اليسار و أسئلة الثورة.. رؤية نقدية (الجزء الثالث)
الموقف من الحركة الإسلامية
مثلت ثورة 25 يناير و خاصة موجتها الأخيرة في 30 يونيو، فرصة رائعة لاختبار مقولات فرقاء اليسار بخصوص السلاميين. فقرار تذيل الدولة على الطريقة التجمعية خوفا من الاسلاميين و مباركة المواجهة الأمنية لهم ثبت تهافته بدءًا بثورة 25 يناير و مرورا بتحالف أجهزة الدولة مع الاسلاميين، و وصولا لانحسار شعبيتهم مع المواجهة السياسية و الشعبية الحرة لهم و رفض قطاعات شعبية واسعة لهم، حتى عودة الأجهزة الأمنية لعادتها القديمة بعد 26 يوليو 2013 لاكتسابها بعض التعاطف الذي فقدوه خارج كتلتهم المجتمعية الأساسية مرة أخرى.
و على الجانب الآخر، الابتزاز نحو الاسلاميين باعتبارهم "حركة شعبية" على طريقة الاشتراكيين الثوريين ثبت فشله أيضا حيث رأينا قطاعات شعبية تخرج ضدهم و تعلن رفضها لأصحاب الأيدي المتوضئة و خاصة مع تكشف وجههم الأكثر رجعية و عنفا، و خاصة مع تبين أن التيار الاسلامي في أغلبه "حركة واحدة" تضم الجهاديين والتكفيريين و "السلميين" و "الاصلاحيين"، و بالتالي فشل الرهان في التعاون مع الأطراف الأقل تطرفا داخلهم.
و يبقى استثمار بعض أطراف اليسار في التيار الاسلامي الديمقراطي أو الوسطي أزمة كبرى. فإننا – على العكس من قطاعات اليسار الرافضة لرؤية أي إمكانية لبروز هذا البديل – نرى إمكانية بروز تيار إسلامي أكثر ديمقراطية و اعتدالا و قبولا لمفاهيم السياسية الحديثة كحقوق الإنسان، لكننا نرى أيضا خطورة أن يستثمر التقدميون في هذا المشروع الاسلامي الأكثر اعتدالا باعتباره مشروع صديق أو حليف، لأن ذلك تسليم بأن الحركة التقدمية أصلاً فقدت مشروعها، و استسلام لرؤية استشراقية حول المجتمع المصري فحواها أنه "إسلامي بالضرورة" و من ثم بناء مشروع إسلامي ديمقراطي هو السبيل الوحيد للتقدم.
و الأخطر أن البديل الإسلامي الوسطي هو بالفعل الأقدر على تجميع التيار الاسلامي العام على بديل أكثر حصافة من مرسي وجماعته المجنونة، و أكثر قدرة على البقاء و التحالف مع أجهزة الدولة و القوى الدولية (و لهذا نحمد الله أن الإسلاميين – بسبب صلفهم - لم يجتمعوا على خيار أبو الفتوح في الرئاسة). إن تفكيك التيار الاسلامي لصالح تيارات أكثر قبولا للتعددية و الديمقراطية لا يمكن أن يحدث بدون حركة تقدمية قوية و متجذرة، و قادرة على التعبير المستقل عن نفسها و الدفع بالصراع لأرضية أكثر "تقدما".
كذلك أثبتت معارك الثورة المتلاحقة أنه لا يمكن تجاوز الاستقطاب الهوياتي بالقفز عليه و طرح مطالب العدالة الاجتماعية و التنظيم على أساس المصلحة (وإن كان سيفيد بشكل تراكمي بالطبع على المدى الطويل). فالمعركة الثقافية المجتمعية حول سؤال الهوية معركة عميقة، و يجب خوضها و كسبها بطريقة شعبية، فهذا أكثر قدرة على البقاء من الارتكان على المواجهة الأمنية مع الحركة الإسلامية. ولهذا علينا كيساريين أن نعترف بوجود دور هام للدولة في تحجيم و معاقبة النوازع الرجعية في المجتمع حين تتطرف و تؤذي الآخرين، لكن الدولة و أجهزتها لن تنجز مشروع التحرر الثقافي الشعبي من أوهام المشروع الإسلامي، بل إن النظام الاجتماعي القائم، و الذى ترعاه هذه الدولة، يتركز على الاستقطابات الهوياتية و الطائفية في شرعنة هذا النظام و حصار النضالات الديمقراطية. إن دولة يوليو لا تختزن قيماً علمانية، بل إن لديها احتياج غريزي لهذه القوى الرجعية، و للأدوار التى تلعبها فى شرعنة سلطويتها و حصار حركة المجتمع.
