تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

السيرة والحديقة.. عن سلوى حجازي وكتاب كريم جمال  

إبراهيم عبد المجيد
15 دقيقة قراءة
السيرة والحديقة.. عن سلوى حجازي وكتاب كريم جمال  

1

في الوقت الذي لا تغيب عنا مذابح إسرائيل في غزة أو غيرها، وتستمر فيها رغم اتفاق وقف إطلاق النار، يأتي هذا الكتاب ليعيد لنا صفحة من التاريخ، مؤكِّدًا أنه لا يطويها النسيان.

الصور من كريم جمال مؤلف كتاب«سلوى.. سيرة بلا نهاية»

لقد كان الحادي والعشرين من فبراير عام 1973 من أسوأ الأيام التي مرَّت بنا. فيه أسقطت إسرائيل طائرة ركاب مدنية قادمة من ليبيا إلى مصر، لأنها تجاوزت حدود قناة السويس بسبب عاصفة رملية، وصارت فوق سيناء التي كانت مُحتلة. كان يكفي إنذارها لتغيّر وجهتها، لكن العدو الصهيوني أسقط الطائرة التي على متنها مئة وستة ركاب، غير طاقمها المُكوّن من تسعة أفراد، بينهم خمسة فرنسيين منهم قائد الطائرة، ولبنانيتان وليبي وليبية، وماتوا جميعًا باستثناء خمسة أشخاص. كانت سلوى حجازي من الشهداء الذين فاقوا المئة. سلوى لم تكن مذيعة بالتليفزيون فقط، لكن شاعرة تكتب شعرها بالفرنسية، ويُنشر شعرها  مُترجمًا في المجلات بترجمة كتاب كبار، أو يُنشر باللغة الفرنسية في مجلات أجنبية، أو تصدر في مصر باللغة الفرنسية، كما كتبت شعرًا قليلًا بالعربية. ولا ينسى جيلي، ومَن هم أصغر ممَن وُلدوا في الخمسينيات والستينيات، وكانوا أطفالًا وصبية يتابعون التليفزيون المصري، برامج سلوى حجازي  للكبار والأطفال وطلتها الطفولية.

كان وقع الخبر ثقيلًا مُحزنًا، باتت بسببه البيوت المصرية في حزن لا ينساه مَن عاشوه مثلي. لم تكن حرب أكتوبر بدأت بعد، وكانت الجامعات في غليان بسبب ما بدا تأجيلًا للحرب من الرئيس السادات، وتوقفت حرب الاستنزاف. كانت مصر كلها على صفيح ساخن.

شغلت وفاة سلوى حجازي الصحف المصرية والعربية والعالمية، وتمضي الأيام ويأتي هذا العام، الشاب كريم جمال، الكاتب والباحث الرائع، ليكتب لنا عن سلوي حجازي وسيرتها، التي لا نهاية لها رغم استشهادها. كريم جمال فاز بجائزة الدولة التشجيعية فئة العلوم الاجتماعية فرع التاريخ والآثار، وسبق له أن قدم كتابًا رائعًا عن أم كلثوم هو «أم كلثوم وسنوات المجهود الحربي» نشرته دار تنمية عام 2022. في كتبه، يقدم كريم بحثًا علميًا فائق الدقة والروعة، إلى جانب لغته التي تعكس قراءة عظيمة في الأدب، تجعله يخاطب الروح كما يخاطب العقل. تقرأ «سلوى.. سيرة بلا نهاية» كما يحدث في كتابه السابق، وأنت غير مصدق هذا الجهد في البحث، الجدير أن يقوم به فريق كامل، لكنه يفعله وحده ويكتشف ما هو غائب، أو ما كان معروفًا وصار بعيدًا، ليبني به عمارته الحافلة بطوابق الزهور عن حياة سلوى حجازي القصيرة، وكيف فارقت العالم.

يزدان بناء العمارة بالصور لها في رحلاتها، ومَن تعاملت معهم والرسائل والمقالات الهامة عنها وترجمات لقصائدها أو بعضها من اللغة الفرنسية.

الكتاب منشور هذا العام عن دار تنمية أيضًا، ويقع في حوالي 450 صفحة من القطع المتوسط، لكنك إذا بدأته لن تتركه. وستكون استراحتك مع الصور والوثائق وغيرها، حافزًا للتنزه أكثر بين الخمائل التي أقامتها سلوى، والأشجار التي أعاد كريم غرسها، لتجعل منها «تنمية» هذه الحديقة. لكني بين هذه الحديقة سأقف عند محطات روحية كانت علامة على اغتراب سلوى، رغم الحياة العامرة بالعمل والانجازات.

2

نبدأ مع صفحتين بعنوان «شاعرة الضوء»، عن رحلة حدثت عام 1963 إلى بلجراد، عاصمة يوغسلافيا، وهي في الطائرة تتأمل الضوء والفضاء، وتفكر أن تكتب قصيدة. جوارها الصحفي أحمد بهجت الذي كان وقتها يعمل مُعدًا في التليفزيون. حين نادوا بربط الأحزمة عند الهبوط، لم يربط هو الحزام فنبهته، فقال لها: «أنا لا يهمني ربط الأحزمة، أنا أحسب حسابًا آخر، فقد تسقط الطائرة، فأكون حرًا واقفز منها بلا عوائق». نظرت إليه كمجنون، لكنها مع الدهشة والاستغراب قالت له: «معك حق. من المؤلم أن يموت الإنسان مقيدًا».

هكذا كانت المقدمة الكاشفة للمستقبل، سواء في ولع سلوى بكتابة الشعر، أو المُنذرة بما سيحدث بعد عشر سنوات، من إسقاط الصهاينة للطائرة التي كانت عائدة بها من ليبيا.

ومع البحث ستعرف كيف لم يكن الفراق بعيدًا عن مشاعرها، فكانت تنتظره حين تتأمل العالم، وترى الموت صديقًا. وهنا يقفز السؤال هل كانت سلوى في انتظارها للموت واعية به بعقلها، أم جعلتها روحها من غير المتوافقين مع الحياة، رغم نجاحها في كل مجال. أولئك الذين نندهش من انجازاتهم، ثم تأتي النهاية لتفاجئنا أن ما كان خفيًا لم يكن عابرًا، ولا مجرد تأملات، لكنها الروح تبحث عن فضاء أوسع.

بعد البداية السريعة السابقة، والكاشفة عن اغتراب سلوى ورهافة روحها، يأتي الفصل المعنون بـ«عصفورة ماسبيرو» ليؤكد الشوق للحرية التي بلا حدود وفكرة الاغتراب. أعلى الفصل مقطع من قصيدة لها بترجمة كامل الشناوي تقول فيها:

«هذه الأضواء كم أكرهها

قيدت حريتي قيدًا عنيفًا

أبعدوها أبعدوها إنها

شبح يبدو لعيني مُخيفًا»

نبدأ بعدها مع المسيرة التي يأخذنا إليها المؤلف مع التليفزيون العربي بالقاهرة منذ عام 1960، وهو عام الإرسال الرسمي للتليفزيون في مصر. لكن كيف سيكون حقًا عمل هذه الفراشة الرقيقة؟

كانت سلوى من أوائل المتقدمين، وتمّ قبولها كما تنبأت لها العرافة يومًا بالشهرة، وكما تنبأت أيضًا بالنهاية ويخبرنا الكتاب بإيجاز عن هذه الواقعة. وكانت أُمّا لثلاثة أطفال رغم عمرها الصغير، إذ كانت في الرابعة والعشرين من عمرها، متزوجة من القاضي محمود الشريف، ووالدها أيضًا هو المستشار رضوان حجازي. لم تكمل تعليمها الجامعي ومتخرجة من مدرسة ليسيه الحرية. هل تفعل ذلك امرأة توفرت لها كل سبل الحياة، وصارت أمّا لديها ثلاثة أطفال، من أجل أي شيء غير الخروج من شرنقة روتين الحياة إلى فضاء أوسع؟

نمشي مع الأيام والأشهر الأولى في التجريب في العمل، وظهورها المؤقت لتعلن عن البرامج فقط، فلا برنامج لها بعد، ومن كان معها من المذيعات الجدد مثل ليلى رستم ونجوى إبراهيم وأماني ناشد، ومن ساعدها من رموز الإذاعة المصرية مثل تماضر توفيق أو سميرة الكيلاني، التي كانت تنصحها أن تلغي مشاعرها الشخصية أمام الكاميرات، لأنها كانت ترتبك، ومن ثم تقع في بعض الخطأ، وهذا يفسر لك الشعر الذي تقدم الفصل عن الأضواء، وإن كان البحث عن الحرية الأوسع هو المعنى الأكبر. وهكذا حتى قدمت برامج مهمة مثل «اختبر معلوماتك» عام 1962 الذي كان مثل قطعة الحلوى، وكانت هي تكتب شعرها بالفرنسية لا تنشره. كان هناك صراع بين حساسيتها وشعريتها من جهة، ورهابها من الضوء والقيود، التي بدأت تتراكم عليها بحكم دورها الإعلامي. كان كرهها للأضواء موضوعًا يدركه الجميع، حتى أنه سألها عنه بعض الصحفيين. كتبت قصيدة عن شخص مجهول اسمه «السيد إكس» يدير المذيعات كأنه سيد مطلق، يزمجر فيهم كالرعد، ويجرح كرامتهم أمام الجميع. ومن القصيدة:

«يمسك بهن

كدمى جميلة جدًا

يشدها بخيط تبعًا لهواه

يزمجر كالرعد

يجرح كرامة الفتيات الحسناوات

اللاتي كن مدللات» 

لهذا فكرتْ في الاستقالة أكثر من مرة، لكن قوبل طلبها بالرفض. لكن مستر إكس بالنسبة للغرباء كامن في كل مكان، فهذا العالم ليس مِلكنا، والآخرون هم الجحيم. من هنا يأتي الاغتراب الوجودي كما فسره جان بول سارتر.

نمشي مع أول رحلة لها إلى الخارج، التي كانت إلى يوغسلافيا كما أسلفتُ في أبريل عام 1963 مع وفد صحفي وإعلامي. استكشافها لشوارع يوغسلافيا وشعورها أنها تتحسس العالم كطفلة. تأملها للتماثيل والبيوت وما كتبته من شعر عن المدينة التي زارتها، وحلمها أن تقدم برنامجًا للأطفال يشبه برنامج «جنة الأطفال» الذي كانت تقدمه سميحة عبد الرحمن منذ عام 1960. حلمها بالروح الغائبة العفوية للطفولة. تأخر تنفيذ البرنامج فسجلت هي قصصًا للأطفال على أسطوانة بصوتها، ونشرت الصحف خبرًا عن كتاب سيصدر لها، به قصص مصورة للأطفال الأقل من ثمانية أعوام، ومعه أسطوانة مسموعة بصوتها للقصص ذاتها. إلى جانب ذلك حديث عن حواراتها التليفزيونية مع المشاهير مثل محمد عبد الوهاب وعبد الحليم ونجاة الصغير وبديع خيري في برنامج «سهرة الخميس». أحاديث مهمة في الكتاب عن الظروف التي أحاطت بكل حوار، وعن أهم القضايا التي أُثيرت فيه، تعكس بحثًا رائعًا لكريم الذي سنرى روعة بحثه دائمًا.  

في عام 1966، تغيّرت المعادلة لصالح سلوى داخل ماسبيرو. فرض غياب ليلى رستم عن الساحة الإعلامية حيث سافرت إلى بيروت، كثيرًا من الضغط عليها. فصارت النجمة الأولى. ورثت عن صديقتها ليلى رستم برنامج «نجمك المفضل»، وكان أشهر البرامج الحوارية. تغيّر اسم البرنامج إلى «أهلًا وسهلًا»، وخرجت سلوى من فخ المقارنة بليلي رستم. 

كان أحد لقاءاتها مع فيروز بعد زيارتها هي والأخوين رحباني إلى مصر عام 1966. كانت شائعات كثيرة عن شطب أغاني فيروز من الإذاعة المصرية، فكانت الدعوة للزيارة بمثابة نفي للشائعات. كيف وافقت فيروز علي الحوار بعد نقاش طويل معها ومع الأخوين رحباني وكيف تم الحوار، ولقائها مع نزار قباني بعد ذلك، حين مرّ على القاهرة قادمًا من مدريد إلى بيروت، وفيه أسئلة عن شعره، وكيف كانت شهرته، وقرأ نزار على الهواء مقاطع من شعره. 

وفي 1967، ظهر برنامجها «شريط تسجيل» فزادت أهمية حواراتها. ومن أجرأ لقاءاتها فيه لقاءها مع الشيخ أحمد حسن الباقوري، ويرى كريم جمال أن أهم الحلقات كانت حوارها مع السفير والمترجم السوري سامي الدروبي، ومعه في الجلسة صلاح عبد الصبور وصلاح جاهين. كان الحديث عن الترجمة، واللغة العربية بين الفصحى والعامية، وآرائهم المختلفة. عُرِض الحوار في مطلع فبراير عام 1969، وأحدث دويًا هائلًا، حتى أن الرئيس عبد الناصر حين زار جريدة «الأهرام» في نفس الشهر، ضحك مع صلاح جاهين وهو يقول له: «صعبت عليّ  في مناقشتك رغم طول لسانك»، فقال جاهين: «هي مبارزة غير متكافئة فالدروبي قاموس بحاله».

3

يحتل الشعر مساحة رائعة من الكتاب، بداية من فصل بعنوان «في عربة الشعراء». الشعر لا ينبت إلا من القلق، وقلقها لا يفارقها، والخيال دائمًا أمامها. وهذا العالم وراءه برزخ تبحث عنه الأرواح الغريبة.

caption

في رحلة القطار من القاهرة إلى الإسكندرية في 27 أكتوبر عام 1962 كانت تصاحب مجموعة من الشعراء لحضور فعاليات مهرجان الشعر الرابع. كان للمهرجان أهمية كبيرة، وأُقيمت منه ثلاث دورات سابقة في دمشق، وكانت هذه الدورة الأولي في مصر، بعد انتهاء الوحدة مع سوريا. 

نقرأ عن علاقتها بشعراء مثل صالح جودت، الذي أعطته مخطوط ديوانها الأول «ظلال وضوء» بالفرنسية ليقرأه، لمعرفته بالفرنسية. لم يكتب عن شعرها وقتها، لكن بعد وفاتها رثاها هي البلبل الصغير الذي زقزق على الشاشة في كتيب صغير عنها. بعد أن قرأ صالح جودت مخطوط الديوان الأول قال لها إنه شعر يستحق النشر، وأن يُترجم للعربية. يبحث كريم فيجد حواراتها توضح أن غير صالح جودت شجعها مثل نزار قباني، كذلك كتب عنها الصحفي الفلسطيني، عميد الإمام، عام 1962 في جريدة الجمهورية، ولم يكن جودت ولا أحمد رامي أو كامل الشناوي قد نقلوا شيئًا من شعرها إلى العربية بعد. كانت أيام ذلك المهرجان هي بداية سلوى الشعرية الحقيقية. بدأت المجلات والصحف تهتم بشعرها، فنشرت مثلًا مجلة «المصور» في أكتوبر 1962 قصيدتها «ناصر أخيرًا» التي ترجمها صالح جودت، والترجمة مهما كانت لا تمسك روح الشاعرة، ثم نشر ديوان «ظلال وضوء» بالفرنسية عام 1964 بمقدمة لأحمد رامي، ورسوم ليوسف فرنسيس بعد اقتراحها هي، ليكون الديوان غير تقليدي الإخراج. كما حصلت على الجائزة الكبرى في مسابقة أكاديمية الشعراء الفرنسية، وتم الاحتفال بها في الحادي عشر من يونيو 1964 في السفارة الفرنسية بالقاهرة، وفي نهاية الحفل أعلن جاك شاريرون، القنصل العام في فرنسا، منحها جائزتين ذهبيتين عن أشعارها. كان عام 1965 نقلة كبيرة في حياتها الشعرية. اشتركت في مسابقة في فرنسا نفسها للشعر، فازت فيها بالميدالية الفضية، وتم إدراج اسمها ضمن الشعراء العالميين.

بمناسبة الشعراء العالميين نقطع رحلة مع مَن أحبتهم منهم مثل فيكتور هوجو، حتى أنها ترجمت من شعره قصائد للعربية، وطلبت من الشاعر محمد إبراهيم أبو سنة الإشراف على ترجمتها، لمعرفته الكبيرة باللغة العربية. منها قصيدته عن حصار باريس التي جاءت في ديوان له، وهي عن أعوام 1870-1871 في فرنسا، وهنا شيء مما جاء فيها مثل:

«أيتها المدينة

سيجثو أمامك التاريخ

 نزيفك هو جمالك

موتك انتصار لك.. إلخ». 

وترجمت له قصيدة أخرى اسمها «أمواتنا»، وهي عن الذين دفعوا حياتهم ثمنًا للحرية. هوجو الذي دشن عصر الرومانتيكية في المسرح، والخروج على المألوف، وكسر قيود الدراما الكلاسيكية بحثًا عن حياة أكبر. كذلك أحبت بودلير، صاحب «أزهار الشر» والشاعر السوفييتي، يفيجيني يفتوشينكو، الذي زار القاهرة في أبريل 1967 والتقى بشعرائها، وكانت هي تعرف شعره من قبل. كذلك فريدريك شيلر ويوهان جوته. هؤلاء جميعًا صفحة رائعة من تجديد الشعر في العالم حقًا، لكن أيضًا صفحة من عدم التوافق مع ما حولهم، وهكذا التقت روحها بهم. كيف كتبت أيضًا باللغة العربية الفصحى، فمثلًا في رحلتها إلى بلجراد بيوغسلافيا عام 1963، كتبت على أوراق شركة الطيران قصيدة بعنوان «حنين» ومما جاء فيها:

«كلما ذهبتَ أنت إلى مكان

أصبح هو هدفي

 معبدي

العالم كله بلا نور إلا هو

العالم طويل شاحب بلا شمس

 خيوط السماء كلها تصاحبك…» 

وتنتهي القصيدة بقولها:

«لم تعد الأحلام تكفي

أريد الحياة» 

هكذا ترافقها الوحدة رغم ما ينتظرها من اتساع العالم في بلجراد.

caption

لكنها تخرج من هذه الوحدة كأنما تعلن لنفسها أن تعيش ما تستطيع من الحياة، فتكتب عام 1964 قصيدة باللغة العربية أيضًا بعنوان «رسالة إلى جونسون»، الذي كان رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، عن جرائم بلاده في حرب فيتنام، وطبعًا القصيدة في الكتاب. جاءت كارثة يونيو 1967 ولم تكمل ديوانها الثاني «أيام بلا نهاية» فجففت الهزيمة ينابيع الشعر، ولم تكتب سلوى سوى قصائد معدودة. من أهمها «شجرة المشمش» التي ترجمها صالح جودت، ونُشرت في مجلة «الجديد»، قبل أن يشملها ديوانها الثاني الذي سيترجمه عاطف محمد عبد المجيد. وكانت عن أحوال مصر والدهشة من قدرة مصر على البقاء رغم الرياح. مما جاء فيها:

«مرة أخرى تزدهرين يا شجرة المشمش

ياصديقة كل ربيع

كأن الشتاء لم يجففك

وكأن الزمان لم يرسم على خصرك التجاعيد

وكأن العواصف لم تلطم وجههك المرفوع الجبين

وكأن الناس لم تقذف بالحجارة أغصانك

المثقلة بالثمار

فكيف بربك تفعلين ؟!» 

4

نقطع رحلة مع باريس التي زارتها عام 1967 بعد هزيمة يونيو. ومع كسرة حياتها التي يطول فيها الحديث، وبينها تقفز دائمًا روحها المغتربة، والتي يتسع اغترابها ليكون عن العالم كله رغم أي جمال. يفتتحها كريم جمال بمقطع من قصيدة لها بترجمة عاطف محمد عبد المجيد تقول فيه:

«منذ يونيو الماضي

أنا كعصفورة

في قفص

لم تعد لديها رغبة

في الغناء» 

رغم ذلك ذهبت سلوى إلى باريس. فها هي أخيرًا مدينة الجن والملائكة كما قال طه حسين عنها. كانت مرافقة لأم كلثوم التي سافرت إلى هناك للغناء، من أجل جمع المال للمجهود الحربي. وهنا أحيلكم إلى رحلات أم كلثوم في باريس وغيرها الواردة في «أم كلثوم وسنوات المجهود الحربي».

caption

عرفت سلوى باريس من قبل، من الشعراء الفرنسيين الذين قرأت لهم. كانت هناك محاولات سابقة للسفر من التليفزيون إلى باريس، ووعود بها لكنها فشلت. ها هي باريس أخيرًا في نوفمبر عام 1967 حيث البرد والمطر. كيف رافقت أم كلثوم في كل تحركاتها، وكيف صارت العلاقة حميمة بينهما. زيارتها لمتحف اللوفر وحديقة التويلري وغيرها، وكيف صالحتها باريس على العالم، لكنه الصلح الذي يعطي الروح دفقة مؤقتة على هذا العالم. زيارة أخرى إلى بورسعيد وساحل القناة عام 1969، مَن كانوا معها مثل المخرج عواد مصطفى، والكاتب أحمد بهجت، ومَن قابلتهم من الناس. ما كتبته من شعر مثل قصيدة «الشاطئ الآخر» التي تصورها وهي أمام مدينة القنطرة غرب. تقول فيها:

«ونحن نقترب من الشاطئ الآخر

يمكن أن يكون أحلى وأجمل

وأصدق من أرض السراب هذه

حيث الناس يُقتلون ليلمسوا الحب.» 

بعد ذلك حديث واف عن استعادتها لحلم تكملة تعليمها، وبدء دراستها في معهد النقد الفني عام 1970. أجواء المعهد والأجواء حولها، وما فيها من طرائف أو منغصات وحوارات لها عن السينما، ثم تبدأ فصول الرحيل المؤلم.

5

هواجس سلوى من الموت قديمة، ظهرت في شعرها كما أسلفتُ. هي هواجس أصحاب الأرواح الكبرى المغتربين عن العالم، ففي ديوانها الثاني «أيام بلا نهاية» الصادر بالفرنسية عام 1970، وترجمه عاطف محمد عبد المجيد عام 2017  تقول في إحدى القصائد: 

«أحب أن أموت في هدوء

كشمعة

تلألأت طويلًا أخيرًا

كيوم انقضى

أود أن أموت كشمس تغيب

بدون ضجيج

أود أن أموت كما ابتلع البحر

دون وداع

بقايا شراع» 

وفي نفس الديوان، تقول في قصيدة «الغربان السوداء» 

«أعاني من الوسواس

أتنبأ بمستقبلي

اتوقعه مليئًا بالمصائب

ومُقدَّما عليه أبكي

أرى الموت محدقًا بي

بما يروي أن شقاء سيُولَدُ لي

لأن أحبابي ما زالوا أصغر

من أن يستطيعوا أن يعيشوا بمُفرِدهم» 

لقد شغلت هذه القصيدة عند نشرها بالفرنسية الأوساط الثقافية المهتمة بالشعر الغربي في مصر، وصارت هذه النزعة التشاؤمية محل نقاش حتى أن محرر مجلة «الجيل»، في العدد الصادر في عشرين فبراير 1964، سألها عنها وعن أشعارها في ذلك، وكانت إجابتها غير متوقعة من شابة في مقتبل عمرها حين قالت إن «شعور الإنسان أنه قد يموت في أي لحظة شعور محبط جدًا». إنه في الحقيقة شعور الغرباء غير المتوافقين مع المجتمع أو الحياة حولهم.

وفي قصيدة بعنوان «أموت ولا اتعذب»، نُشرت مترجمة من قِبل محمد طنطاوي في مجلة «الزهور» في أبريل عام 1973 تقول:

«لو الموت يأتي إلي بلطف

كأوراق ريح الخريف

تموت وتهوي لقاع القرار

بدون انتظار.» 

كتبت الصحف عن الرحلة المشؤومة إلى ليبيا عام 1973 وموت سلوى حجازي. قدّم كريم جمال أمثلة كثيرة منها. توقف عند أحد أعداد مجلة «صباح الخير»، به شهادات عظيمة ممَن عرفوها. منهم الصحفي والسيناريست، رؤوف توفيق، وكيف في لقاءاته بها كانت هناك تفاصيل صغيرة توضح استشرافها للموت. كيف في أحد اللقاءات برحلة القنطرة شرق رأت آثار النابالم الإسرائيلي على البيوت والأشجار فقالت له إن «الموت يلاحقها بأقنعة متنكرة، يطاردها في نومها وشِعرها ومشاهد عملها». أثارت مشاعرها نخلة صمدت وسط النابلم، هي التي تحب الشجر وكتبت عنه شعرًا. تفاصيل تلك الرحلة، ومنها مشاهد الكلاب وخوف مَن معها منها، وكيف وقفت وسط الكلاب ومشت وهم يتبعونها. لها قصيدة بعنوان «الكلاب المُدرَّبة» تصور فيها الكلاب المدربة، تنساق بلا عقل وراء صاحبها، ولا علاقة لها بالحرية. في نهاية القصيدة تقول: «لن أكون أبدًا كلبًا مُدرَّبًا».

في مطلع يناير عام 1973 كانت هناك معارك في الجولان، ووحدة ثلاثية بين مصر وليبيا وسوريا، «اتحاد الجمهوريات العربية»، وتفاصيل وأحداث سياسية كثيرة في مصر ذكرت شيئًا منها في البداية، كانت نجوى إبراهيم هي المُرشحة للسفر، لكن سلوى اتصلت بنجوى تستأذنها أن تتنازل لها عن الرحلة، كما سمع المؤلف في أحد أحاديث نجوى إبراهيم، كأنها تذهب بنفسها إلى النهاية. هكذا سافرت سلوى، ومعها وفد إعلامي كبير إلى طرابلس، منهم المخرج عواد مصطفى الذي يحظي بحديث كبير عنه في الكتاب، مخرجًا رائعًا وصديقًا لسلوى. ورأت  سلوى في الرحلة فرصة طيبة تتابع شمال إفريقيا. حديث عن مَن عاد معها في الموعد مثل عواد مصطفى فاستشهد معها، ومَن عاد قبله أو بعده فنجا، وعن الرحلة. حوارات مع سلوى نفسها هناك في جريدة مثل «البلاغ»، عن مصر وليبيا وعنها وعن الأمومة وأطفالها وغيرها، حتى عودتها في 21 فبراير 1973، وما جرى للطائرة من قوات الصهاينة التي كانت تحتل سيناء. لقد نشرت وثائق عبرية وأجنبية وطبعًا مصرية، توضح قصدية إسرائيل. تعرفوا على جثة سلوى حجازي من الصناديق التي جاءت من سيناء، وعُثر على جواز سفرها مع ما تبقى من الملابس. 

caption
caption

بعد الحادثة بعشرة أشهر، وقعت حرب أكتوبر، ونشرت مجلة «الكواكب» يوم 16 أكتوبر، على غلافها، صورة كبيرة لسلوى حجازى ضاحكة ضحكتها الدائمة، كأنها تبعث رسالة إلي كل مَن أحبوها ويحبونها، كأنها تقول عصفورة ماسبيرو لا تغيب، وهذه حقيقة. وهكذا ينتهي الكتاب الرائع الذي يعيد إلينا أجمل حدائق مرت بالبلاد رغم الآلام.

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
تيريسا بيبِه

“الأدب” يُحاكم في مصر

«في أغسطس 2014، وجد مواطن مصري يدعى هاني صالح توفيق مصادفة العدد رقم 1097 من جريدة أخبار الأدب الأسبوعية. أثناء قراءته لصفحات قسم "إبداع"، قال إنه…»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).