تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

انتفاضة فلسطين وراهنية التحرير

بدور حسن
8 دقيقة قراءة
انتفاضة فلسطين وراهنية التحرير
FILE PHOTO: Palestinian demonstrators shout during clashes with Israeli troops at a protest demanding the right to return to their homeland, at the Israel-Gaza border east of Gaza City, April 6, 2018. REUTERS/File Photo

يمكنكم الاستماع للمقال هنا:

للاستماع إلى المزيد من المقالات، يمكنكم الاشتراك في خدمة «صفحات صوت» إما من خلال الموقع أو تطبيق آبل بودكاست.

14 مايو 2018، دونالد ترامب يفي بوعده وينقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، ويعترف بالقدس موحّّدةً عاصمة لـ«إسرائيل» دعوات السلطة الفلسطينيّة للنفير العام لم تُؤتِ سوى احتجاجات أدائية ومسيرات بائسة في شوارع رام الله، وتظاهرة صغيرة خارج مبنى السفارة الجديد، قرع فيها اليساريّون الصهاينة طبولهم منادين بإنهاء «الاحتلال»  

الاحتلال عندهم يقتصر على ما انتزعته دولتهم في العام 1967. نكاد نرى دموع النوستالجيا تسيل من أعينهم وهم يستذكرون دولتهم قبل يونيو 1967؛ دولة شابّة تجسّد القيم الاشتراكية والديمقراطية، الحضن الآمن لكل يهود العالم (بصرف النظر عن عنصريتها المُمأسسة ضد اليهود العرب)، أجمل من أن تلطّخ ذكراها 18 سنة من الحكم العسكري الجاثم على صدور الفلسطينيّين، مِمَن عجزت الميليشيات الصهيونيّة عن تهجيرهم. دولة الكيبوتسات والنقابات والصبّار ووثيقة الاستقلال الغالية، أنقى من أن تشوه صورتها بعض المجازر -مجزرة كفر قاسم لم تكن سوى خطأ تقني- أو نهب أراضي الفلسطينيين برعاية المحكمة العليا؛ ذات المحكمة التي أشادت حنّة آرنت باستقلاليتها في كتابها عن محاكمة آيخمن. 

يخشى، أولئك اليساريون الصهاينة، شأنهم شأن السلطة الفلسطينية، موت حلم الدولتين. أيُعقل لما لم يعش يومًا أن يموت؟ فلسطينهم وفلسطين السلطة تضيق على اللاجئين وعلى حقهم بالعودة. في 14 مايو أيضًا، خرج اللاجئون في غزة واقتربوا من السياج الذي يفصلهم عن الشّطر المحرّم من فلسطين، بينهم وبينها «لحشة حجر» ورصاص قنّاصة وهتافات تحاول تذكير الأرض بأصحابها قبل أن يخترق الرصاص صدور مردّديها. فلسطينهم تمتد من نهرها إلى بحرها، ولأجل حق العودة خرجوا واستشهدوا، لا لأن السفارة الأمريكية نُقلت من مدينة فلسطينية محتلة إلى مدينة محتلة أخرى؛ سماء الشّيخ مونّس والمنشية والقدس واحدة، وبحر غزة ويافا واحد.

يونيو 2020، بنيامين نتنياهو على وشك الإعلان عن الضم الرّسمي للمستعمرات اليهودية في الأغوار. مؤسسات حقوق الإنسان الفلسطينية والدولية تستغيث بالاتحاد الأوروبي لوقف ما يعتبرونه تطورًا غير مسبوق. السلطة الفلسطينية تدعو إلى النفير العام والمخابرات الإسرائيلية تحذر من غليان محتمل. غليانٌ لم يصب إلا رؤوس القابعين في المقاطعة  في دويلة رام الله والصهاينة الليبراليين القلقين على سمعة «إسرائيل» والأوروبيين المتشبثين بخرافة الدولتين، ومديري الـ«إن جي أوز» المرابطين في أورقة «زوم». يعلّق نتنياهو الضم الرسمي، أما الضمّ الفعلي فيتمدّد من خلال هدم المنازل والتهجير الجماعي واعتداءات الجيش والمستعمرين اليومية على المزارعين الفلسطينيين، والأوامر العسكرية ومخططات شق الشوارع. ولكن كل هذا روتين يوميّ لا يسبّب صداعًا مزمنًا ولا يستحق العناوين ولا يغيّر قواعد اللعبة ويسمح للمسرحية، مسرحيّة دولة حدود 67، أن تستمر. 

ولكن، لِمَ لَمْ ينتفض الشعب الفلسطيني على الضم الرسمي أو قرار نقل السفارة؟ عزا البعض استنكاف الفلسطينيين المواجهة إلى يأسهم وشعورهم بقلّة الحيلة وانعدام الجدوى بعد عقود من المعارك الخاسرة والانتفاضات المسروقة. نسبه آخرون إلى موت القضيّة وتخاذل أصحابها، وهذا تبرير يروق لمبرري التطبيع ومروجيه فلمَ يُطلب منهم الاهتمام بقضية ودّعها أهلها وقلوها؟ 

ولكن امتناع الفلسطينيّين عن تلبية دعوات السلطة يخبرنا أكثر عن فشل السلطة في حشد أي اصطفاف شعبي، وأن الفلسطينيّين ليسوا آلات تضغط زر التشغيل فيها فتتحرك وتركلها فتصمت. 

تحدّث البعض حينها عن غضبٍ يتراكم وعن مقاومة يومية صامتة تمهّد إلى انفجارٍ محتمل، وقد يبدو الحديث عن المقاومة اليوميّة التي تسبق العاصفة عزاءً أو محاولة للتمسّك بالأمل، ولكن السنوات الأخيرة زودتنا بمثالين لحراكين في القدس يعزّزان القناعة أن المدينة لم تفقد طاقتها على المواجهة. نتذكّر هبّة أبو خضير التي انتفضت فيها القدس بعد حرق المستوطنين الفتى محمد أبو خضير من شعفاط في العام 2014، ونتذكّر بلدات وأحياء مقدسية خرجت عن سيطرة الاحتلال. نستحضر التفافًا شعبيًّا حول المقاومة خلال حرب 2014، بلغ أوجه في ليلة القدر في المسجد الأقصى، التي حولها المتظاهرون والمصلّون إلى ليلة اشتباك مع شرطة الاحتلال ثأرًا للدم النازف في غزة. 

نتذكّر أيضًا موقعة البوابات في يوليو 2017 التي تمكن فيها المقدسيّون والمقدسيّات، بعد أسبوعين من الاعتصام المفتوح في باب الأسباط، من إرغام الاحتلال على إزالة البوابات الإلكترونية وفتح باب حطّة للمصلّين. لم يسبق الهبّتين إنذار، ولم يتنبأ بحدوثهما أحد، ولم تدعُ سلطة للنفير العام، بل أن غياب تأثير السلطة الفلسطينية في القدس قد يفسر قدرة أهلها على التحرك ضد الاحتلال ومقارعته.

لم تتعامل سلطة الاحتلال مع الهبتين كحدثين استثنائيين، وأدركت أن إحراق أبو خضير ووضع البوابات الإلكترونية أشعلا الفتيل ولم يخلقا النار، ولذلك تبنت في ردها مزيجًا من القمع الفج وسياسات الاحتواء والأسرلة وطمس الهوية الفلسطينية لشباب القدس. أجهزة المخابرات والشرطة تراقب وتعتقل وتعاقب وتعدم الفدائيين ميدانيًا، وبلدية الاحتلال ومراكزها الجماهيرية ومدارسها ومؤسسة التأمين الوطني تضخ الأموال والموارد لصناعة جيلٍ مستلبٍ الهوية، منشغلٍ بالخلاص الفردي وساعٍ للاندماج في سوق العمل الإسرائيلية.