و من هنا يجب الحذر من نوايا هذه الدولة رغم عدائها الآني للإسلاميين في صراع على مساحات السلطة و النفوذ، فجوهر مشروع الثورة المصرية هو التخلص من هذه الدولة و بديلها الفاشي، تجاوز هذه الثنائية البائسة، و لعبة التوافق و الصراع المستمرة بينهما المعادية للجمهور و التي تعيق حركة المجتمع و فرص نمو حركته الاجتماعية. إلا أن علينا أن نعي أيضا أن التناقض بين الدولة و التيار الاسلامي ضروري لنمو القوى الديمقراطية، و هو ما يجعل ما حدث في الثلاثين من يونيو و الثالث من يوليو حدثا ثوريا تاريخيا، فتحالفهم كان خطرا داهما على مسار الثورة و مشروع المقرطة. و علينا كيساريين أن نعي أن حضورنا ضمن تحالف ديمقراطي واسع هو السبيل لترشيد هذه الدولة، و حصار عصابتها و إخضاعها لإرداة الجماهير المناضلة في مشروع لإعادة تأسيسها على أسس أكثر عدالة و رشادة. كما علينا أن نعي أنه لا تفكيك للمشروع الاسلامي بدون حركة تقدمية قادرة على النمو و التعبير عن نفسها فى الصراعات السياسية و الأيديولوجية و الاجتماعية الدائرة.
أخيرا هناك ضرورة للتوقف عن الخلط بين الإسلاميين (كحركة سياسية و إن كانت ذات ظهير شعبي كبير) و الشعب (و إن كانت قطاعات كبيرة فيه ذات نوازع إسلامية أو يبتزها الخطاب الإسلامي). و هنا أيضا يأتي الدور الهام للمعايير الحقوقية في التعامل مع الإسلاميين، فيسار يتخذ موقفا صارما من الحركة الإسلامية ويعاديها شعبيا، يجب ألا يقبل بأي انتهاكات تمارس ضدها من قبل السلطة كحركة سياسية، و أن يلزم السلطة في الوقت نفسه بحماية المواطن من عنف الإسلاميين و إجرامهم عند الضرورة.
التحرر من رطانة التحرر الوطني
إن خطاب التحرر الوطني المنزوع من سياق مشروع تحرري عام، يعلي من شأن الديمقراطية و حقوق الإنسان، ما هو إلا وصفة للاستبداد الشعبوي. و علينا رفض الرطانة الناصرية –التي صعدت كثيرا بعد 30 يونيو– بخصوص الاستقلال الوطني عن الولايات المتحدة و القبول بالتحول شرقا نحو روسيا و الصين مثلا، و رفض المقولات الشوفينية لدى اليسار حول احتكار الدولة للسياسة الخارجية، و توسيع مفهوم الأمن القومي بشكل يحجر على الحريات. فهذه الرطانة تقبل بأن قدرنا هو الخيار بين الاسلاميين و الدولة المستبدة، و تختار بوضوح البديل الثاني و تروج الأوهام عن إمكانية تحرر مؤسسات الدولة –و على رأسها الجيش – من أواصر التبعية مع الولايات المتحدة.
لقد كانت 30 يونيو لحظة كاشفة أيضا عن نظرة "الشمال" أو القوى الاستعمارية في العالم "سواء روسيا أو الولايات المتحدة" لبلادنا، فتلك القوى ترى منطقتنا باعتبارها منطقة منكوبة بثقافتها، و ستبقى أسيرة لإسلاميتها للأبد و تتنوع بين موقفين: الموقف الأول الذي يتبناه مثلا الديمقراطيون في الولايات المتحدة و بعض اليسار الأوروبي، يتمثل في ضرورة أن يحكمنا نسخة معتدلة من الإسلاميين ترضي النزوع الثقافي للجماهير، و توفر للإسلاميين مشروعا محليا يشغلهم عن الهجمات على شمال العالم على طريقة 11 سبتمبر. و الموقف الثاني هو معكوس هذا التصور الاستشراقي بالضبط، فهو يعترف أيضا بأننا منطقة منكوبة بالإسلاميين لكنه يرى أن تمكين هؤلاء الاسلاميين من الحكم خيارا مجنون،ا و بديله هو القبضة الأمنية على الطريقة المباركية.
