوي للعاصمة السودانية، مع إدخال بريطانيا، الحليف الأوروبي المفضل لواشنطن، على الخط، في ضوء خبراتها العريقة وعلاقاتها الوثيقة بكثير من القوى السودانية، وفي مقدمتها الحزب الأكبر تقليديًا، أي حزب الأمة. 

لا بد أن الرئيس الأمريكي يدرك أيضًا أن الحالة السودانية تعد نموذجًا مصغرًا للحرب الأهلية الإسبانية في ثلاثينيات القرن الماضي، حين صارت إسبانيا ميدان للصراع بين الفاشية والديمقراطية في عموم أوروبا، فليس سرًا أن كل قوى الفاشية المدنية والعسكرية في الإقليم حول السودان تحرض وتمول، بل وأحيانا تسلح، الجناح الفاشي في التركيبة السودانية، والذي يقوده حميدتي، نائب رئيس مجلس السيادة وقائد ومؤسس قوات التدخل السريع شبه الميليشاوية، وشبه المستقلة عن القوات المسلحة السودانية، بالتحالف مع قوى مدنية من غرب السودان، وما يسمى بنظارات البجا في شرق السودان، والتي كان حصارها لميناء بورسودان وقطعها الإمدادات عن الخرطوم هو شرارة انطلاق الأزمة، وذلك جنبًا إلى جنب مع فلول نظام عمر البشير المطاح به، والمحسوبين على تيار الإسلام السياسي. 

التقارير الواردة من الخرطوم تتحدث عن مبالغ ضخمة تدعم اعتصام المطالبين بالحكم العسكري، وهو اعتصام مدبر كما تدل كل الشواهد، وكذلك تحريض ودعم المنشقين في شرق وغرب السودان، ولدعم منابر إعلامية في الداخل والخارج  تشن حملات على الحكومة وعلى القوى المدنية في تجمع المهنيين وحلفائهم، مع ملاحظة انعدام أو فتور ردود الفعل الإقليمية ضد مثيري القلاقل في الخرطوم.

لا توجد ذرة شك في أن أولئك الداعمين الإقليميين لإفشال التحول الديمقراطي في السودان هم جميعًا من الحلفاء الشخصيين والسياسيين للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، ولا توجد ذرة شك واحدة في أن نجاحهم في إفشال سياسة بايدن الداعمة لذلك التحول الديمقراطي لن تكون فقط ضربة قاصمة للبيت الأبيض، ولكنها ستسهم بقوة في تعزيز فرص ترامب في تأمين ترشيح الجمهوريين له  للانتخابات الرئاسية القادمة، وربما في احتمالات عودته إلى البيت الأبيض.

ويزيد من تعقيد الموقف الإقليمي أمام بايدن، ومن حرج الاختبار الذي تتعرض له سياسته في السودان، ما حدث من ارتفاع مفاجئ لأسعار النفط في الأسواق الأمريكية وفي أسواق العالم، وذلك مع دخول الشتاء، حيث تتزايد الحاجة للمحروقات من أجل التدفئة، ومع تعثر مشروع الرئيس لدفع النمو الداخلي في الكونجرس حتى بين أنصاره الديمقراطيين، وانخفاض معدلات تأييده في استطلاعات الرأي العام إلى ما متوسطه 37%. وقد ألمح هو نفسه، كما ألمحت المتحدثة باسمه، إلى أن حل أزمة أسعار البترول يوجد في السعودية، كما يعرف الجميع، في حين أن كلًا من ولي العهد السعودي والإماراتي لم يكونا يومًا من المفضلين لبايدن، ولم يكن هو أيضًا من المفضلين لديهما، على عكس سلفه ترامب.. المفضل لدى كل فاشيّ العالم. 

إذا كان لنا في نهاية هذا المقال أن نغامر بالتنبؤ بمآل الصراع الحالي في السودان، فإنه طبقًا للأسباب السابقة فلن يقبل الرئيس الأمريكي الهزيمة هناك مهما يكن الثمن، أو هذا ما نأمله، حتى لا يطول الظلام الفاشي على إقليمنا أكثر وأكثر.

عن الكاتب

عبد العظيم حماد

عبد العظيم حماد هو كاتب صحفي، رئيس تحرير الأهرام والشروق سابقا. حاصل على بكالوريوس علوم سياسية من جامعة القاهرة عام ١٩٧٢. ويعمل بالصحافة منذ عام ١٩٧٤.عمل مديرًا لتحرير الطبعة العربية للأهرام، ومراسل الأهرام في ألمانيا ووسط أوروبا (٢٠٠٠ - ٢٠٠٥) ​له كتب و أبحاث…

آراء أخرى

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).