ليس توازنًا سلسًا، فبين التهجير والأسرلة وبين الخنق والاحتواء تناقضات تعكس تخبطات المنظومة الاستعمارية في كيفية التعامل مع شعبٍ تعتبره فائضًا ديمغرافيًّا كان يفضّل التخلص منه. أو كما وصفهم السفير الإسرائيلي الأسبق في الولايات المتحدة آبا إبن، «زرنيخ»، وقدرة الجسد على استيعاب الزرنيخ محدودة. 

تصادر سلطات الاحتلال أراضي المقدسيين لتقيم عليها مستعمرات يهودية وشوارع استيطانية وجدار الضم والتوسع أو تعلنها حدائق قومية، تمنعهم من استصدار تراخيص البناء ثم تهدم منازلهم لأنها بُنيت من دون ترخيص أو تجبرهم على هدمها بأيديهم، تضيّق عليهم في أحيائهم وتستهدف الأحياء والبلدات المقاومة بالاعتقالات والاقتحامات، تُسخّر بيروقراطيتها لتجريدهم من إقامتهم في القدس، وتوظّف قوانينها لطردهم من بيوتهم وزرع المستعمرين فيها، تعزلهم عن امتدادهم الطبيعي في ضواحي القدس والضفة، تفرض عليهم ضرائب لا قِبَلَ لهم بها، وتلاحق مبادراتهم السياسية والثقافية والاجتماعية الخارجة على سطوة الاحتلال، كل تلك السياسات لم تخلّصها من «الزرنيخ» الفلسطيني في القدس الذي تقارب نسبته 40%. ومن هنا جاء التركيز المشدّد على سياسات الأسرلة والاحتواء، التي قد يكون أبرز تجلياتها في الآونة الأخيرة إقرار وزارة الداخلية الإسرائيلية إجراءً يسهّل على 20 ألف شاب مقدسي، تتراوح أعمارهم بين 18 و21 عامًا، الحصول على الجنسيّة الإسرائيلية (وزارة الداخلية نفسها التي جرّدت آلاف المقدسيّين من إقاماتهم الدائمة بحجة أن مركز حياتهم خارج منطقة نفوذ بلدية الاحتلال، والتي تهدّد المقاومين المقدسيّين بانتزاع إقاماتهم وإقامات أسرهم كأداة عقابية.)

ولكن، القدس علّمتنا دروسًا عديدة، أحدها أن قذف حجر صغير في المياه الراكدة كفيلٌ بإحالتها نهرًا، والنهر يجري منذ أول أيام رمضان. المسؤولون عن إلقاء الحجر الأول شبان استهدفتهم مشاريع الأسرلة، وسعت إلى سلخهم عن قضاياهم التحررية والوطنية وإقناعهم أن «السياسة وجع راس» وتعليمهم في المراكز الجماهيرية وفي المدارس التي تديرها بلدية الاحتلال، أن يكونوا مواطنين صالحين كي يعيشوا في بحبوحة. بدا وكأن كل هذه المفاهيم تتهاوى حين أقفلت سلطات الاحتلال باب مدينتهم، باب العامود، بالسواتر والحواجز في اليوم الأول من رمضان، وحين اصطدموا معها بوجوهٍ مكشوفة وحجارة، وحين أجبروا الشرطة على الانسحاب ليزيلوا بأياديهم السواتر والحواجز. 

كان يمكن لهذه الهبة الجديدة أن تنحسر يوم أزيلت السواتر أو حين أرسلت بلدية الاحتلال منشديها ليعيدوا «الهدوء وأجواء رمضان» إلى باب العامود. كان يمكن لأولي الأمر والمصالح من النخبة المحلية أن يتظاهروا بأن الحكاية لم تتعدَ مناوشات يقودها «زعران» غير مسيّسين يخرجون للاشتباك بالاحتلال ليلًا، لا من وازعٍ وطني، بل للمشاغبة وإمضاء الوقت. لكن ما بدأ في باب العامود امتد ليصل إلى حي الشيخ جراح، ليغذي ويلتحم بالنضال الذي بدأته العائلات المهددة بالتهجير من الحي وليحول الحي قِبلةً للمقدسيين والفلسطينيين عمومًا.

شكل احتجاج جديد أخذ بالنمو في حي الشيخ جراح، مختلف تمامًا عما اعتاده الحي في السنوات العشر الأخيرة، يعتمد على مقارعة شرطة الاحتلال والمستوطنين أولًا بالهتافات والأهازيج ورفع العلم الفلسطيني، ومن ثم مجابهة اعتداءات الشرطة الوحشية ومحاولاتها فض التظاهرة بالحجارة والمزيد من الهتافات. سنبقى هنا «خاوة»، يردد المقدسيون، و«خاوة» تعني رغمًا عن أنوفكم، و«خاوة» في القدس نهج حياة. واصل الفلسطينيون تظاهراتهم المسائية في القدس «خاوة» ولم تثنهم آلة القمع أو إغلاق مداخل الحي. أفسد المقدسيون احتفال الصهاينة بما يسمّونه «يوم توحيد القدس» وأجبروهم على إبعاد مسيرة الأعلام عن البلدة القديمة «خاوة»، و«خاوة» تمترسوا في المسجد الأقصى وتصدوا للرصاص والقنابل. «خاوة» هتفوا اسم محمّد ضيف في الشيخ جراح وفي ساحات المسجد الأقصى، وكبروا وهللوا بعد دوي صفارة الإنذار وسقوط صواريخ المقاومة في القدس. و«خاوة» يقاتلون لاستعادة مدينتهم، واستعادتهم صفعة قاسية في وجه كل من حلُمَ أو راودته نفسه أن عمليات الاحتواء والأسرلة نجحت في كسر هذا الجيل.

لا يعني هذا أن مشاريع الأسرلة والتدجين التي تقودها سلطات الاحتلال ليست خطيرة أو أن فشلها أمرٌ حتمي، فالاحتلال يعلم أنها صيرورة ويراهن على النفس القصير والذاكرة الانتقائية وعلى القيادات المحلية التي ستحاول سرقة الحراك والالتفاف عليه. وأي كان مآل هذا الحراك، مما لا ريب فيه أن الاحتلال سيشن حملات اعتقالات وتخويف مسعورة ومستترة على المقدسيّين، ولكن الأخطر من الملاحقة سيكون توسيع نطاق عمل المراكز الجماهيرية الإسرائيلية والزيادة من تغلغل المؤسّسات الإسرائيلية في حياتنا. توفر هذه الهبة والشبكات الاجتماعية التي تنتجها والتكافل والتكاتف الذي تصنعه التظاهرات والمواجهات خط دفاع أمام محاولات الأسرلة المستقبلية. على أن خط الدفاع هذا ليس عصيًا على الاختراق ما لم يدعمه عملٌ شعبي ممنهج مؤسسٌ على الإنجازات التي حققتها وستحققها هذه الهبة. 

ولعل أكبر إنجازاتها إثبات راهنيّة سؤال التحرّر، سؤال لا يعني أحفادنا كما كنا نكرّر قبل أشهر قليلة، بل يعنينا نحن ويعني جيلنا. كنا نتحدث عن تخيل لحظة التحرير، ولكن هذه الهبة تثبت أنه يمكننا تلمس هذه اللحظة والتحديق بها وسماعها واستنشاقها. اللحظة التي أزال بها الشبان الحواجز في باب العامود وصدحت حناجر الآلاف بالتكبير والهتاف كانت لحظة تحرير. واليوم الذي مَنع فيه المقدسيون آلاف المستوطنين من اقتحام المسجد الأقصى ليحيوا يوم «توحيد القدس» كان يوم تحرير. واليوم الذي أضربت فيه فلسطين من نهرها إلى بحرها كان يوم تحرير أيضًا. هذه الهبّة، التي انطلقت من باب العامود وامتدت إلى الشيخ جراح والقدس وحيفا واللد وغزّة والبيرة تعلن قطيعة مع اليأس وأن التحرير أقرب مما كنا نعتقد.   

عن الكاتب

آراء أخرى

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).