و نرى أن مد الجسور مع القوى الحرة في العالم و تكشفها أمر هام، و هذا لن يتم بترديد رطانة الاستقلال الوطني و الاصطفاف خلف الدولة أمام العدو الخارجي/الداخلي، و إنما بالاعتراف بأزماتنا و حقيقة حصار القوى الحية و الحركة التقدمية في المجتمع بين حركة إسلامية رجعية (طائفية و ميليشياوية) تقدم نفسها بديلا "ثقافيا" للدولة الوطنية حركة ذات رصيد شعبي كبير، و دولة استبدادية مصرة على عدم التقيد بأي معايير ديمقراطية. فبعد الثلاثين من يونيو، وقفت الكثير من القوى الديمقراطية في العالم ضد الحركة الشعبية و اعتبرتها انقلابا على الديمقراطية. لا نتحدث هنا عن الدول ذات المصالح الاستعمارية مثل الولايات المتحدة، و إنما موقف الكثير من الدول الأفريقية و اللاتينية و الجماعات الحقوقية الجنوبية، الذي لا يمكن تفسيره سوى بفشل القوى الديمقراطية في شرح أزمتنا. إن اكتساب الأصدقاء من القوى التقدمية و الحرة في العالم لن يأتي سوى بالاعتراف بأزمتنا أمام الجميع، و دعوتهم لمساندتنا في شق طريق الحرية، أي مد الجسور مع القوى الديمقراطية في العالم و التي تخوض صراعا مع نظام عالمى يتغذى هو أيضا على منطقتنا "المنكوبة "، التى تستعمل أيضا فى حصار حركة القوى الديمقراطية في العالم في مواجهة النظام العالمي المستغل، فالحرب على الإرهاب الإسلامي، و الصراع الطائفي في المنطقة تم استعماله كفزاعة لتمرير السياسات النيوليبرالية، و الضغط على شعوب العالم و شعوب المركز، فنضال القوى الديمقراطية العربية يجب أن يتم تقديمه باعتباره جزء من هذا النضال العالمي، فى مواجهة النظام العالمي و مرتكزاته التي من أهمها منطقتنا و حالتها الرثة.
التخلص من وهم الطليعية
ربما من المهم أيضا إعادة النظر في هذه الرؤية الطليعية الذى يتبناها قطاع كبير من اليساريين فى مصر و الوطن العربى، و هي الرؤية التي تجعل اليسار يظن نفسه الممثل "الطبيعي" و القائد المفترض للجماهير. و بالتالي يكون دوره هو قيادة الطبقات الكادحة و تعبئتها لبناء الاشتراكية. إن هذه الرؤية الطليعية لدور اليسار من أهم الأساطير التى تعيق الدور الممكن لليسار، فهذا الدور الطليعي يبطل الفاعلية السياسية لليسار لمصلحة أوهام مؤدلجة، فالدور السياسي الفعال لليسار يتطلب قراءة حقيقية للظروف الذاتية و الموضوعية، قراءة من لحم و دم ترصد الدور الذى يمكن أن يلعبه التنظيم اليسارى في كل لحظة، أي الكشف عن إمكانيات العمل و ليس الإرضاء الزائف "للأيدولوجية" و أوهام "القيادة". فالثورة وضعت اليسار في مواجهة أسئلة صعبة و لم تأتي وفقا للكتالوج اليساري المحفوظ. و كذلك، اليسار لا يقود الجمهور و لا الحركة و لا قادر على تحقيق نصر انتخابي من أي نوع، لكنه قادر على أن يخلق في هذا السياق صوتا جذريا قادراً على إلهام قطاعات من الجمهور، و إنتاج موقع ديمقراطي أصيل داخل المجال السياسي و في مواجهة هذا المجال السياسي أيضا، قادر على إنتاج أشكال من المبادرات النوعية مرتبطة بتنظيم العمال و الفلاحين و قضاياهم و بالقضية الطائفية و بقضايا المرأة. هذه المبادرات النوعية تتحرك فىي مساحات ضيقة، و لكنها بالقطع قادرة على خلق بؤرة إلهام مستمرة لقطاعات أوسع. فعملية تأسيس النقابات المستقلة، و رغم محدودية تأثيرها إلى الآن، فإنها تلعب دور في تقديم بدائل للعمل الديمقراطي و النضال الاجتماعي لحركات الاحتجاج العمالية و الفلاحية، و تنتج مواقع واعية قادرة على إلهام قطاعات أوسع في عملية طويلة و لكنها ضرورية فى مشروع النضال الديمقراطي.
