أعرِف كيف
استشهد نحو 12 معتقلًا مصريًا داخل مقار احتجازهم منذ بداية العام، وأنا أعرفُ كيف يموت الناس في المعتقل، أو كيفَ يُقتَلون، وأعرِفُ كيف يروج الخبر في كلّ مرّة كأنّها يدُ القدر.
هذا الشهر تلقّيتُ أو أُبلغت أنّ نحو ستّة من الزملاء المعتقلين قد تحدّثوا أثناء الزيارة، أو في الرسائل، عن رغبتهم في إنهاء حياتهم، بدأها البعض جوعًا كأحمد عرابي ومحمد إبراهيم «أكسجين»، وطلب أحدهم، عمر علي، شريك الزنزانة لعامين، من والدته الإذن في الموت لحاقًا بأبيه الذي قُتِل في رابعة العدوية، فقدانًا للأمل وتشكيكًا عمليًّا فيما يروجُ عن «إنفراجة» ينتظرونها بالمعنى الحرفي القاسي للانتظار و«الحريّةُ ألا تنتظر شيئًا».
ثم نجدهم فوق ذلك لا يدخلون معارك جوعهم للحريّة، وهي الأصل، إنّما لوقف الانتهاكات بحقّهم، والتي تتزامن مع مليارات تصرفها السلطة (أو تدّعي صرفها) على تحديث السجون وأماكن الاحتجاز.
وكما سبق وحكيتُ في «عن برد المعتقل وصقيع الوطن»، كان الواقع مُناقِضًا لكلّ ادّعاء على لسان الملفقين وكذّابي الزفّة تناقضًا وقحًا كما هو مجرم. ليس ابتداءً بالظروف غير الإنسانيّة التي يعيشها الكلّ بالداخل، ومنع أغلب سبل الحياة بما فيها الملابس والأغطية والفراش والرسائل والكتب والزيارة والتريّض، باستثناءات نادرة، مؤقّتة غالبًا، والمصادرة المتكررة/العقابيّة للمتعلّقات النادرة أصلًا التي بحوزة المعتقل، ولا بمنع الرعاية الصحيّة المتعمّد، وانتظار قرار ضابط أمن الدولة لإنقاذ حياة معتقل حالته طارئة (وهو قرارٌ لا يأتي غالبًا)، أو منع الدواء، وقبل ذلك كلّه أو معه الحرمان من الحريّة.
لذا لا يمكنني استقبال خبر فقدان معتقل لحياته، إلا باعتبارها جريمة قتل ارتكبتها السلطة، وربّما شاركها كلّ مروُّج لأكاذيبها وتلفيقاتها المستمرّة بشأن المعتقلين وأوضاعهم، وقبله كلّ من كان في يده أن يمنع أو يحدّ من هذه الجريمة لكنّه قدّم مصلحته أو منصبه أو حتى سلامته على حيوات الآخرين وسلامتهم.
أعرفُ كيف يموت المعتقل من الحرّ في عنبر التأديب وترفض إدارة السجن إعادته لزنزانته أو نقله لعيادة السجن رغم توصية الطبيب.
أعرفُ كيف يسقط المعتقل أرضًا، ربّما بنوبة قلبيّة٬ ويصرخ زملاؤه لساعات طلبًا لإسعافٍ ويقفُ الطبيب والممرّض على باب الزنزانة بانتظار تعليمات فتح الباب (والتي قد لا تأتي إلا عند الصباح أو لا تأتي مطلقًا).
أعرفُ كيف يُترك المسنّ في زنزانة إنفراديّة وهو غير قادرٍ على الحركة، ليتكيّف مع حياته فيها، وقد لا يخرج منها حتى يفنى (بعضهم في هذه الحال منذ عشر سنين تقريبًا)، وكلّ محاولة، فقط، لتسكينه مع آخرين، تبوء بالفشل، وربّما العقاب على الشكوى.
أعرفُ كيفَ تتأخّر إجراءات نقل السجين للمشفى لإجراء عملية جراحيّة فيضطرّ زملاؤه المعتقلون الأطبّاء لإجرائها بما تيسّر أو تهرّب من أدوات، في ظروف مروّعة، والنهاية متوقّعة، ومن يتجاوزها معافى يظلّ يحكي التجربة بقيّة عمره كمن عاد من الحرب/الموت.
أعرف كيف تقف سيّارة الإسعاف، بعد معارك طويلة ووساطات وضغوط في الداخل والخارج، على بوابة السجن لنقل مريضٍ في لحظة حرجة، لكن أمرًا ما يوقف النقل في اللحظة الأخيرة، فقط لأن المريض «عنصر» وإذا كان المعتقلون ليسوا كبقيّة البشر، فالعناصر ليسوا كبقيّة المعتقلين (درجة أعلى في تراتبيّة اتّخاذ القرار، وعليه مستوى أعلى من التشفّي والمنع) إلى درجة تجعل مسؤولي السجن/السجون، الذين نتّهمهم عادةً بارتكاب هكذا جرائم، يقولون لنا: تصرّفوا أنتم من الخارج، ليس في يدنا شيء نقدّمه.
أعرف كيف يصل الأمر لطبيب/ضابط بعيادة السجن بأن يُصوّر حالة مريض/سجين بنقص المناعة المكتسبة، وهو مُلقى على الأرض وسط قيؤه وبوله وقذارة المكان، بتعليمات بألّا «يتحرّك من الزنزانة»، ويرسلها للإدارة الطبيّة، فيتم عقاب الطبيب، وينقل المريض للمستشفى بعد وفاته.
أعرفُ كيف يقولُ ضابط لأهل معتقل: «هاموّته»، ويقول المعتقل لي، قبلها بأسبوع «بيموّتني» وأبلغ ما استطعت من ناس ومحامين، وتشتكي زوجته وتنشر، ويُترك حتى يموت فعلًا.
وأعرف كيف أُصاب بذبحة قلبيّة (بسبب تعذيب رفيق وصديق في سجن طره تحقيق، والعراك مع إدارة السجن لساعات طوال فقط لاستدعاء النيابة)، ويصفُ لي طبيب السجن/الضابط أدوية للسيولة والقلب ونوبات القلق (باعتبارها السبب) فيمنعها ضابط أمن الدولة لنحو ثمانِ أشهر، وحين تقول النيابة العامة: «يُصرف له ما وصفه طبيب السجن» يُحضرني والطبيب لمكتب المأمور ويشير للطبيب/الضابط فيكتب: «تُلغى الوصفة الطبيّة السابق وصفها» ثم يقول ضابط أمن الدولة: «أهو كده مفيش حاجة كاتبها الدكتور».
وأعرفُ كذلك أنّ القائمة ستطول، وربّما نستقبل في أي لحظة خبر وفاة/استشهاد زميل-ة آخر، يصحبه تبرير المبرّرين، وببكائيّة مؤقّتة معتادة منّا، ثمّ نعود لما كنّا عليه قبلها، سيرًا في الصفّ الذي لن يقبل الخروج عليه، وربّما يهاجمك هو قبل أن تفعل السلطة، واكتفاءً للتعامل «بالقطعة/بالنفر» دون محاولة وقوفٍ على الكارثة وأسبابها ومرتكبيها.. لإيقاف المقتلة إن لم يكن لتحرير الرهائن.
آراء أخرى
«اتجمعوا العشاق في الزنزانة»: عن أحمد دومة والشعرية التي لا يسعها المنطق السجني
«أصبح دومة في نظر الدولة -أكثر من كونه معضلةً سياسيةً- معضلةً فلسفيةً وجماليةً.»
الساموراي الأخير
«حياة حافلة ومسيرة عامرة وطريق صعب، لا يمكننا اختزاله في قرار ليلى سويف بالإضراب عن الطعام»
نفكر مع علاء: عن أمل جيل
«ماذا نرث من علاء؟»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد