تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

تدوينة: في انتظار «الكهرَب»

تامر فتحي
5 دقيقة قراءة
تدوينة: في انتظار «الكهرَب»
.فتى فلسطيني يدرس على ضوء مصابيح الغاز أثناء وقفة معارضة لحصار وقطع الكهرباء عن مدينة غزة في ٣ نوفمبر ٢٠١٣. تقدر فترات انقطاع الكهرباء باثني عشرة ساعة في اليوم خلال أزمة الطاقة التي يمر بها القطاع بسبب التقلبات السياسية والاقتصادية ونقص الوقود في محطة الكهرباء الأساسية في غزة.

في 29 يوليو 2012، وُلدت ابنتي «زينة» في غزة، المدينة، عاصمة القطاع الفلسطيني المُحاصر. وفي وقت ولادتها، وبعدها، قضيت في غزة فترات طويلة متقطعة ما بين 2012 و2014 اقتربت فيها كثيرًا من تفاصيل الواقع المُعاش هناك بعيدًا عن السرديات المعروفة سلفًا. وكان أول ما اصطدمت به كشخص مُعتاد على الوجود المُستمر للكهرباء هو انقطاعها المتواصل طيلة اليوم، اللهم إلا ساعات قليلة، وهو ما خلق نمطًا جديدًا بالنسبة لي في الحياة، لكنه نمط قديم معتاد لدى غيري من الغزيّين، نمط يكشف درجات التكيف البشري في أعلى صوره. في أثناء ذلك الوقت كتبتُ هذا النص.

حين تعود الكهرباء أو «الكَهْرَب» كما يسميها الغزيّون، تعود غزة للعالم ثانية، تُنار بالمصابيح وتتحرك ماكينة الحياة المُعتادة، يشتغل عالم فيسبوك، وتعود المسلسلات التركية والأفلام المصرية وبرامج التليفزيون للحياة ثانية، وتشتغل الغسالات والثلاجات. ثم تتوقف ماكينات الفلافل ومحلات الكنافة النابلسية ومحلات كاظم للمثلجات، ومزاج كافيه، وبيتزا طابون، وريمبو جيمز لوهلة، ثم تعمل ثانية، فتلك المحال لا تعرف غياب الكهرَب، بل هي تتوقف للحظة حتى يتحول الجهد الكهربي من تيار المولدات إلى التيار العمومي، يعود الكهرَب وبالتالي ستتوقف المولدات التي عبّأت الجو برائحة كيروسينية، في حيي الشجاعية والشيخ رضوان، وفي سوق الساحة، وشارع عمر المختار، وستضفي بهرجة الأضواء على ميدان الجندي المجهول سمات ميدان يقع في مدينة غير مُحاصرة.

وغزة محاصرة وتبدو غير محاصرة، ومَن يملك مفتاح الكهرَب يملك مفتاح اللعبة. فعند غياب الكهرَب تتحوّل غزة في الليل لمدينة كفكاوية معزولة عن العالم تضيئها مولدات تعمل بالسولار. والسولار قد ينقطع، وإن انقطع، سيستخدم الغزيّون بطاريات السيارات، وإن عطبت، سيستخدمون زيت القلي، ولو نفد الزيت، ستُضاء البيوت والدكاكين بشنابر الغاز المكتوب عليها أسماء أصحابها ولقب عائلتهم في مخيمات اللاجئين وفي البيوت متوسطة الحال، وإن نفد الغاز، فبالشموع، وإن نفد الشمع، فبخشب الأشجار سيصنعون حرائق للإضاءة، وإن نفد الخشب، سيشعلون النار في المخلفات الورقية، وإن نفد الورق، سيضيئها القمر الكبير في الليالي القمرية.

وعند غياب الكهرَب تصنع غزة في الليل لوحات بصرية تتزاوج فيها الأضواء الخافتة بالعتمة، كمصابيح السيارات وهي تسطع على وجوه المشاة كشموس تمرق مخلّفةً خيالات ظلالهم المستطيلة الممتدة ككائنات سريالية على الحوائط، وأضواء كشافات الجوالات التي يحملها المارة في الشوارع الحالكة، مع إضاءات الشانبر والشموع، هكذا يستحيل المشهد المأزوم إلى «فيديو آرت» طبيعي له جمالياته الخاصة.

لكن الكهرَب لا يغيب هذا الغياب، ولا تنغمس غزة في تلك العتمة الكفكاوية الدامسة إلا حين تحوم الزنانات، ثم بووووم. وتبدأ الحرب. حدث هذا مرارًا، في 2008 و2012 و2014، يغيب الكهرَب ويبدأ كل شيء، وتصير غزة مدينة للرعب، وهدفًا سهلًا في معزل عن العالم.

ولا يضيء الكهرَب غزة كلها إلا نادرًا جدًا، في مناسبات إطلاق سراح الأسرى، أو في المناسبات الكبرى. لكنه في العادة يأتي بشكل جزئي، تُظلم جهة وتُضاء أخرى، كفرع نور قلّاب في عُرس مصري، يعرف أهل غزة مواعيده جيدًا. يعرف ذلك الأصدقاء وهم يتحدثون في الهاتف، «هلأ قطع الكهرَب عنا»، «يا  زلمة هلأ إجى الكهرَب عنا» حوار يحيل غياب الكهرَب وحضوره كأنهما من تصاريف القضاء والقدر.

والكهرب غاب وجاء، وجاء وغاب. ولا يُحسب الكهرَب بغيابه بل بمجيئه. «الكهرَب يجي في اليوم يا خو ست ساعات بس» هكذا يحسبها الغزيّون، سيجيء الكهرَب لست أو ثماني ساعات، وذلك لأن الأصل في الأمر غياب الكهرَب. نهارًا أو ليلًا. وإن كان الوقت ليلًا، ستذّكر أُم نفسها إن عليها أن تستيقظ من نومها لتشغيل الغسالة.

يغيب الكهرَب فيتربص الموت بالمدينة، إن لم يكن على أسنة الزنانات، ففي شمعة ينساها أصحابها فتلتهم البيت ومَن فيه، أو في انفجار مولد كهربي، أو شنبر غاز. ورغم ذلك يجلس الناس في انتظار الكهرَب في بيوتهم أو على أعتابها أو خارجها، في ميدان الجندي والكتيبة وحديقة برشلونة أو في معسكرات اللاجئين يتحدثون، ويصنعون أشياءهم المُعتادة متناسيين الموت المحدق بهم.

«الله يرضى عليك، غيّر هاي السيرة، بدك ترمال» هكذا تطارد غزة شبح الموت بكثرة المولدات التي تنير المصابيح والمحال التجارية، بأفرع الليد المُضيئة، بطبول فرق الأعراس الموسيقية وهي تجوب المدينة على متن سيارات نقل معلنةً عن عرس جديد، بجرافيتي التهاني للعروسين المكتوب على جدران البيوت من قِبل الأهل والخلان، بأقراص الترمال [الترامادول] التي تجد ملصقات تحذر من مضار تناولها فور دخولك من معبر رفح، بإنجاب الأطفال، بغراميات حذرة وقلقة وخائفة في مجتمع ضيق محافظ يُعرّف فيه الشخص لا بنفسه، بل بعائلته، وبلقبها، محسوب عليها، هو ممثلها، ما يلطخه يلطخها، وما يلطخها يلطخه، مجتمع عزوة يقاوم الموت بالانغماس في الحياة.

وغزة هي المدينة الدولة، أو الدولة المدينة، أو الولاية المستقلة، توصيفات منقوصة مغلوطة لأن غزة لم تصبح هكذا بإرادتها، بل لأنها محشورة بين دولتين، ولا تملك مواردها، بلا اقتصاد حقيقي، ولا عملة محلية، بلا طيران أو قطار واحد أو ميناءٍ يطل على البحر، اللهم إلا الزراعة، في رقعة ليست عظيمة، تنتج غزة من خلالها أجود الموالح وثمار الزيتون والأعشاب، ورغم ما يُفعل في غزة من جرائم أمام صمت العالم، تقدم أرضها أجمل الورود، إذ يُقال إنها كانت تصدّر 65 مليون وردة في العام لمختلف أنحاء العالم قبل الحصار، والآن قد تحاصر المحاصيل حتى تذبل وتموت.

وضع لا تحسد عليه غزة هيأها لأن تكون صندوق تبرعات يريح فيه العالم ضميره. فالجهات المانحة الطيبة تقصد غزة، والجهات الخبيثة أيضًا تدفع لغزة، وكلٌ حسب نواياه، والمحصلة النهائية أن تظل غزة على ما هي عليه.

 بيوت اللاجئين تكفلها الأونروا [وكالة غوث اللاجئين الأممية]، وكل شهر تُصرف أجولة الدقيق وأكياس الحليب البودرة والكوبونات والإعانات الشهرية، ورب الأسرة إن كان يجد مأكلًا وملبسًا متواضعًا، فهو لا يجد عملًا، وإن عمل شهرًا في مطعم أو محل تجاري فقد لا يعمل الشهر الذي يليه، طاقات بشرية معطلة، وقطاع ممدد على الخريطة كجسد مشلول مُوصل بأجهزة طبية تعمل على تحسين حالته ليبدو كأنه يتحرك على نحو طبيعي، لكن الأجهزة يلزمها الكهرَب.

لكن لا خوف، فغزة لن تموت، ولن تفنى إلا مع فناء البشر والأرض، وإن انقطع الكهرَب إلى الأبد، يؤكد ذلك مشهد خروج الأطفال كل يوم من بيوتهم للمدرسة جماعات، جماعات، كأنهم تسونامي صغير من موجات بشرية سائلة تفيض من كافة الأركان لتملأ الشوارع والأرض بشارة تحت شمس الصباح.

عن الكاتب

تامر فتحي

صحفي ومترجم وكاتب سيناريو أفلام وثائقية وشاعر مصري. كتب مع مواقع مختلفة منها: «مراسلون»، و«مدى مصر»، و«المدن»، وجريدة «الاتحاد» اللبنانية وغيرها. له ديوان «بالأمس فقدت زرًا، قصة الملابس» الصادر في…

آراء أخرى

رأي
مهند أبو غوش

حيفا: حرب

«قررت قتل الوقت بكتابة ما يشبه المقال إلى أشخاص لا أعرفهم، أظن أن بعضهم سيقول: «حرام الفلسطينيين»»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).