كما أن المواقف النقدية و الشجاعة تجاه القضايا الشائكة مثل العنف الجنسي أو الطائفية أو التنكيل بالمهاجرين السوريين.. إلخ، هي عملية إنتاج لمشروع سياسي قادر على التمايز و خلق التوتر الفكري و السياسي الضروري لتقديم اليسار كصوت جذري فى المجتمع له موقعه و تحيزاته، و يخوض من هذا الموقع الصراعات السياسية و الأيدلوجية، و يعمل على الدعم التنظيمي و السياسي للحركة الاجتماعية، و هذا يعنى أن اليسار في الحقيقة هو منبر الدفاع عن الحرية و مقاومة كل أشكال الاستغلال و القهر في المجتمع أكثر من كونه مشروعاً طليعياً لقيادة الطبقة العاملة، أو قطاراً لبناء الاشتراكية.
القبول بهذا الدور "المحدود" هو في الحقيقة تواضع أمام الظروف الموضوعية لنمو اليسار في مصر، و انفتاح على الفرص التي وفرتها الثورة. فبدلاً من أن يبقى اليسار في انتظار سرمدي لنمو الطبقة العاملة و تبلور وعيها لتكون القوة الاجتماعية التي يستند إليها، يمكنه البدء باحتلال موقعه و التوجه لجمهوره من آلاف المواطنين –و خاصة من الشباب- الذين ألهمتهم الثورة فانحازوا لمواجهة القهر في كافة صوره، فهذه القوة الحية هي بوابة عودته تيارا جماهيريا قادرا على الحضور و التفاعل مع الجماهير في كل مكان.
30 يونيو و انكشاف الأوهام
كشفت 30 يونيو الكثير من الأوهام التي عرقلت اليسار عن لعب دوره، و جثمت على محاولات إعادة تأسيسيه بعد الثورة. فمع انكشاف وحشية و إرهاب القطاع الأكبر من التيار الإسلامي و طائفيته و صعوبة بروز تيار ديمقراطي من داخله، انكشف زيف رهان قطاع من اليسار على التحالف معه لمواجهة الدولة الاستبدادية. و من ناحية أخرى، انقضت الدولة على مكتسبات الثورة و مشروعها بحجة الحرب على الإرهاب، فبدا اليسار عاجزا عن تقديم مشروع أو حتى صوت جذري يؤثر في مسار الأحداث السياسية أو حتى يلهم القطاعات الثورية من الجماهير دون انحياز للإسلاميين في معركتهم الرجعية، أو تذيل للدولة في علاقة حب من طرف واحد.
ذلك على عكس تجارب يسارية أخرى في العالم كانت مواجهة لقوانين الحرب على الإرهاب، و استغلالها لمصادرة السياسة في المجتمع من المعارك الأساسية لتشكيلها. و كشفت 30 يونيو أيضا أهمية حماية الدول ة من التحلل و الانزلاق للميليشياوية و الطائفية الصريحة، حيث مثلت بوادر دولة الإخوان الآخذة في التشكل نموذجا يستحيل فيه التأسيس لأي حياة مدنية ينا ضل فيها الناس من أجل حقوقهم و مصالحهم (ناهيك عن النضال من أجل الاشتراكية)، نظرا لهوس الجميع بالهوية و الطائفة و خلافه، و رعاية النظام الحاكم نفسه لهذا الهوس.
و واجهنا المسار الذي أخذه الصراع بعد 30 يونيو بأن إعادة تأسيس اليسار بعد الثورة لن تقوم بالضرورة على محاولة توحيد فرقاء اليسار المحملين بأعباءه و رطانته، و إنما أساسا ببروز تيار يساري جديد مستعد للتخلي عن أوهامه المذكورة سابقا، و الاشتباك مع أسئلة اللحظة التي ستمتد لسنوات.
آراء أخرى
مراجعات ينايرية
«نظامنا السياسي الحالي من إفراز يناير 2011، وإن كان في جوهره محاولة لتجديد نظام يوليو 1952»
تمرد الإمام على ثنائية «الكاهن والفرعون»
«جرت العادة في بلادنا أن يضفي رجل الدين الرسمي الشرعية على قرارات وفرمانات حكام الدولة،»
لا شيء في مصر.. كل شيء في مصر
«ليس للمعارضة الديمقراطية المصرية الآن هدف وسط هذا العته سوى النجاة،»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد