تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

حيفا: حرب

مهند أبو غوش
4 دقيقة قراءة
حيفا: حرب
صورايخ القبة الحديدية الإسرائيلية تعترض صواريخ تُطلق من قطاع غزة الفلسطيني تصوير: رويترز

الواحدة صباحًا سعال جافّ ينطلق من حنجرتي في الزقاق المظلم في حي وادي النسناس في حيفا، تنفتح ستارة عن أحد نوافذ المنازل العربية. أرفع يدي بالتحية «عربي خيّا»، فيقول لي الرجل: «يعطيكو العافية. ديروا بالكو». كنت وحدي في العتمة، لكن عبارته أتت بصيغة الجمع.

كنت على وشك أن أطلب منه سيجارة، لكنّه حمّلني بتحيّته ما لم أعد أحتمله بهذه الـ «يعطيكو العافية». هذا الحنان الجافّ، المسوّر بالذكورة الراغبة في حماية محيطها، شقّته نبرة أخويّة في العبارة. لذلك، لم يعد لديّ ما أقوله له، فعاودتني نوبة السعال الجافّ. سمعة الحراك كلّها صارت على أكتافي الآن. الحراك لا يشحذ السجائر. أعود للسعال، لا بدّ وأنني قد أصبت بالزكام في عزّ هذا الصيف.

كنت قد أحرقت آخر أوراق لفّ التبغ التي في جيبي مع السيجارة الأخيرة قبل أكثر من ساعة. حقيبتي، بما فيها من احتياطات، مبللة من رشاشات الماء. قوات مدججة من الشرطة تحيط بحي الواد من كل الجهات.

باتت كلمة «مدججة» محسوسة أكثر من ذي قبل. صارت مفهومة: دروع سوداء هائلة يقبع في داخلها أشخاص غاضبون إلى حد الجنون، يحملون الهراوات بأيديهم، والسلاح على ظهورهم، وحقائب ملأى بقنابل الصوت. انفجارات، أصوات اشتباكات آتية من حيّ الألمانية، ودوار إميل حبيبي، أصوات أبعد آتية من شارع ألنبي.

ثلاث ساعات من مواجهة الشرطة والمستوطنين الذين هاجموا أحياء حيفا العربية. وصلت منهك القوى إلى الواد، جلست في العتمة لكي ألتقط أنفاسي. معي في الحقيبة أكياس سكّر ورقية أخذتها من أحد المقاهي لمثل هذه الظروف. الأكياس مبللة.. الحقيبة مبللة..

سعال، مجددًا.

***

قبل ذلك بسبع ساعات كنت أسير في الحيّ الألماني. الشارع السياحي هو الآخر دُجج بالمطاعم وزينة العيد. كان الشارع مقفرًا. عمّال بلدية حيفا اعتقلوا -حرفيًا- حاويات القمامة، حتى لا نستخدمها كمتاريس. وعلى المفترق الذي أطلقنا عليه اسم «مفترق باسل الأعرج» كان ضابط المخابرات يوني، الذي اعتقلني مرّتين خلال أقل من ستة شهور يوزّع أوامره. قال بالعبريّة لضابط في الشرطة: «هنا ستكون نقطة الالتقاء»، بمعنى : هنا سنطحن المتظاهرين. تلاقت أعيننا، فانتفخ صدره كما لو كان ديكًا روميًا خارجًا للتو من الفرن، ورفع ثلاثة أصابع مبتسمًا، على ما أظن أنه كان يهددني بالاعتقال الثالث.

***

في الوادي المحاصر، تسمع أصوات الناس الذين يشتبكون على المداخل مع قوات الشرطة، الغاز المسيل للدموع في كل مكان. اعتقالات وأصوات تحطيم.. وقف الشباب وقفة مشرّفة في صدّ هجوم المستوطنين عن الحيّ، فهاجمتهم شرطة المستوطنين.

أينما تحرّكت، تسمع أصوات أجهزة الاتصال الخاصة بالشرطة. لقد أغلقوا جميع المداخل. الطريق إلى منزلي في الهدار صارت مقطوعة تمامًا. عمّا قليل ستنخفض حدة المواجهات، وستنتشر في الحي رائحة دخان البلاستيك المطفأ مخلوطًا بالقمامة ورائحة الغاز المسيل للدموع. ثم يأتي المدججون لكي يمشّطوا الحي. فكّرت بدق أحد الأبواب.. الأضواء مطفأة تمامًا.

***

صباح اليوم التالي: عيد

لم أنم حتى الرابعة. استيقظت بعد أربع ساعات على صوت الهاتف. الأخبار تتوالى عبر واتساب حول هجمة المستوطنين المقبلة. دعوات للتجمّع في أحد الأحياء اليهودية. يطلبون من الجميع إحضار أسلحة.

أكتب هذه السطور تمامًا قبل موعد هجوم المستوطنين. سيهاجموننا في السابعة والنصف.. الساعة الآن السادسة وخمس وثلاثون دقيقة. عدت لكي ألتقط أنفاسي في المنزل، لكنني لم أجد ما أفعله، فقررت أن أكتب عن الأوضاع في حيفا، وفاءً لوعد قطعته للصديق عمر سعيد، المحرر في «مدى مصر».

ما الذي يدفعك للكتابة أصلًا وأنت ذاهب إلى الحرب؟ أية سماجة تدفعك، وسط انهمار عشرات الرسائل عبر الهاتف، إلى محاولة قول شيء ما لأشخاص يبعدون عنك آلاف الكيلومترات؟ أظن أنني أحاول أن أذهب اليوم وأنا مطمئن إلى أنني قد قلت شيئًا.

هذه الدراما في الكلام مضحكة. لكننا ندرك اليوم، أكثر من ذي قبل، أن توسيع رقعة الاشتباك هنا، ستجعل عودة الجيش من حدود غزة أسرع. هذه هي حصتنا الصغيرة من الحرب الكبيرة. أتذكّر في هذا المقام  المانيفستو:

«إضرب بعزمك … أو ما تضربشى

إرجع بضهرك … أو ما تهربشى»

ولا تزول من ذهني فكرة سراييفو: ميليشيات شبه عسكرية تحاصر مجتمعًا مدنيًا معزولًا وأعزل، العالم (والشرطة أيضًا) يتفرجون. لا أحد بمنجى.

***

كنت قبل قليل في اجتماع في وادي النسناس. اجتماع شعبي تحضيرًا لحفلة الليلة. لا أدري لماذا تخيّلت أنني في سراييفو. الناس ليسوا مذعورين. شباب آتون من جميع أنحاء حيفا، أولاد بلد بما تحملها الكلمة من معنى. وشوم على أذرع البعض.. آثار سكاكين ومطاوي على وجوه البعض الآخر. اجتماع مكلل بالصراخ.. نحن نعلم أننا ذاهبون إلى مطحنة حقيقية. اليوم سنعاود مواجهة عصابات الفاشيين بلحمنا الحيّ. اتفقنا على نقطة التجمّع (صارت الساعة الآن 18:40) بعد عشرين دقيقة من الآن. الكلّ يدرك أن الفاشيين مسلّحون. أعضاء الحزب الشيوعي يطلبون ممَّن يجربون أن يفهموا كيف يمكنهم حماية عائلاتهم وبيوتهم، ألا يحرقوا صفائح القمامة في الشوارع. انتهى الاجتماع.. عدتُ إلى المنزل لألتقط أنفاسي.

قررت قتل الوقت بكتابة ما يشبه المقال إلى أشخاص لا أعرفهم، أظن أن بعضهم سيقول: «حرام الفلسطينيين»، ثم يشاركون المنشور على صفحاتهم.

أفكّر بأطفالي الآن، بالأمس شاهدوا من شرفة المنزل عشرات المستوطنين وهم يحطّمون السيارات والمنازل العربية في الشارع القريب. أية ليلة ستمرّ عليهم؟

حرب.. مجددًا.. حرب!

لا شيء لدي حقّا لأقوله. على الأقل وفيت بوعدي لعمر.. أظن أنني سأذهب الآن.

عن الكاتب

آراء أخرى

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).