تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

الترابي الجدلي.. في الحياة وفي الممات

رجا العباسي
3 دقيقة قراءة

"ملعون في دين الرحمن..
من يسجن شعباً.. من يخنق فكراً..
من يرفع سوطاً.. من يُسكت رأياً.. من يبني سجناً..
من يرفع رايات الطغيان..
ملعون في كل الأديان..
من يُهدر حق الإنسان..
حتى لو صلّى أو زكّى وعاش العُمرَ مع القرآن"
- جمال الدين الأفغاني

مات الترابي -الشيخ حسن كما درج حواريوه بمنادته، أو الدكتور حسن عبدالله الترابي أحد فلاسفة القرن العشرين وأشهر عرًاب للإخوان المسلمين في الخمسين سنة الماضية.

كان الرجل متعلمًا ومثقفًا. تخرج في أفضل الجامعات وأشهرها: الخرطوم والسوربون.

عند معرفة خبر موته، بدأ سجالًا بين السودانيين حول: هل نفرح لموت ظالم، أم نحزن لأن الأصول تقول يجب الحزن على الميت -أيًا ما كان؟

لم أجد نفسي مع أي من طرفي السجال. ببساطة، لأني لست سعيدة بموت الترابي. فهناك قضايا حق كثيرة لا تزال بانتظار حسمها ضد الرجل. كما أني في الوقت نفسه لم أشعر بحزن لذهابه للعزيز المقتدر. فالموت هو سبيل الأولين والآخرين. وفي حالة الترابي كان نتيجة لعوامل طبيعية كثيرة لم يكن القصاص أحدها.

كنت في الرابعة عشر من عمري عندما سمعت لأول مرة مصطلح "براجماتية"، وحاول الشخص الذي استخدم المصطلح أن يشرحه لي. ووقتها جاء في عقلي الترابي -لا أدري حتى اللحظة لماذا- وقلت لمحدثي: هل يمكن أن نعتبر الترابي براجماتي؟ فجاءت الإجابة: نعم.. من وقتها والترابي يُثَبِّت معنى هذا المصطلح في ذهني.

رحلته الأخيرة في تغيير معالم بلدي ومفاهيم أهله بدأت في مطلع الثمانينيات، في شهر سبتمبر من العام 1983 تحديدًا، ومن حيث لا ندري، ظهر "الشيخ حسن" بجانب النميري لتظهر لنا معه قوانين عُرفت بـ "قوانين الشريعة". وهي لعمري ليست كذلك. لأنها، ومنذ اليوم الأول، أخذت مسلك: "إذا سرق منهم الشريف تركوه …"

كان "الشيخ حسن" مسئولًا، بشكل مباشر أو غير مباشر عبر "حوارييه"، عن فتح أبواب بلدنا الآمن لكل المطلوبيين في جرائم إرهاب (إرهابًا حقيقيًا وليس مجازًا أو كيديًا) ليدخلوا ويستقروا ويأمنوا. لا بل ويتحصلوا على وثائق سفر دبلوماسية تسهّل تحركاتهم: أسامة بن لادن، أيمن الظواهري، راشد الغنّوشي وغيرهم كثر. ففي الفترة من بداية التسعينيات وحتى منتصفها. كان السودان هو نقطة البداية للدولة الحلم للإسلاميين المتشددين. ودفع أهله ثمنًا غاليًا لرعاية ذلك الحلم. لا أقصد فقط العقوبات التي طالت الفقراء قبل الأغنياء. بل والموت الذي زار تقريبا كل بيت في السودان. موت أخذ صبيتنا اليافعين الذين كانوا وقودًا لحرب جهادية لم يسعوا إليها.  حرب بدأت بمباركة الشيخ الفيلسوف. وهي الحرب التي أتت ببدعة "عرس الشهيد". حيث حُرِّم على الأهل تلقي العزاء، بل وتم استبداله بعرس لابنهم الذي كانوا يحضّرونه لدخول الجامعة.

مات الشيخ بالأمس، وتم دفنه في مكان معلوم وبتشييع عدد معلوم. أما في عام 1990، وبعد عام من الانقلاب الذي قاده الترابي، ووضع عمر البشير في الحكم، فتم إعدام 28 ضابطًا لا زالت أسرهم تطالب حتى اللحظة بمعرفة مكان دفنهم.

ما فعله الترابي باختصار. هو تغيير لتاريخ وجغرافيا السودان وذلك عبر إتيانه بأفكار دخيلة على مجتمع متدين ومتسامح بالفعل. فلم يكن السودان قبل "الترابي" من دول الكفر التي يؤمن ومن تبعه بتغييرها. ولم تكن عاداتنا ولا تقاليدنا تدعو للعنف وامتهان كرامة الإنسان لمجرد الاختلاف. ولم نكن نخض حربًا جهادية حتى ظهر الرجل.

مات الرجل.. نعم. ولكن فكره المستورد الخرب، وتلاميذه غير النجباء لا زالوا يحكمون.

و.. "ملعون في دين الرحمن.. من يسجن شعباً.. من يخنق فكراً.. من يرفع سوطاً.. من يُسكت رأياً.. من يبني سجناً".

عن الكاتب

رجا العباسي

رجا العباسي هي صحفية سودانية من مواليد أم درمان. تخرجت في كلية الاقتصاد جامعة القاهرة عام 1991، عملت في برنامج الأمم المتحدة للمتطوعين لمدة عام. ثم اتجهت للعمل في الصحافة.…

آراء أخرى

رأي
شوقي عبد العظيم العماري، ومحمد عبد العزيز، ورشا عوض، وعلي الدالي، وعثمان فضل الله، وأحمد قجه، ومحمد لطيف، ومحمد ناجي، وكمال الصادق، وفيصل محمد صالح.

نداء من صحفيين سودانيين للمجتمع الدولي

«نحن -الصحفيون السودانيون- ندعو المجتمع الدولي إلى بذل كل الجهود الممكنة لدعم زملائنا الذين يغطون الحرب في السودان. تتوارى الحرب في السودان عن أنظار العالم، وإن…»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).