تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

الديمقراطية على الطريقة الأمريكية: مفهوم الأمة الضائع بين الديمقراطيين والجمهوريين

محمود هدهود
13 دقيقة قراءة
الديمقراطية على الطريقة الأمريكية: مفهوم الأمة الضائع بين الديمقراطيين والجمهوريين

بعين نصف مغمضة، انتبهت إلى الإعلان الذي يجري بثه على الطائرة قبيل هبوطها في مطار «جي إف كي» بمدينة نيويورك الأمريكية. أكثر من عشر ساعات على متن الرحلة القادمة من القاهرة كانت كفيلة بإنهاك قواي الجسدية والذهنية إلى حد بعيد. مع ذلك، استوقفني الصوت الأنثوي الناطق بالعربية بشكل آلي، إذ ينطلق فور دخول الطائرة الأجواء الأمريكية. «باسم الشعب الأمريكي، نرحب بكم». «الشعب الأمريكي»؟ هل هناك شيء يمكن أن يوصف بهذا الوصف؟

***

عندما زار أليكسي دو توكفي الولايات المتحدة سنة 1831، كان المثقف الفرنسي مشغولًا بشيء واحد: كيف تمكنت تلك الأمة من بناء ديمقراطية تجمع المساواة بين المواطنين وحماية الحرية الفردية؟ رأي دو توكفي في العلاقة بين المساواة والحرية مكمن التوتر المحوري في الديمقراطيات الحديثة، ولم يغب عن باله أن أمه كانت قد نجت بصعوبة من مقصلة الديمقراطية الثورية في عهد الإرهاب بعد الثورة الفرنسية. دو توكفي أرستقراطي تراجيدي يدرك أن الزمن قد فات طبقته، وأن محاولات استعادته كما جرى في عهد الاستعادة الملكية في فرنسا (1815-1830)، أو حتى اختراع نظام متوازن يحفظ للأرستقراطية البائدة كينونتها، كما حدث في ظل حكم الملك الليبرالي لويس فيليب (1830-1848)، هي محاولات بائسة. علينا أن نتقبل حكم التاريخ بصدر رحب، وأن نتساءل فحسب، كيف يمكن أن نحمي الفرد من طغيان الأغلبية بعد أن تتحقق المساواة ويتحول الرعاع إلى مواطنين بإمكانهم سفك دماء الآخرين بدافع من الجهل أو التطرف؟

كان هذا التوتر حاضرًا بالتأكيد في قلب تأسيس الأمة الجديدة. في الأوراق الفيدرالية، وهي مجموعة مقالات كتبها ثلاثة من الآباء المؤسسين للأمة الأمريكية لإقناع المصوتين الأمريكيين بالدستور الأمريكي، الذي وضعه الآباء المؤسسون في ذلك الوقت، أكد ألكساندر هاميلتون على المراجعة القضائية للتشريعات المناقضة للدستور، كما عرض نظام المراجعة والتوازن checks and balances في بناء السلطات الأمريكية الثلاث كضامن ضد طغيان أحد فروع السلطة.

لكن قضية أخرى ظهرت في الأوراق الفيدرالية، ومنها اكتسبت تلك الأوراق اسمها، بل كانت الدافع وراء كتابة الدستور الأمريكي في ذلك الوقت، وهي قضية العلاقة بين الولايات والحكومة المركزية. ستتطور هذه القضية لاحقًا إلى طرح سؤال جوهري هو: هل هناك شعب أمريكي واحد متجانس عليه أن يحافظ على تجانسه وينفي عنه الغرباء؟ أم أن الولايات المتحدة هي اتحاد مجموعة من الأقليات ترى في اتحادها تحقيقًا لمصالح كل منها، وفي اختصامها خسارة للجميع؟

الولايات المتأرجحة، اللوبي الإسرائيلي، أصوات المسلمين في ميتشجان، الجنوب الإنجيلي المتشدد، سياسات الهوية، الرأسمالية الأمريكية، المجمع الانتخابي الذي يختار الرئيس خلف التصويت الشعبي، الانقسام بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي.. كل تلك الأبعاد المعقدة للسياسة الأمريكية لا يمكن فهمها خارج ذلك التوتر الكامن في الديمقراطية الأمريكية: ما هو الشعب الأمريكي؟

صراعات الرأسمالية المبكرة

بعد انتفاضة فلاحية في ماساشوستس سنة 1786، ظهر أن الحكومة المركزية آنذاك كانت عاجزة بحكم النظام الكونفدرالي القائم الذي يعطي الولايات استقلالًا واسعًا في التعامل مع المشكلات الاقتصادية التي تتسبب في اضطرابات اجتماعية من هذا النوع، وحتى عن امتلاك جيش يكفي لقمع تلك الانتفاضات، ما أظهر الحاجة إلى نظام جديد.

