اليسار و أسئلة الثورة.. رؤية نقدية (الجزء الثاني)
المحددات الأساسية للدور المفتقد لليسار:
الدولة: بين عبادتها و وهم تفكيكها
إن قراءة اليسار لقضية الدولة و علاقته بها هي من أهم أعباءه. يتعلق قطاع واسع من اليساريين بالدولة البرجوازية الحديثة كطوق نجاة من المجتمع المتخلف و قواه الفاشية، في قراءة تخص اليسار العربى بالتحديد و مرتبطة بالعلاقة التى نُسجت بين اليسار و دول مشروع التحرر الوطني. لكن هذه المشاريع قد انتهى بها الامر إلى دول فاشلة تحكمها عصابات و طغم حاكمة ترتكز على علاقات زبونية فاسدة و أداة أمنية قمعية مجرمة معادية للجمهور. علاقة التعلق هذه دفعت مجاميع يسارية أخرى لمعاداة هذه الدولة لدرجة التصالح مع المشروع الاسلامي ذي الملامح الفاشية، في مواجهتها باعتباره مشروع ذو ظهير شعبي أي إنتاج أصيل للمجتمع.
و جاءت الثورة المصرية - و الثورات العربية بشكل عام - كانتفاضات "لإنقاذ" الأوطان من حالة التحلل المستمرة التي طالت كل الدول العربية، في سياق تحلل مشروع الدولة البورجوازية التي تأسست في حقب ما بعد الاستعمار، و التي ارتكزت على تحالف نخبوي عسكري "أبوي و مستبد و قمعي"، تردت تحت حكمه الطويل هذه الدول، لتتحول إلى كيانات "فاشلة" تحكمها عصابات فاسدة، و مجتمعاتها ارتدت إلى أوضاع ما قبل حداثية، لتتفكك إلى طوائف و عصبيات معادية للمشروع القومي الذى ترك هذه المجتمعات فى حالة رثة و بائسة. و كل هذه العملية تتم تحت رعاية نظام عالمي، توحش بدوره و تعمقت أزمته بحيث لم يعد يهمه استقرار هذه المنطقة، بل أصبح أميل للتصالح مع تفكيك هذه الدول و العمل على تقسيم مجتمعاتها على أسس طائفية و عصبوية و استغلال هذه الأوضاع الاجتماعية الهشة لتأمين عملية النهب المتوحشة.
إن هذا الوضع يمكن النظام العالمي من الضغط على شعوب المركز لتمرير إجراءات التقشف لمواجهة أزماته، و ربما في هذا السياق يمكن أن نفهم دعم الولايات المتحدة الأمريكية لتسليم السلطة للإخوان في مصر. إلا أن الثورة المصرية لا يمكن قراءتها سوى أنها مشروع لمقاومة هذا المصير، مشروع لمقاومة هذه المغامرات الإمبريالية المعادية للإنسانية لمصلحة واقع جديد، بل إنها مشروع لإعادة تأسيس هذه الدول بفاعلين جدد و بمشاركة شعبية حقيقية، تنقذ هذه الدول وهذه المجتمعات من مخاطر التفكك لمصلحة حكم العصابات والطوائف، مشروع لإعادة إنتاج الأمة الواعية و المعترفة بالشعب كحصن لمواجهة بدائل الفوضى و خيارات الاستعمار.
و لهذا، كان الخوف من تفكك الدولة في السياق المصري خوفا أصيلا، فغياب الدولة (بسبب تفككها أو فشلها أو غيره) في مجتمع مليء بالتناقضات و تنظيماته السياسية و الاجتماعية هشة، يعنى بالضرورة سطوة العصابات و شبكات البلطجة و الجماعات الإسلامية المسلحة، و السلوكيات الوحشية مثل التحرش و الاغتصاب و النهب. أي أن غياب الدولة معناه ممارسة القهر الاجتماعي و الطائفي الهمجي بدون أى رادع. و من هن،ا فإن حضور الدولة يظل ضروريا فى حالتنا، بل في أى مجتمع ساعي نحو الحرية و النماء. لكن حضور الدولة الأمنى الانتقائي، هوأيضا حضور "لعصابات" الدولة أكثر منه حضورا للدولة، فأي تغول لعصابات الشرطة و اعتباره حضورا للدولة يعنى بالضرورة الحفاظ على حالة المجتمع الرثة، حالة حضور "اللا دولة"، و لهذا، فإن ترشيد هذه الدولة و حصار تغول عصاباتها الأمنية هو مهمة أساسية لا يمكن أن تُنجز إلا بمجال سياسي حيوى قادر على محاصرة الدولة و محاسبتها. و المحاسبة تفترض وجود كيان قوي و متماسك و رشيد.
إن كان اليسار يستهدف تجذير الديمقراطية و "تقوية" المجتمع في مواجهة جهاز الدولة، و تقوية الدولة نفسها على حساب أي نظام حاكم، فهذا بدوره يتطلب ترشيد هذه الدولة و غل يد قبضتها الامنية. فلا نمو للمجتمع و لا تطور لوعيه بدون مساحات حرة للعمل الجماعي و الاحتجاج و الشغب في عملية لإنتاج الوعي و التنظيم. كما أن عملية ترشيد الدولة هي نفسها عملية تبدل مستمرة لهذه الدولة بالضغط عليها من الخارج، في عملية مستمرة للدفع بها للاعتراف "بالشعب" باعتباره شريك فاعل و أساسي في عملية "الحكم"، ولهذا فإن تبنى الخطاب الحقوقي و الارتكان على المجال السياسي لترشيد هذه الدولة، هي مهمة يسارية أساسية لفتح الطريق لحركة المجتمع و نموه.
و يأتي هذا الدور على نقيض الدور الذي طرحه قطاع من اليسار العربي لنفسه كما ذكرنا، و خاصة في لحظات الصراع بين الدولة و نقيضها "الميليشياوي" أو الماقبل حداثي المتمثل في الاسلاميين كما حدث في التسعينيات أو ما بعد 30 يونيو 2013، وهو دور الناصح الأمين أو بيت الخبرة الذي يمكن استقدام كفاءات منه لشغل مواقع هنا وهناك. صحيح أن هذه الكفاءات قد تلعب دورا في ترشيد عمل جهاز الدولة و تحسينه و تقديم بدائل أفضل له في قضايا مثل القضايا الاجتماعية أو حقوق النساء.. إلخ، لكن هذا في الحقيقة دور التكنوقراط و ليس دور اليسار كتيار سياسي عليه أن يقدم هذه البدائل الأفضل عن طريق ضغط الحركة الجماهيرية و الحضور السياسي.
ويمثل تدجين الدولة للحركة النسائية (مرة في عهد عبد الناصر و مرة أخرى في النصف الثاني من عهد مبارك) نموذجا واضحا على مخاطر الانفصال عن الحركة و اقتناص بعض المكتسبات (على أهميتها) برضاء الدولة، أبرزها سهولة الارتداد عن هذه المكتسبات و اغتراب المدافعون عن تلك الحقوق عن الجمهور و تشويه الإسلاميين لهم، مثلما تم الارتداد عن المكتسبات الاجتماعية الناصرية أيضا في سياق آخر.
حقوق الإنسان كمشروع لترشيد الدولة
و اليسار إن تبنى تجذير الديمقراطية و تعميقها شعبيا كمحور أساسي في مشروعه، فإن تصالحه مع الخطاب الحقوقي يصبح بالغ الأهمية. فالخطاب الحقوقي خطاب "نقدى" يتخذ مسافة من الدولة لكنه يعترف بأهمية دورها و يحملها المسئولية، و يحاصر أي نظام حاكم بالمعايير و الضوابط بل يلاحقها مرتكنا –بعد ثورة يناير- على مجال سياسى هش و مركزي (ضعيف في الأطراف) و لكنه مؤثر، قادر على الضغط على الدولة مركزيا و ملاحقة عصاباتها الأمنية، و انتزاع مكاسب و ترسيخ أعراف في العلاقة بين الدولة و المجتمع بالقدر الممكن. و هكذا يلعب العمل الحقوقى دورا سياسيا بامتياز في ترشيد أداء الدولة في عملية شد وجذب مستمرة.
ذلك برغم اعترافنا بقصور الخطاب الحقوقي في تفسير كل الظواهر و محدوديته في الاستجابة بحساسية لقضايا الصراع الطبقي و الخلل الهيكلي في القوة بين الأغنياء و الأثرياء أو بين الرجال و النساء أو بين الأغلبية و الأقلية الدينية، و قصوره أيضا في مواجهة أشكال الانتهاك التي تمارسها أطراف مجتمعية على أطراف مجتمعية أخرى مثل الجماعات الإسلامية و ظهيرها المجتمعي ضد الأقباط و النساء و خاصة من الفقراء، لأنه يوجه خطاب المسئولية للدولة. و هو ما يعزز بشكل غير مباشر مسألة تقوية الدولة مع ترشيدها. جانب من قصور الخطاب الحقوقي يتمثل في كونه قائم على فكرة المعايير و ليس الحلول أو السياسات، لكن يبقى دور السياسيين (و خاصة من اليسار المؤمن بحقوق الإنسان) ابتكار وسائل و سياسات لاستيفاء المعايير الحقوقية تبعا لظروف المكان و الزمان.
من ناحية أخرى، لعبت اسهامات القوى التقدمية في جنوب العالم في مواثيق حقوق الإنسان الدولية و الإقليمية دورا أساسيا في تجذير حقوق الإنسان و طرح فكرة الحقوق الجماعية و حقوق الشعوب، لنقل حقوق الإنسان من مجال الحقوق الفردية إلى مجالات أرحب، و هو التوجه الذي تحاربه القوى الرجعية في العالم، وعلى رأسها الولايات المتحدة داخل أروقة المنظمات الدولية و الإقليمية نفسها.
العدالة الاجتماعية لا تكفي
باعتبار القضاء على الرأسمالية هي الأمل النهائي لليساريين على مختلف تنوعاتهم، إيمانا منهم بأن الرأسمالية نظام ظالم و فاشل و يهدد الانسانية و لا يمكن أن يستمر، و ذلك سواء كانوا يعتبرون الاشتراكية نظاما اقتصاديا متكاملا و فعليا يتوجب الوصول إليه في لحظة تاريخية معينة، أو هدف بعيد نتخذ حياله خطوات تصحح الرأسمالية و تغير من طبيعتها دون انتهاءها تماما من التاريخ. فإن التركيز على قضية إعادة توزيع الثروة و مواجهة الفقر يعتبر أساسي في أي طرح يساري.
لكن التشدق بشعار العدالة الاجتماعية و اعتباره "مهمة" اليسار الأولى يبدو لنا أمرا مشوها فمطلب تحقيق "بعض" من المكتسبات الاجتماعية لا يعنى بالضرورة مقاومة "القهر" الاجتماعي، و اليسار عليه أن يعمل على مقاومة القهر الاجتماعي و آليات التهميش و ليس فقط الدفع بإجراءات العدالة الاجتماعية. لكننا نجد اليسار يدافع عن القطاع العام الخرب بأي ثمن، و عن تعيين المزيد من الخريجين على حساب كفاءة أجهزة الدولة ليحافظ على "اجتماعيته"، و هذا في الحقيقة موروث ناصري مرتبط بالأساس بمطالبة السلطة باتخاذ إجراءات لتحقيق "بعض" العدالة الاجتماعية في سياق تأميم "الصراع الاجتماعي و السياسي"، دون الانتباه إلى أن الاستبداد (أى استبداد) لديه مصلحة في تحقيق بعض العدالة الاجتماعية، فلا استقرار لأي نظام بدون "بعض العدالة".
و يبقى الخلاف، هل المهم هو المنتج النهائي (حد أدنى للأجر أو إعانة بطالة مقدارها كذا) أم عملية تمكين الطبقات الشعبية و الكادحة لتسعى لانتزاع هذه الأمور. نرى أن تمكين و تنظيم الكادحين دفاعا عن مكتسباتهم، هو المسعى الأهم من مجرد المطالبة بهذا المكتسب أو ذلك. و الوعي بخطورة المطالبة بالمكتسبات فقط أمر هام، و خاصة في اللحظات التي يلوح فيها إمكانية استجابة السلطة السياسية (و من ورائها الرأسماليون بالطبع) لبعض هذه المطالب الاجتماعية تحت الضغوط دون تقديم تنازلات حقيقية على مستوى التمكين الديمقراطي للطبقات الكادحة. و تظل مطالبة الدولة بإجراءات العدالة الاجتماعية في سياق الضغط من أجل انتزاعها أمرا جيدا لتحسين شروط حياتهم المادية و قدرتهم على النضال ضد القهر، لكنه يجب ألا يرتبط أبدا بدعم إعادة انتاج دولة القهر أو القبول بمكتسبات ما دون حريات التنظيم و التعبير التي تمكن الجماهير من الحفاظ عليها.
نادرا ما تكون القضايا المتعلقة بإعادة توزيع الثروة محل خلاف بين أطياف اليسار المختلفة، و يتركز الخلاف دائما على المواقف الديمقراطية (و منها التعددية النقابية مثلا) و الموقف من أجهزة الدولة و الإسلاميين و حقوق الإنسان، فهي الأسئلة التي تتعلق بمواجهة القهر الاجتماعي و السياسي و ليس "إجراءات" العدالة الاجتماعية المطلوبة
و ببساطة، يعد الإقرار بأن تجذير الديمقراطية هو السبيل لمواجهة القهر الاجتماعي و تحقيق قدر ما من إعادة توزيع الثروات، لا يعتبر تخلي عن هدف اليسار في تغيير علاقات الاستغلال الاقتصادي في المجتمع و إنما هو إقرار بأنه لا توجد حلول اقتصادية جاهزة (اللهم إلا بعض الرشاوي الاجتماعية) إلا بتحقيق تنمية حقيقية و تنمية كهذه لن يضعها على عاتقه نظام يحاول تسكين الناس، في عملية الهدف منها بالاساس تهميشهم عن الصراع الدائر. و على العكس فإن المكتسبات الديمقراطية تمكن الناس من النضال من أجل حقوقهم و تنظيم أنفسهم، أى الدفع بهم كطرف واعٍ في الصراعات الدائرة. و يكون مشروع اليسار هنا هو تعبئة الجمهور ضد كل أشكال القهر من خلال التنظيم و"التسييس" و منها مثلا مواجهة الممارسات الأمنية القمعية في الهوامش و مع القطاعات الفقيرة في المجتمع، غياب الخدمات عن القرى و الأحياء الشعبية، و الصراع مع هذه الثقافة الاجتماعية المتجذرة الداعمة لعلاقات القوى المهيمنة التي تؤسس للـ"بؤس". و لهذا فإن يبادر اليسار في تأسيس مواقع حية و مبادرات و تجارب نضالية نوعية، قد يجعل من هذه التجارب بوصلة حقيقية لقطاعات جماهيرية أوسع و نماذج حية للعمل الديمقراطي.
و هذا يعني – بالنسبة إلينا – أن علينا كيساريين التوقف عن الرطانة اليسارية حول التناقض الرئيسي (سواء بين الطبقات الكادحة و البرجوازية أو بين مشروع التحرر الوطني و الإمبريالية) الذي تصغر مقارنة إليه التناقضات و القضايا الثانوية مثل الديمقراطية و حقوق الإنسان. تلك الرطانة التي تتحول في لحظات كالتي نعيشها بعد 30 يونيو، إلى مبرر لتذيل السلطة خاصة لو ألقت للفقراء بعض الفتات أو حاربت الإرهاب، و هي الرطانة التي بررت لليسار لسنوات رفض تقديم نقد حقيقي للتجربة الناصرية بسبب المكتسبات الاجتماعية التي قدمها النظام الناصري للعمال والفلاحين، رغم أنه انتزع منهم أي قدرة ديمقراطية على الدفاع عن هذه المكتسبات ذاتها و الحفاظ عليها.
في الجزء الثالث و الأخير:
الموقف من الحركة الإسلامية.. التحرر من رطانة التحرر الوطني.. التخلص من وهم الطليعية.. 30 يونيو وانكشاف الأوهام.
آراء أخرى
مراجعات ينايرية
«نظامنا السياسي الحالي من إفراز يناير 2011، وإن كان في جوهره محاولة لتجديد نظام يوليو 1952»
تمرد الإمام على ثنائية «الكاهن والفرعون»
«جرت العادة في بلادنا أن يضفي رجل الدين الرسمي الشرعية على قرارات وفرمانات حكام الدولة،»
لا شيء في مصر.. كل شيء في مصر
«ليس للمعارضة الديمقراطية المصرية الآن هدف وسط هذا العته سوى النجاة،»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد