تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

الذبح على محراب الدولة المقدس (1)

علي الرجّال
7 دقيقة قراءة

الدولة في المواجهة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"مفيش حاجة اسمها نظام.. مفيش حاجة اسمها إسقاط النظام.. في حاجة اسمها دولة بمؤسساتها لها قائد واحد".. كانت هذه بعض مفردات خطاب جنرال مصر أمام قيادات الدولة المصرية، وبالأخص ما يسمى بـ "المؤسسات السيادية"؛ حيث كان يحضر هذا اللقاء كل من وزير الداخلية السابق محمد إبراهيم ووزير الدفاع. ولم تخلو كلمة من كلماته ولا خطبة من خطبه من مفردة "الدولة" وكتابها المقدس. فمنذ بداية صعوده إلى السلطة يحاول الرئيس محو الفجوة بين النظام السياسي والدولة وحتى الخطوط الفاصلة بينهما. هذه هي الخدعة الرئيسية والمناورة المركزية التي يحاول السيسي فرضها على الواقع المصري. والجنرال جاء تتويجًا لخطاب بدأ حربه منذ اليوم الأول للثورة: هيبة الدولة.

كانت اللحظة التاريخية لصعود السيسي ووصوله إلى الحكم ذروة الفزع الجماهيري من الناحية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، من احتمالية سقوط وتفكك الدولة. وهكذا تم الدفع به إلى الساحة المصرية كـ"سيد" قادر على وضع حد لحركة التاريخ، وهزيمة الثورة وقمع الإسلاميين والحفاظ على الدولة من الانهيار. وحملت موجة الـ 30 من يونيو بداخلها تيارًا واسعًا معاديًا للسياسة، وكان يطمح أن يخوض حربًا قوية من الناحية السياسية– بل وبشكل ثوري- لإنهاء السياسة في تناقض نادر الحدوث في التاريخ. فبعض البرجوازية وأبناء البيروقراطية المصرية، وبالأخص الشرائح المحافظة- وهي الأوسع داخل الجهاز- ومعها البيروقراطية الأمنية وقطاع من عائلاتهما، كانوا يطمحون منذ تفجر ثورة يناير 2011 في القضاء على السياسة والعودة للعالم يوم 24 يناير؛ حيث بدا كل شيء مستقر وتحت السيطرة، وشؤون هذه الطبقات في تحسن دائم، وسلطتهم الأبوية والذكورية والطبقية في استقرار وأمان، كما أن عوائدهم في ازدهار.

 السنوات الطويلة والرغبة في القمع

سطع نجم السيسي بعد سنوات أربع طويلة جدًا من الثورة والثورة المضادة، وعدم القدرة على الحسم، وإنهاك سياسي واجتماعي عنيف، الأخطر أن هذه السنوات شهدت طلبًا جماهيريًا حقيقيًا لعودة الدولة كي تمارس أقصى درجات القمع والبطش، حتى يتسنى لها أن توقف وتقطع الحركة اللانهائية التي تخللت المجتمع. وشيئًا فشيئًا كان الوضع في مصر ينذر بشيء أخطر من الثورة المضادة وما يصحبها من عنف، كان الهوس بالدولة في مرحلة مخاض وولادة عنيفة، لحظة تشابكت فيها أحلام الماضي (هوس وآمال الدولة الناصرية التي تحقق الكرامة والسيادة لشعبها بين الأمم، وتشيد التنمية بالداخل وتحقق قدرًا من العدالة الاجتماعية، وعلى رأس دولتها زعيم قوي لا يشق له غبار). مع أوجاع الحاضر (أربع سنوات من غياب أي دور حقيقي للدولة في ضبط الأمن والسوق أو تحسن نسبي للأوضاع). مع مرارة عصر مبارك؛ حيث ترهلت مؤسسات الدولة وضعفت، وسحقت أي أحلام أو آمال وطموحات بأي دور للدولة المصرية سواء في حياة المصريين أو في دور مصر الإقليمي والعالمي، في مقابل هذا كله لم يقدم مبارك شيئًا سوى وعد بضمان الاستقرار كي لا تسوء الأوضاع، ومن ثم استقرار أكبر لشبكات الانتفاع والمصالح والفساد وتوحش النيو ليبرالية. لقد كانت لحظة صعود السيسي هي لحظة الدولة وعودة هيمنتها بأي تكلفة. وبالإضافة إلى العوامل السابقة، استنفر الجسم الغريب على جسد الدولة (الإخوان المسلمون) سدنة الدولة المصرية وشحذ همم وطاقة بقية أعضاء الجسم لمواجهته ولفظه. وهو الأمر الذي ساعد- بشكل استثنائي- على إمكانية توحيد هذا الجهاز المترهل والمهزوم تحت قيادة واحدة ولهدف واحد وتحت أوضاع شديدة الخطورة؛ حيث صار الأمر صراعًا على البقاء والوجود بالمعنى الكامل للكلمة. توافرت كذلك عناصر إقليمية عدة بإرادة قوية للخلاص من الإخوان، ولم يكن هناك لاعب أفضل من الدولة لهذا الدور أيضًا، وأقول الدولة وليس فلول مبارك ورجاله السابقين، وذلك لأن مهمة الخلاص من الإخوان في هذا الوقت وإزاحة الإسلام السياسي بشكل عام مهمة لا يمكن أن تتسنى لخصم أضعف منه إيديولوجيًا وماديًا، بينما الدولة وما تحمل من قيم الوطنية بقيادة الجيش كانت الأجدر بأداء المهمة. وبالفعل ساعدت العوامل الإقليمية سواء دعم السعودية والخليج اللا محدود للدولة في مواجهة الإخوان، وظهور داعش وجماعات الإسلام المتطرف وتفجر المنطقة، وبالأخص أن سوريا والعراق وليبيا تحولت إلى أدوات قمع في الداخل المصري، من خلال استخدام رمزيتها وما تحمله تلك الأسماء في الواقع الراهن من التفكك والحرب الأهلية والتفجيرات وعدم الاستقرار وانهيار الدول.

تضافرت كل هذه الخطوط- السابق ذكرها- مع بعضها البعض في لحظة تاريخية نادرة الحدوث سمحت للدولة المصرية بالعودة كجهاز مادي وأسطورة ميتافزيقية وإيديولوجية. وكانت شروط الإنتاج وعلاقة الدولة بالرأسمالية في مصر لا تسمح بخروج قطاع من البرجوازية وأصحاب المال والأعمال خارج هذا التضافر والتلاحم والتماهي مع الدولة. فالدولة بشقيها الأمني والبيرواقرطي لها اليد العليا في عمليات الإنتاج والتوزيع والثروة. كما أن طبقة رجال الأعمال الأخيرة التي شكلت النيو ليبرالية في مصر، والتي عرفت بـ "رجال جمال مبارك"، لم تكن قد استطاعت الاستقلال عن البيروقراطية الأمنية ولا حتى السياسية داخل الحزب الوطني، وظلت على مسافة من الجيش وفي حالة تربص متبادل قبل وبعد الثورة. وبالفعل كان الفزع من الإخوان والانهيار العام شديد الوطأة بالشكل الذي دفع هذه الطبقة في مرحلة صعود السيسي لمزيد من التماهي معه ومع الدولة للخلاص من الإخوان المسلمين. وسرعان ما بدا أن الأمر تطور وأن المواجهة ستكون مسلحة وعنيفة وممتدة، وبالطبع كان هذا يعني مزيدًا من الالتصاق بالجيش والدولة على الرغم من أي تناقض حاد ومحتمل للمصالح. وقاد ضَعّف أدوات الإنتاج والبنية الاقتصادية المصرية- سواء التي تقع تحت يد الدولة أو الجيش، أو الواقعة تحت يد رجال الأعمال- أمران: الأول، ضعف الأطراف المختلفة من تكوين مواقف مستقلة عن الدولة في لحظة الاستثناء، وبالتالي لم تستطع هذه القوى محاولة إيجاد طرق أخرى مع طرح الدولة أو التعامل مع الدولة بمبدأ الشراكة، وسقطت بالكامل في فخ التبعية والتماهي– أو هرولت هي نفسها إلى الالتصاق بالدولة. الأمر الثاني: منع ضعف هذه البنية الاقتصادية وأدوات الإنتاج بها، واعتمادها على الريع والاقتصاد الخدمي والاقتصادي الخدمي غير الرسمي، تكوين فاشية قوية قادرة على الاستدامة والتطور. وانتهى الحال في الشارع المصري وداخل أبنية وأجهزة الدولة المختلفة بحالة تشنج وطني وجنون بمركزية الدولة. وتجلى هذا في خطاب تلك المؤسسات من القضاء إلى الداخلية إلى الجيش إلى الأزهر والكنيسة، وتجلى أيضًا داخل الوزارات المختلفة مثل: تقليد حرق الكتب بالمدارس التي حرصت عليه وزارة التربية والتعليم في العام الماضي، وتجلى شعبيًا في الهوس والاحتفاء بصور الجيش والوطنية المصرية والأغاني التي أنتجت على مدار العامين الماضيين مثل: بشرة خير وتسلم الأيادي، وكذلك الحلوى التي رسمت عليها صور السيسي وفوانيس رمضان. عبّر هذا الهوس عن نفسه بأشكال خطابية وممارسات وأشكال مادية شعبية مثل الحلوى واللوحات والملابس وحتى الملابس الداخلية. وتماهت هذه الموجة مع السيسي؛ حيث صار جسده ورمزيته في المجال العام أداة للصراع مع الخصوم (الإخوان وفي بعض الأحيان "شباب الثورة")، وهو أداة للتماهي مع السلطة وإعلان الولاء لها، وتعبير ورسم لمناطق النفوذ والتمدد كمحاولة لملء الفراغ المتسع في المجال العام، وهكذا احتلت الدولة المخيلة السياسية واحتل جسد السيسي وما يحمل من رمزيات المخيلة الشعبية، وبشكل مادي ورمزي الميادين والمقاهي وكل ما يتعلق بالمجال والمساحة العامة بشكل ممنهج أحيانًا وتطوعي أحيانًا أخرى من قبل الجمهور.

فاشية بلا فاشيين

على كل، أفْضَت حالة التشنج الوطني التي كان بطلها الجنرال إلى إنتاج وطنية بدائية. ولكنها لم تنتج فاشية حقيقية لغياب اقتصاد قادر على تحمل تكلفة الفاشية، ولغياب إيديولوجية متماسكة ومنظرين لها، ولعداء الدولة المصرية للجمهور وعدم ثقتها بهم. وحتى الآن لا يبدو أنها استطاعت إنتاج حكم عسكري شمولي، ولكن ما نراه يبدو أقرب إلى حالة عسكرية رثة تعتمد على تجييش بعض المشاعر من حين لآخر، وغير قادرة على فرض نمط عسكري مهيمن، ومن ثم إخضاع أدوات الإنتاج له، فضلًا عن غياب رؤية للهيمنة تكثف القوة والخطاب داخل الجيش، إلا أن النقطتين الأخريين- كما سنرى- يسعى السيسي لتحقيقهما. ولكن هذه الوطنية البدائية- بتعبير جورج أورويل- كانت الدولة في القلب منها وتجسدت في جسد السيسي، إلى الهوس النسائي والجنسي بالرجل، إلى الثقافي والسياسي؛ حيث تم تأطيره كرجل الضرورة ورجل المؤسسة العسكرية القوي الذي ينقذ البلاد من مؤامرة الإخوان العالمية. وذهب الشطط إلى أبعد من ذلك وأصبحت مهمة "استعادة مصر" ملحقة بالرجل ومعلقة عليه. وهي مهمة غامضة وضبابية وغرائبية أيضًا؛ حيث أي عاقل بإمكانه أن يسأل بالعامية "وهي مصر رايحة فين عشان يرجعها السيسي؟!". ولكن ما أكده كل أتباع المشير بكل تناقضاتهم، هو مكون الدولة في هذه المهمة (استعادة مصر). حيث الدولة هنا وسيلة وأداة وهدف وغاية في الوقت نفسه. أي أن أجهزة الدولة هي الأداة في استعادة الدولة، وكل ممارسة لهذه الدولة يكون الغرض منها تقوية وبناء الدولة. ولهذا لم يحمل السيسي أي مشروع سياسي لمصر، والرجل لم يعني نفسه بتقديم برنامج انتخابي به مشروع ما. فلا مشروع عنده ولا مهمة غير الدولة وإعادة بنائها. ولهذا أيضًا لم يعد نقد أداء الدولة مقبولًا ولو حتى من باب الزيف الديموقراطي، وكذلك أصيبت الدولة بحالة عصاب حول نفسها، وصارت قدرتها على القتل أعلى من أي وقت سبق في تاريخها، وهكذا صارت الدولة صاحبة ميل فاشي جامح دون فاشية حقيقية ومأطرة.

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
عبد العظيم حماد

مراجعات ينايرية

«نظامنا السياسي الحالي من إفراز يناير 2011، وإن كان في جوهره محاولة لتجديد نظام يوليو 1952»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).