ظهر النظام الفيدرالي في ذلك الوقت ليعطي الحكومة المركزية سلطة واسعة على الولايات. واتفق الآباء المؤسسون للولايات المتحدة، أي تلك النخبة من المسؤولين والمثقفين والزعماء المحليين الذين وضعوا الدستور، على تمريره. إلا أن هذا النظام نفسه سيتحول إلى مثار خلاف بين الآباء المؤسسين، وسيتبلور الحزبان المتصارعان، للمفارقة، حول الشخصين اللذين كتبا الأوراق الفيدرالية معًا للحجاج عن الدستور الجديد، وهما ألكساندر هاميلتون وجيمس ماديسون.

كان هاميلتون، عراب النظام الفيدرالي ووزير الخزانة في إدارة جورج واشنطن، يمثل مصالح النخبة التجارية في شمال الولايات المتحدة، التي ترى من صالحها وجود حكومة مركزية قوية تدعم التجارة الحرة وتلغي السياسات الحمائية (الجمارك) بين الولايات المختلفة، وتصالح المملكة المتحدة، الشريك التجاري الأهم في هذا الوقت، وتفرض سياسة مالية موحدة للتحول صوب التصنيع.

في المقابل، برز توماس جيفرسون برفقة جيمس ماديسون كمدافعين عن مصالح كبار المزارعين في الولايات الجنوبية. يفضل هؤلاء سياسات جمركية متشددة لحماية أسعار محاصيلهم من المنافسة الأجنبية، كما أنهم لا يكنون مودة للمملكة المتحدة التي يرونها منافسًا لا شريكًا تجاريًا، ويرفضون السياسات المالية التوسعية لهاميلتون التي تطلبت فرض ضرائب مرتفعة عليهم. استخدم جيفرسون التقاليد الليبرالية التي كان مطلعًا عليها بشكل جيد لتبرير موقفه انطلاقًا من رفض الحكومة ذات الصلاحيات الواسعة باعتبارها تهديدًا للحريات الفردية، كما أنها تهدد المجتمعات الأمريكية الصغيرة التي تشكل مجالًا للاتحاد الجمهوري، حيث يشعر الأفراد بالانتماء إلى جماعة محلية، ويسعون إلى تحقيق الخير العام لتلك الجماعة.

إذن، لم تمثل الولايات المتحدة استثناءً بين الدول الرأسمالية الصاعدة في القرن التاسع عشر، حيث يدور الصراع بين النخب التجارية والصناعية المدينية (المصرف) والنخب الزراعية في الريف (المنجل)، تمامًا كما كان الحال في التناقض بين الجنوب الإيطالي الزراعي والشمال الصناعي، أو في حركة الاتحاد ضد قانون القمح في إنجلترا، وهو تناقض عبر عن غياب النضج الطبقي داخل جناح واسع من البرجوازية الصاعدة، وخاصة البرجوازية الريفية التي لم تكن واعية بحتمية تحولها الصناعي والمالي لاحقًا. كما عبر هذا التناقض عن غياب التمايز الطبقي الذي سينضج لاحقًا بين البرجوازية التجارية والصناعية من جهة، والعمال من جهة أخرى، فظهروا في ذلك الوقت في جبهة واحدة في مواجهة الريف.

إعادة تعريف الديمقراطية والجمهورية

تسيّد الحزب الجمهوري الديمقراطي الذي قاده توماس جيفرسون وجيمس ماديسون المشهد الأمريكي منذ عام 1800، بينما أخذ الحزب الفيدرالي في الاضمحلال، منذ نهاية عهد الرئيس الأمريكي الثاني جون آدامز. وبلغ الحزب الجمهوري الديمقراطي ذروة سيادته في عهد الرئيس الخامس جيمس مونرو. لكن عام 1829 شهد انشقاقًا في الحزب الجمهوري الديمقراطي بين تيار الرئيس السابع أندرو جاكسون الذي أسس الحزب الديمقراطي الذي عاش إلى اليوم، وتيار الرئيس السادس جون آدامز الابن الذي اجتمع في حزب الويج (كلمة من اللغة الجاليكية تعني الرعاة، نقلها الأمريكيون من إنجلترا، حيث استخدمت لوصف الليبراليين الإنجليز).

تمسك الحزب الديمقراطي بالتقاليد الجيفرسونية الموروثة عن المؤسس، بينما ركز الويج على حماية الملكية الخاصة ودعم النمو الاقتصادي للولايات المتحدة، معبرًا بذلك عن النضج الطبقي للبرجوازية الأمريكية وإدراكها وحدة المصير الرأسمالي. ولا عجب في أن مؤسس الويج هو الرئيس الخامس جون آدمز الابن، نجل الرئيس الثاني الذي يحمل نفس الاسم، وهو الذي كان زعيمًا للحزب الفيدرالي ممثل البرجوازية التجارية والصناعية الناشئة في الشمال.

تبلور الصراع بين الحزبين لاحقًا حول قضية الموقف من العبودية، حيث تمسك الحزب الديمقراطي بنظام العبودية خاصة في الولايات الجنوبية (يستخدم المؤرخ الإيطالي دومينيك لوزيردو تلك الواقعة التاريخية في كتابة تاريخ بديل لليبرالية، إذ أن موقف ليبراليي الحزب الديمقراطي كجون كالهون الذي كان نائبًا لجون آدامز، ثم لأندرو جاكسون في الدفاع المستميت عن العبودية، يكشف عن محدودية الليبرالية كأيديولوجية تاريخية وارتباطها بحقوق الفرد البرجوازي الأبيض، لا بأولوية الحق الفردي الإنساني المطلق كما تقدم نفسها). في المقابل، حاول حزب الويج تمرير نوع من الإلغاء التدريجي للنظام العبودي، لكن تردد الحزب وقبوله بالتسويات المتتالية، أدى إلى انشقاق أبراهام لينكولن وتأسيسه الحزب الجمهوري الذي تبنى إلغاء العبودية.

لم يكن إلغاء العبودية موقفًا حقوقيًا إنسانيًا من مجموعة من الليبراليين الصادقين، بقدر ما مثل وعيًا تاريخيًا لدى شريحة من البرجوازية بضرورة تجاوز هذا النظام إذا ما كان للرأسمالية أن تواصل نموها. فقد مثلت العبودية خزانًا لطاقة العمل المطلوبة للاقتصاد الزراعي الريفي المنغلق على نفسه، وهو الذي يمتص في الوقت نفسه أرباح الشمال عبر نوع مما يسمى حديثًا بقوقعة الأسعار، أي وضع أسعار مرتفعة على المحاصيل التي لا يكلف إنتاجها كثيرًا في ظل استخدام العبيد. وفي الوقت نفسه، فإن الطاقة الشرائية المتواضعة لهؤلاء العبيد لا تعوض اقتصاد المدن الذي تستنزفه أسعار المحاصيل الزراعية بسوق للسلع المصنعة في المدينة. تسبب العبودية أيضًا في حرمان الرأسمالية الصناعية الناشئة من جيش عمل احتياطي من شأن دخوله إلى سوق العمل أن يخفض أجور العمال، بينما يزيد الطلب على السلع حيث يتحول السود إلى عمال ومستهلكين في الوقت نفسه (يصور فيلم «عصابات نيويورك» لمارتن سكورسيزي ما ترتب على ذلك من تناقضات بين العمال الأيرلنديين المهاجرين والمستوطنين البريطانيين القدامى في ضاحية فايف بوينتس في مانهاتن، وعداء الطرفين للسود باعتبارهم منافسين جدد لهم على العمل).

على كل حال، يمكن من تلك اللحظة أن نرى تعريفًا جديدًا للديمقراطية والجمهورية عند كل من الحزبين. تعني الديمقراطية بالنسبة للحزب الديمقراطي نوعًا من الحكم الذاتي للمجموعات السكانية على تنوعها، باعتبار أن ذلك يمثل نوعًا من التعددية في مواجهة الحكومة المركزية التي يجب الحد من تدخلها في الشؤون الداخلية لتلك المجموعات السكانية المتنوعة. في المقابل، تعني الجمهورية بالنسبة للحزب الجمهوري أن هناك نوعًا من الأمة الأمريكية الموحدة التي يجب أن تخضع لحكومة أمريكية مركزية قوية تضمن تجانس المجموعات السكانية المختلفة ضمن إطار موحد.

إن هذا التعريف المبدئي قد يبدو متعسفًا أو نظريًا، لكن التتبع التاريخي سيكشف عن أن هاتين الرؤيتين هما المحددان الرئيسيان لتقلبات الحزبين على مدى العقود التالية بعد الحرب الأهلية.

من الدفاع عن العبودية إلى سياسات الهوية

كان الحزب الديمقراطي هو ممثل النخبة الأمريكية البيضاء في الجنوب خلال الحرب الأهلية كما رأينا، بينما مثّل الحزب الجمهوري النخبة التقدمية الشمالية بجانب قاعدة شعبية واسعة من السود الذين لعب الحزب دورًا حاسمًا في تحريرهم من العبودية. استمرت سيادة الحزب الجمهوري على المشهد السياسي الأمريكي إلى سنة 1933، التي شهدت تولي الديمقراطي فرانكلين روزفلت رئاسة الولايات المتحدة على خلفية أزمة الكساد العظيم التي أنهت سنوات الهيمنة الجمهورية.

طرح روزفلت كما هو معروف حزمة الإصلاحات المعروفة بـ«الصفقة الجديدة New Deal»، والتي تركزت على رفع الضرائب على كبار الرأسماليين لتمويل الأمن الاجتماعي للطبقات الفقيرة والمتوسطة. خلقت سياسات روزفلت تحالفًا من اليمين في الحزبين الديمقراطي والجمهوري كليهما، بينما التفت حوله الأقليات بجانب الطبقة الوسطى الأمريكية البيضاء، وتحول الحزب الديمقراطي من حزب للنخبة الجنوبية إلى حزب للتيار الرئيسي في المجتمع الأمريكي.

خلال الخمسينيات والستينيات، انتقل قطاع واسع من النخبة الأمريكية الرأسمالية إلى الحزب الجمهوري، ولكن ظل السؤال هو كيف يمكن للحزب الجمهوري بناء قاعدة شعبية في مواجهة الالتفاف الشعبي حول الصفقة الجديدة. جاءت الفرصة عندما طرح جون كينيدي برنامجه المُسمى «التخوم الجديدة»، وأعاد نائبه ليندون جونسون تأكيده تحت شعار المجتمع العظيم. بدت الإدارة الديمقراطية في هذين البرنامجين وكأنها تطالب الأمريكي المتوسط، أو «جو العادي» كما يقال في الثقافة الأمريكية، أي ذلك الشخص البسيط الذي لا يمتلك ميزات كبيرة، بالتضحية وتحمل الضرائب المرتفعة في سبيل الخدمات الاجتماعية التي تقدمها الدولة للأقليات والإنفاق العسكري الكبير الموجه للحرب في فيتنام. نجحت حملة نيكسون سنة 1969 في استغلال تلك الفرصة، وتجاوز الخطاب اليميني المتطرف لباري جولدووتر، المرشح الجمهوري الذي خسر الانتخابات السابقة سنة 1964.

كان الطرح الذي تبناه اليمين الجديد في الحزب الجمهوري بسيطًا، وهو الاصطفاف مع الأمريكي العادي في مواجهة الحزب الديمقراطي الذي تحول إلى حزب الأقليات. على مدى نحو 24 سنة، لم يجلس ديمقراطي في البيت الأبيض سوى لأربع سنوات فقط هي مدة ولاية جيمي كارتر. حتى مع العودة القوية للحزب الديمقراطي على يد بيل كلينتون، فإن نجاح الحزب الديمقراطي في مصالحة الطبقة الوسطى الأمريكية ظل مشروطًا بالتزامين أساسيين، هو بقاء صفته كحزب الأقليات في الولايات المتحدة، واستمالته الرأسمالية الأمريكية عبر الالتزام بحزمة الإصلاحات النيوليبرالية التي فرضها رونالد ريجان، ولم يجرؤ على تغييرها باراك أوباما رغم الأزمة المالية العالمية في 2008.

السؤال هنا: كيف نرسم خطًا واصلًا بين الحزب الجمهوري محرر العبيد والحزب الجمهوري ممثل النخبة الرأسمالية البيضاء في جنوب ووسط الولايات المتحدة؟ وكيف نرسم خطًا واصلًا كذلك بين الحزب الديمقراطي ممثل النخبة الرأسمالية البيضاء في الولايات الجنوبية والحزب الديمقراطي ممثل الأقليات؟

علينا أن نعود هنا إلى تعريفي الديمقراطية والجمهورانية اللذين افترضناهما لتفسير حالتي الحزبين. ففي حالة الحزب الديمقراطي، عنت الديمقراطية القبول بالاختلاف الأصيل في المجتمع الأمريكي، وهو ما تمسك به الحزب في أطواره الثلاثة: في تاريخه المبكر، عندما تبنى حق النخبة الجنوبية في التمسك بنظام العبودية الذي يخدم مصالحها، حتى وإن اختلفت في ذلك مع المركز الفيدرالي، وعندما طرح الصفقة الجديدة، والتي لم تكن برنامجًا لتعزيز تجانس الشعب الأمريكي وإنما برنامج يخدم مصالح المجموعات العرقية المختلفة المكونة للشعب الأمريكي بما في ذلك الطبقة الوسطى البيضاء، وأخيرًا في طوره الجاري، حيث يطرح الحزب الديمقراطي نفسه كحزب يتبنى سياسات الهوية التي تعزز الهويات المتمايزة للمجموعات السكانية المختلفة، بينما تحاول أن تخدم مصالحها الاقتصادية في الوقت نفسه، وهو ما يخلق برنامجًا تجتمع عليه الأقليات الملونة المختلفة، مع قطاع واسع من نساء الطبقة الوسطى البيضاء ومتعلميها.

في المقابل، كان الحزب الجمهوري يفترض دومًا إمكانية خلق أمة أمريكية متجانسة. حاول الحزب في البداية أن يؤسس ذلك عبر استراتيجية الدمج الجمهورانية التي نرى محاولات لفرضها في فرنسا مثلًا مع الأقليات العربية والإفريقية في ضواحي باريس، أي محاولة استيعاب الأقليات في الأمة، ولكن على أساس الامتثال الثقافي للأقلية بحيث تبدو كجزء من الأمة الموحدة المتجانسة. لكن جنوح الحزب الجمهوري يمينًا في ظل الصراع مع الصفقة الجديدة جعله يعيد تعريف الأمة الأمريكية ليحصرها في الأمريكي الأبيض المتوسط الذي يسكن الولايات الجنوبية والوسطى، ولا يقدم وعودًا كبيرة للأقليات، اللهم إلا تلك الأقليات التي قد تلتقي مصالحها مع مصالح الأمريكيين البيض كما قد يبدو في حالة المهاجرين الكوبيين في ولاية فلوريدا الذين يرون أن سياسات الجمهوريين المتشددة ضد النظام الكوبي تخدم مصالحهم.

تناقضات الديمقراطية الأمريكية

لا يتم انتخاب الرئيس الأمريكي مباشرة كما أصبح معروفًا لأغلب المتابعين. يصوت الأمريكيون في صناديق الاقتراع، ليحددوا خيارات مندوبي الولايات الذين يجتمعون في المجمع الانتخابي ليختاروا الرئيس ونائبه. وهم إذ يقومون بذلك، يقومون به كمندوبين للولايات لا كممثلين لدوائر السكان (باستثناء ولايتي نيفادا وماين)، أي أن كل مندوب لا يعبر عن دائرة انتخابية، وإنما كل مندوبي الولاية يعطون صوتهم للمرشح الذي فاز بالولاية. هكذا مثلًا فاز بوش الابن على آل جور سنة 2000 رغم تقدم الأخير في التصويت الشعبي. تكرر الأمر نفسه سنة 2016 في فوز دونالد ترامب على هيلاري كلينتون.

إن فكرة المجمع الانتخابي هي نفسها معبر رئيسي عن ذلك التناقض العميق الكامن في قلب الولايات المتحدة بين مفهوم الأمة الواحدة المتجانسة، ومفهوم الاتحاد الديمقراطي للولايات أو المجموعات السكانية. 

اليوم، يصوت أغلبية اليهود الأمريكيين (7.5 مليون نسمة) للحزب الديمقراطي، ويصوت أغلبية العرب والمسلمين (3.5 مليون نسمة) في الولايات المتحدة للحزب نفسه أيضًا. يرى كلاهما في الحزب الديمقراطي حزب الأقليات الذي يحترم اختلافهما، ويرون أن عليه أن يرضي مصالحهما الاقتصادية والسياسية معًا قدر الإمكان. يستجيب الحزب الديمقراطي لضغوط اللوبي الإسرائيلي في خدمة المصالح الإسرائيلية، رغم تمسكه بحل الدولتين فيما يخص القضية الفلسطينية وبنهج أقل عنفًا تجاه إيران، فهو الحزب الهجين الذي لا يميل إلى حصر الولايات المتحدة في إطار واحد، إلا إذا كان التنوع هو ذلك الإطار.

يقدم الحزب الديمقراطي كذلك برنامجًا هجينًا على المستوى الاقتصادي، فهو يحافظ على مصالح الرأسمالية الأمريكية عبر سقف ضريبي ليس مرتفعًا، لكنه في الوقت نفسه يطرح حزمة من السياسات الاجتماعية التي تستهدف خفض أسعار المنازل والغذاء. يدرك الحزب الديمقراطي بالتأكيد أنه يخسر شريحة واسعة من دعم الرأسمالية الأمريكية بمجرد التلويح بضرائب أعلى، لكنه يعلم أنه يعوض ذلك من خلال دعم متعلمي الطبقة الوسطى وشريحة ليست ضيقة من الرأسمالية الأمريكية تفهم أن التضحية ببعض الضرائب ضرورة للحفاظ على توازنات اقتصادية واجتماعية مهمة في الولايات المتحدة، قد يؤدي العبث بها إلى أضرار اقتصادية أكبر، كخسارة السوق الواسع من المستهلكين الأمريكيين الذين يملكون قدرة شرائية معقولة.

يراهن الحزب الجمهوري في المقابل على الأمريكي الأبيض الغاضب من توازنات الديمقراطيين، حيث يرى نفسه المكون الأساسي والأصيل إن لم يكن الوحيد للشعب الأمريكي، ولذلك فهو يستحق معاملة تفضيلية، وعندما يحصل عليها من مرشح ديمقراطي أكثر يمينية كجو بايدن، فهو مستعد لأن يصوت له، وهو ما حدث في 2020 عندما صوتت العديد من الولايات المتأرجحة، حيث تسكن أغلبية بيضاء، لصالح جو بايدن.

كان الحزب الجمهوري أكثر انفتاحًا في الماضي على استيعاب الشرائح العليا من كل مجموعة من المجموعات السكانية ضمن مقولة الأمة الأمريكية، لكن نجاح ترامب في التقاط الغضب الأمريكي الأبيض بعد الأزمة المالية العالمية، خلق شرخًا عميقًا في الحزب، دفعه إلى الارتهان بسياسات دونالد ترامب العفوية والمبتذلة خوفًا من انشقاق الحزب، وهو ما حول الحزب الجمهوري إلى حزب شعبوي يميني يتغذى على شماعة الأقليات والمهاجرين ولحظات الغضب من المؤسسة الأمريكية الحاكمة التي قد يعانيها الأمريكي الأبيض أحيانًا.

عبر عدسة الديمقراطية الليبرالية للحزب الديمقراطي والديمقراطية الجمهورانية للحزب الجمهوري، يمكننا أن نستوعب تقلبات الحزبين عبر تاريخهما، وانزلاقات المجموعات العرقية والطبقية المستمرة بين الحزبين، وقدرة كل من الحزبين على المناورة في إعادة تعريفه للأمة الأمريكية، أو بالأحرى تعريف مستويات الاختلاف والتجانس المقبولة في هذه الأمة.

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
مارينا كالكولي

تفاهة التطبيع (1-3)

«تُفكك مارينا كالكولي مفهوم التطبيع استنادًا إلى نظرية «الأمننة»»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).