تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

الاستخدام المفرط للعبط

باسم زكريا السمرجي
7 دقيقة قراءة

مشهد ١: تتحضر قاعة المؤتمرات الكبرى للمؤتمر الصحفي العالمي الذي سيتم الإعلان فيه عن الكشف العلمي الجديد الذي توصل إليه الفريق العلمي الذي شكّله الرئيس المصري في ذلك الحين، الدكتور محمد مرسي. يصعد إلى المنصة رجل ذو لحية خفيفة وجبهة يتضح فيها أثر السجود ليعرّف نفسه على أنه الدكتور إبراهيم عبد العاطي ويبدأ باسم الله والثناء عليه وشكر سيادة الرئيس على الدعم والمعونة والإلهام. ثم ينطلق في سرد تفاصيل الكشف العلمي الذي توصل إليه والذي بمقتضاه توصل إلى اختراع جهاز يستطيع أن يعالج الإيدز وفيروس سي – وبالتالي جميع الفيروسات – بنسبة نجاح ١٠٠٪ في ساعات معدودة، هكذا دون أن يعرض نتائج تجارب أو أوراق بحثية، أو أي شيء من ذلك القبيل. ليس ذلك فحسب، بل إن السيد الدكتور إبراهيم عبد العاطي اختار أن يعرض – في المؤتمر العلمي العالمي – طريقة عمل الجهاز بأن يعلن على الملأ أنه سيستخرج الفيروس من المريض ليحوّله إلى "صباع كفتة" يتغذى عليه المريض، فتنفجر القاعة بالتصفيق.

تنفجر بعد ذلك وسائل التواصل الاجتماعي بالسخرية من الأمر برمته، الذي يبدو وكأنه مزحة ثقيلة الظل لا تمت للعلم ولا للعقل ولا للزمن بصلة. ويقوم البعض بمجهود بحثي بسيط ليكتشفوا حقيقة الدكتور إبراهيم الذي يتضح أنه مجرد معالج بالأعشاب استطاع أن يحتال على مؤسسة الرئاسة ويقنعهم أنه من العلماء ويستقبل كل ذلك الدعم وكل ذلك التشجيع والإلهام. على الناحية الأخرى تشن القنوات الإعلامية حملة شعواء على الساخرين والمتشككين وتصفهم بالعمالة للثورة المضادة والعداء لكل ماهو إسلامي.

مشهد ٢: بعد تحول الدكتور محمد مرسي من الرئيس إلى الرئيس المعزول وبعد إطاحة جماعة الإخوان المسلمين عن الحكم، تتحضر قاعة المؤتمرات الكبرى للمؤتمر الصحفي للمشير عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع المصري والذي سيتناول فيه أهم المستجدات على الساحة السياسية. ينطلق الفريق السيسي في طمأنة الشعب المصري والتأكيد على أنه – أي الشعب – هو "نور عين" سيادة المشير ومؤسسة القوات المسلحة بأكملها. ثم يمضي قدما ليؤكد أنه يفضل أن يموت على أن يُمس فرد من الشعب بسوء. ينتقل بعد ذلك سيادة المشير - وهو وإن كان وزير الدفاع فالجميع ينزله منزلة الحاكم الفعلي للبلاد والبطل المنقذ والرئيس المنتظر- ليتناول المشكلات التي تؤرق المواطن المصري كالانقلات الأمني ويعزوها إلى "واحد اسمه فودة في المنصورة وعاشور في الشرقية يأجرون البلطجية"، فتنفجر القاعة بالتصفيق.

تنفجر بعد ذلك وسائل التواصل الاجتماعي بالسخرية من حديث وزير الدفاع والذي بدا أشبه بحديث المصاطب. يحدث ذلك بينما تطالب القنوات الإعلامية المؤيدة للمشير السيسي جموع الشعب المصري بتسليم كل من يحمل اسم فودة أو عاشور ومر على المنصورة أو الشرقية إلى قوات الأمن. وينتشر على موقع اليوتيوب فيديو للمواطن عاشور محمد عبد العزيز من القليوبية الذي يتبرّأ من اسمه حبا في مصر وحبا في المشير عبد الفتاح السيسي. لم يكن تبرأ عاشور من اسمه تبرّأ شفهيا فحسب. بل راح يمزق بطاقة هويته أمام الكاميرات صائحا أنه لا يشرفه أن يحمل اسما يحمله أحد الخونة. تدور بعض الشائعات أن عاشور اختار لنفسه اسم إيمان بديلا عن اسمه الأصلي لكن لا شيء مؤكد حتى الآن.

***

السؤال هنا، هل إجراء بعض التباديل بين تفاصيل المشهدين ستغير من النتيجة في شيء؟ هل سيتغير شيء إن كان المشهد الأول هو ما حدث بعد عزل مرسي بينما حدث المشهد الثاني قبل العزل؟ هل سيتغير شيء إن حصل الدكتور إبراهيم عبد العاطي على رتبة اللواء وحلق لحيته ووجه شكره للمشير عبد الفتاح السيسي بدلا من الرئيس المعزول محمد مرسي؟ هل سيتغير شيء إن كان مندوب جماعة الإخوان المسلمين في قصر الرئاسة الذي لم يكن معزولا وقتها هو من تحدث حديث المصاطب عن عاشور وفودة وليس المشير السيسي؟ إن ظل المشهدان على حالهما أو إن أجرينا التغييرات المقترحة فستظل النتيجة واحدة، نحن نحيا أزهى عصور الهيستيريا. وبعد أن كانت تهمة نظام مبارك الأساسية الاستخدام المفرط للغباء نستطيع أن نتهم نظام الإخوان ومن بعده النظام الحالي بالاستخدام المفرط "للعبط" وهو أمر جاد وخطير ولا يمكن أن يقتصر تعاملنا معه على السخرية.

صحيح أن النظام الحالي لا يقل خيانة للثورة عن الإخوان المسلمين بل ربما يزيد، خاصة فيما يخص الممارسات القمعية غير أن تلك الممارسات القمعية تفتقد التأطير العقلاني لها شيئا فشيئا. فمنذ اللحظة الأولى لإعلان نظام ٣٠ يونيوعن نفسه في ٣ يوليو والجميع يعلم تمام العلم أن ذلك النظام تأسس لينجز مهمة رئيسية وهي المواجهة الأمنية مع جماعة الإخوان المسلمين دفاعا عن الدولة التي أرادت لها الجماعة أن تكون جزءا من الطائفة.

رغم ذلك، ورغم عدم اتساق العقلية الأمنية مع مبادئ الثورة فقد أحجم الكثير من المنتمين للثورة عن المواجهة الشرسة مع هذا النظام منذ البداية لأن الإخوان باتوا يشكلون خطرا على الدولة ككيان وكحاضر وليس فقط خطرا على الثورة كفكرة وكمستقبل لذلك كانت إزاحتهم ضرورة. حتى وإن كانت تلك الإزاحة ستتضمن خيانة للثورة فهي على الأقل ستتضمن انقاذًا للدولة ككيان تستطيع الثورة بعد ذلك أن تشتبك معه. غير أننا الآن لسنا إزاء تأسيس، فلا يمكن "للعبط" أن يؤسس دولة كما لا يمكن لعقلية الطائفة أن تؤسس دولة. إن استمرار النظام الحالي لم يعد فقط خيانة للثورة بل خيانة للدولة أيضا. ومجموعة الحكم الآن – وفي القلب منها المؤسسة الأمنية – التي لا يبدو أنها تقل بلاهة عن سابقتها أصبحت هي الخطر الحقيقي على الدولة.

الغريب أن الفريقين، نظام الإخوان المسلمين السابق والنظام الحالي الذي تأتي المؤسسة العسكرية والمؤسسة الأمنية في القلب منه، اعتادا توجيه اللوم للثوار ردا على معارضة الثوار للدولة. فتارة يتهم الإخوان المسلمين الثوار بالمراهقة لأنهم لا يكتفون بالديمقراطية الإجرائية الشكلية وتارة  تتهم المؤسسة الأمنية وجهازها الإعلامي الثوار بالخيانة لأنهم لا يرضون بالهيستيريا الوطنية كإسلوب حكم.

الملفت للنظر أن الفريق الوحيد الذي ظل على وفائه لفكرة الدولة الحديثة هو فريق المحسوبين على تيار الثورة فلقد ظلت فكرة الحفاظ على الدولة فكرة مركزية في وعيهم. نستطيع أن نرى ذلك في كيفية تعاملهم مع الدولة في الثمانية عشر يوما الأولى من الثورة عام ٢٠١١، فمع كل تلك السيولة ومع كل ذلك الارتباك في أجهزة الدولة ومع كل ذلك الزخم في الشارع لم يطلق الثوار دعوات جادة لاحتلال مؤسسات الدولة أو حتى لمهاجماتها.

ليس ذلك فحسب، بل حتى بعد إزاحة مبارك اعتبر كثير من المحسوبين على تيار الثورة محاكمة مبارك أمام القضاء الطبيعي – وليس أمام محكمة ثورة – انتصارا للثورة ولنبلها. ليس ذلك فحسب، بل إن الثوار الذين طالما استقبلوا اللوم لعدم رضاهم بالديمقراطية الإجرائية لم يصرفوا جهدا حقيقيا لعرقلة الإجراءات الديمقراطية الشكلانية من استفتاءات وانتخابات في حين أن من لاموهم هم من انقلبوا على ذات الإجراءات. فالإخوان الذين انتخبهم الشعب لحكم البلاد، استباحوا ذلك التكليف وانقلبوا عليه ليجعلوا من الدولة طائفة. والذين ادّعوا - في الثالث من يوليو الماضي - أنهم لم يتدخلوا في السياسة إلا استجابة لمطالب الشعب، تجاهلوا أن الشعب نزل ليطالب فقط بإسقاط الرئيس وأعلنوا خارطة طريق كاملة لا يؤدي المضي فيها قدما إلا المزيد من القتل والمزيد من الإرهاب.

لا نستطيع أن نختزل الدافع وراء إيمان الثوار بأهمية الحفاظ على الدولة بأنه دافع أخلاقي مُدّعى، بل كان هناك دافعاً عملياً وراء حرص الثوار على الدولة. فالجميع يعلم أن احتكار النظام للمجال السياسي في مصر لم يسمح للمجتمع بتطوير تعبيرات سياسية بديلة للنظام في إطار الدولة فلم يعد للنظام بديلا سوى الفوضى. كما أنه لا يمكن لثورة تفتقد إلى التعبير السياسي أن تخرج منتصرة من حالة الفوضى، وبالتالي تحتاج الثورة أولا لوجود دولة – تشبه الدول لا العصابات المسلحة أو جماعات "المهاوويس" – حتى تستطيع الثورة أن تحدد لها هدفا. أما الفوضى في غياب بديل سياسي مع غياب قدرة الدولة – التي تنتهج القمع غير المعقلن – على الضبط الاجتماعي هو أمر يهدد الدولة ويهدد الثورة، أي أنه يهدد حياة الناس.

الذين يقودوننا إلى تلك الفوضى ليس الذين بحّت أصواتهم صراخا أن لا يمكن للوضع أن يستمر بتلك الطريقة. الذين يقودوننا إلى الفوضى هم الذين حاولوا في السابق حكم الدولة كطائفة والذين يحاولون الآن أن ينتهجوا من "العبط" والهيستيريا وسيلة للحكم.

***

استطاع الشيخ حسني الكفيف - في المشهد الشهير من فيلم الكيت كات - بخفة ظله أن يحتال على سليمان ويستعير "الفزبة" الخاصة به ليقودها في شوارع الكيت كات وينتهي به الأمر "لابس في الحيط". حكامنا ليس لديهم خفة ظل الشيخ حسني ووسع حيلته، فلا أعلم ما هو شكل الحائط الذي "سنلبس فيه" حين نسلم قيادة "فزبة" الوطن لحفنة من العميان البلهاء ثقيلي الظل.

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
عبد العظيم حماد

مراجعات ينايرية

«نظامنا السياسي الحالي من إفراز يناير 2011، وإن كان في جوهره محاولة لتجديد نظام يوليو 1952»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).