أساطير الإسلام السياسي.. والماضي التليد المحلق فوق كل الأزمنة
يمثل الإسلام السياسي نوعًا من اليوتوبيا الرديئة الأكثر اغترابًا عن حركة التاريخ، إذ يحمل كل عيوب الفكر اليوتوبي الوضعي، ويزيد إليها الوثوقية الكاملة إزاء الحقيقة التاريخية المركبة، وهو ما يجعله أسيرًا لاغتراب مزدوج ينتج تطرفًا وإرهابًا ويمارس عنفًا عدميًا يخرج عن إطار المعقولية.
برغم استخدامه لمصطلح "أساطير" يعترف الكاتب أنها ليست الأدق، ويفضل عنها "أقنوم"، ويميز بينهما بأن للأقنوم تاريخًا حيًا يعود إليه من يتبعوه، بينما تنبع الأسطورة من محض الخيال، ومع ذلك ينجذب الكاتب صلاح سالم- نائب رئيس تحرير جريدة الأهرام والباحث في الإسلام السياسي- لسحر كلمة الأسطورة بثقلها اللغوي والنفسي ليعنون بها كتابه "الأساطير المؤسسة للإسلام السياسي"، والصادرعن سلسة "المكتبة السياسية" التي أضافتها الهيئة المصرية العامة للكتاب، إلى سلسلة إصدارتها العام الماضي، خرج الكتاب في جزءين، عرض كل منهما أسطورتين من أساطير الإسلام السياسي.
ويتبنى الكتاب منهجا نقديا جادا لأحد أكثر الأطر انغلاقا في عالمنا، وهي ظاهرة الإسلام السياسي، التي تكاد تفتك بمجتمعاتنا، وتهدد الآخرين حولنا، إعمالا لمنطق اختزالي يهيمن علي جل فصائلها، يدعي أن ثمة إمكانية لأن يشرف المقدس (مباشرة)، على حركة اليومي، وأن يبقى- في الوقت نفسه- مستقلا عنه، فلا يصير (مدنسًا).. إنه التناقض الذي يعريه الكاتب، تعويلا على نزعة تاريخية، تشي بأن القدسية ليست ممكنة في عالم الشهادة، فما إن يهبط المقدس على سطح الدنيوي، حتى تتولد الاحتكاكات بينهما.. هينة في المبتدى، عاصفة في المنتهى، ومعطلة في كل حين. وعبر فصول الكتاب الأربعة، يستخدم الكاتب معوله التاريخي، في تهديم الادعاءات الكبرى التي يلبسها الإسلام السياسي رداء القدسية الزائفة،، كالدولة الشرعية، والهوية المغلقة، والمؤامرة الغربية، وأخيرا النزعة الجهادية.
وقبل أن يفند أساطيره الأربع يؤسس الكاتب لرؤيته مستعرضا تاريخ الأفكارالمثالية، قائلا إنه برغم نبلها فهي لم تكن أبدا فاعلة في التاريخ، إذ لم يستطع المؤمنون بها أن يحققوها على الأرض، بل يمكن القول إنها استخدمت، كالأديان أحيانا، ركيزة لفرض الهيمنة السياسية، بدلا من أن تلعب دورها الأصلي، كمصدر إلهام للضمير البشري.
وربما كانت أول يوتوبيا (قديمة) هي جمهورية أفلاطون، التي حاول فيها الفيلسوف إرساء القوة (السياسية) على أرضية (المعرفة) الفلسفية، ليكون الحاكم (حكيما) قادرا على نشر الفضيلة ورعايتها من خلال إشاعة المعرفة وترسيخها؛ حيث ذهب أفلاطون، ومن بعده أرسطو، إلى الثقة بالروح الإنسانية، فالإنسان لا يرتكب الخطأ وهو عارف له، بل نتيجة الجهل به، وما إن يعرف حتى يغادر حظيرة الشر إلى فضاء الخير. وعلى الطريق الفردوسي هذا دعا أفلاطون إلى تحقيق حلم المساواة.
ولكن إذا علمنا أن تلك المساواة المشاعية التي تأسست عليها جمهورية أفلاطون قد انطوت على استبعاد للعبيد والنساء ناهيك عن الأطفال، بدلا من مكافحة الرق، واحترام النساء، كما انطوت على احتقار للفكرة الديموقراطية نفسها باعتبارها شعبوية قد تتناقض مع معرفة الحكماء وسلوك الفضلاء، أدركنا إلى أي مدى كانت المثالية الأفلاطونية حاضنة لقيم استبدادية ونزعات هيمنة ومفاهيم أبوية، رغم بريقها والذي ربما كان عصيا على الكشف في زمانه.
وثمة يوتوبيا نبعت من قلب عصر النهضة، تتجسد لدى توماس كمبانيلا (1568 – 1639)، يوتوبيا هجين من عناصر حديثة (اشتراكية)، وأخرى دينية (مسيحية)؛ حيث قدم في كتابيه "دولة المسيح" و"مدينة الشمس" مجتمعاً قريبًا من المجتمع الشيوعي الذي تسقط فيه الملكية الخاصة، وتزول منه الروح الفردية، كما تنتهي الأسرة وتنمو بديلا عنها حياة جماعية مشاعية، إذ يتم تخطيط كل شيء ومراقبة كل الأفراد والوفاء بحاجاتهم المادية والروحية، وهو ما يريح الإنسان من عبء المسئولية والاختيار، ويحل المشكلات والتناقضات الاجتماعية كافة، ويقود التاريخ إلى نوع من السكون العميق، حيث تعكس "مدينة الشمس" لدى كمبانيلا العالم المادي نفسه، الذي لا يحكمه سوى القوانين الطبيعية في تراتبها وانتظامها بل وحتميتها.
وثمة أخيرا، يوتوبيا معاصرة (شيوعية) بنت أحلامها على (الاشتراكية العلمية)، التي عولت على قيمتين متطرفتين: الأولى هي النزعة المساواتية المطلقة، والثانية النزعة العلمية المتطرفة. وكلاهما معا صاغتا نموذجا للإنسان أقرب واقعيا إلى (الروبوت) الأشبه بالترس الصغير في الآلة الكبيرة، إنه في الأخير كائن وظيفي يلعب دورا في (المؤسسة) وليس إنسانا حقا يعيش الحياة. وهكذا نزعت الشيوعية كل ممكنات الحرية لدى الإنسان كي تمنحه حياة (منظمة) خالية من الألم، غير أن المفارقة الكبرى أنها زادت من ألمه، بالقدر نفسه الذي خصمت به من حريته، فكان سقوطها المدوي بعد أن برز خداعها الكلي، ولكن يبقى السؤال: هل كانت الشيوعية هي اليوتوبيا الأخيرة أم أن التاريخ لا يزال حاملا أوهامًا أخرى قد يقذف بها في وجوهنا يوما ما؟
إن التصورات الاختزالية التي يستبطنها الإسلام السياسي، عن العالم وعن كيفية التأثير فيه إنما تمثل يوتوبيا جديدة، تستبدل النزعة الغائمة لدى الفكر اليوتوبي التقليدي بنوع من الحنين الأبدي إلى عالم آخر مثالي، ولكنه ينتمي إلى مكان معروف، وزمن يتسم بالقدسية لدرجة يعلو بها على المساءلة، ولما لا وهو الماضي التليد الذي يتجاوز موقعه في الزمن كي يحلق دوما فوق كل العصور والأزمنة. وهكذا يمثل الإسلام السياسي نوعا من اليوتوبيا الرديئة الأكثر اغترابا عن حركة التاريخ، إذ يحمل كل عيوب الفكر اليوتوبي الوضعى، ويزيد إليها الوثوقية الكاملة إزاء الحقيقة التاريخية المركبة، وهو ما يجعله أسيرا لاغتراب مزدوج ينتج تطرفا وإرهابا ويمارس عنفا عدميا يخرج عن إطار المعقولية.
وبرغم أن الكاتب يتحدث بالمجمل عن ظاهرة "الإسلام السياسي" من دون تصنيف أو تمييز جرى عليه العرف بين تيار معتدل، وآخر متشدد، وثالث جهادي؛ فإنه يعود ليؤكد أن ذلك ليس تجاهلا لوجود هذا التباين، لكنه يرى أننا إذا ما ألقينا على الظاهرة نظرة "استاتيكية"، أي أفقية ومسطحة، سنطالع أنماط تفكير وسلوك سياسي جد مختلفة. فإذا ما أمعنا البصر، وألقينا نظرة ديناميكية، أي رأسية وتاريخية، أدركنا كيف أن تلك الفروق مرحلية فقط، وأن تلك الأنماط ليست سوى الظاهرة نفسها ولكن في مراحل مختلفة من تحولها.
معضلة الإسلام السياسي، بكل تياراته، تكمن إذن في حضوره اللا تاريخي، والذي يؤسسه على أقانيم عدة يراها صحيحة وجوهرية ويراها الكاتب زائفة وهامشية. والأقنوم هنا هو مفهوم استقر تصديقه لدرجة الإيمان به وربما تقديسه، وتوقفت كل محاولات مناقشته أو مساءلته، وقد استخدم الكاتب في متن كتابه مصطلح "أقنوم"، على أن هذا العرض سوف يتبنى مصطلح "الأسطورة"، والتي تظل أكثر يسرا برغم ضعفها مقارنة بالأقنوم في دقته على صعيد توصيف تجربة الإسلام السياسي بالذات.
الأسطورة الأولى: الخلافة الشرعية
تتأسس الأسطورة الأولى لتيارات الإسلام السياسي على مسلمة أساسية، وهي أن الإمامة، قضية عقيدية، لا يصح الدين دون إقامتها. ولأن دولة الإسلام الأولى التي قامت بعد وفاة الرسول الكريم "صل الله عليه وسلم"، قامت على هيئة (الخلافة)، فقد ترتب على ذلك أن صارت الخلافة هي فقط الدولة الإسلامية (الشرعية)، وما عداها ليس إلا تنازلا عن الحاكمية الإلهية (الربانية) لصالح حاكمية إنسانية (دنيوية).
هذا التيار، إذ تهيمن عليه أوهام الخلافة، يستعلي على الوطن فلا يعطيه تقديرنا ولا يمنحه احترامنا؛ لأنه لا ينظر إليه كما ننظر باعتباره (حاضنة لنا)، بل باعتباره محض بدعة، ومن ثم ضلالة، ولأن كل ضلالة في النار فمن المفترض في المؤمن الابتعاد عنها طلبا للسلامة. ورغم أن كثيرا من مفردات القرآن تتحدث عن حب العشيرة، وأهمية الانتماء لجماعة، من دون تعارض مع حب المؤمنين جميعا، والانتماء لرسالة الإسلام الكونية، يتجاهل هذا التيار ذاك المغزى وما يرتبه من قيمة للوطن، معيرا كل جهده لشراكة الإيمان وحدها باعتبارها الرابطة الوحيدة (المقطوع بها نصا) لصوغ جماعة المؤمنين وإن تغير الزمن وتمايزت الأحوال على نحو يستحيل معه حصرها، والتحكم في تنظيمها.
أما المواطن الحقيقى- بالنسبة إليهم- فليس هو الجار القريب، أو صديق العمل، بل هو فقط الشريك في العقيدة السلفية أو الإخوانية، الأخ في الله، مهما ابتعدت أراضيه أو نأت به البقاع.
لا يحتفي هذا التيار حقيقة بالوطن، كونه من عمل الإنسان وهو لا يحتفي أصلا بالإنسان، وكونه نتاجا للعقل وهو لا يحتفي أصلا بالعقل، وكونه خلاصة للتجربة التاريخية وهو لا يحترم لا التجربة ولا التاريخ باعتبارهما ليسا إلا تجسيدا للـ (مدنس)، فيما لا يقدر هو سوى الإلهي الـ (مقدس)، متجاهلا حقيقة أن العقل أيضا، وليس فقط النص، يمثل عطاء إلهيا، وأن اجتهاداتنا عبر التاريخ ليست إلا استثمارا لذلك العطاء واحتفاء به.
الأسطورة الثانية: (الهوية المغلقة)
تقوم على فرضية أن نقاء العقيدة الدينية يقتضي نقاء الهوية الحضارية، هذه الفرضية تبنى على مقدمة خاصة بها وتقود في الوقت ذاته إلى نتيجة مميزة لها:
المقدمة هي عدم الثقة بالعقل الإنساني ومن ثم ضرورة الارتهان الكامل للنص الديني/ النقل/ الوحي؛ حيث التوجيه الإلهي الكامل لحركة التاريخ والقصور شبه الكامل للعقل الإنسانى. هذه الرؤية تقود إلى اعتبار أن كل حضارة هي فقط الدين الذي تقوم عليه. أما النتيجة التي تترتب عليها فهي ضرورة الانفصال الكامل عن تيار الحضارة الإنسانية حفاظا على نقاء الهوية (الإسلامية)، وما يفرضه ذلك من تصور سلفي للتاريخ يعتقد في أن عودة الجماعة المسلمة إلى أصالة الماضي كفيل بإقالة الأمة من عثرتها دونما حاجة إلى النقل عن الآخرين، فكل معرفة، وكل فضيلة موجودة في نصوص الإسلام لا ينال منها الزمان.
الأسطورة الثالثة: (المؤامرة الغربية)
التي ترى أن العالم الغربي المسيحي، هو المتآمر الأبدي، والكائن الشيطاني المعادي بإطلاق للعالم العربي الإسلامي. هذا ولا يمثل مفهوم المؤامرة نظرية علمية على وجه الدقة، بل هو أقرب إلى أن يكون (عقدة حضارية)، ترتكز من ناحية إلى قرائن تاريخية وثقافية وسياسية لا يمكن تجاهلها، وإن تفاوتت في درجة حدتها ومشروعيتها، ولكن جرى تأويلها، على نحو يخرجها من سياقها الموضوعي إلى سياق آخر أسطوري، يمنحها دلالات غير واقعية.
إنها قرائن لا يمكن إنكارها ولكن المشكلة الحقيقية لدى تيار الفكر التقليدي المؤسس لعقل الإسلام السياسي تكمن في تأويلها، إذ سرعان ما ينسبها إلى مؤامرة كونية عظمى ممتدة في الزمن يديرها الغرب (المسيحي) ضد عالم الإسلام الواسع. إنه اعتقاد ساذج، ليس لأنه كاذب تماما ولكن لأنه تبسيطي، ناجم عن غياب العقلانية السياسية، وغياب التفكير السببي مما أدى إلى سيادة رؤية سحرية للعالم ترى الغرب شيطانا متآمرا بعيدا عن الشروط التاريخية للصراع الاستراتيجي.
وأخيرًا تأتي الأسطورة الرابعة: (الجهاد الأبدي)
ذلك الذي يمنح للكفاح الجسدي والشجاعة الدور المركزي في صنع التاريخ، ويعتقد في أن قيمة التضحية بالنفس لدى الأوائل تظل هي الآلية الوحيدة الممكنة لاستعادة نهضة الأمة وكبريائها في مواجهة أعدائها. وهنا فلا أهمية تذكر للقيم الكبرى كالعلم والحرية، ولا الأبنية الحديثة، الحاضنة لهذه القيم والمنظمة لعملها..
وهنا تتبدى المفارقة الكبرى؛ فكثير يعرفون كيف يموتون في سبيل الله، بحثا عن (الشهادة)؛ حيث تقول أحد أدبياتهم مفاخرة: (نحن طلاب موت). ولكنهم، في المقابل، لا يعرفون كيف يحيون في سبيل الإسلام، ولا يدركون المعنى الحقيقي لرسالة الاستخلاف، التي تطالبنا بتحقيق التقدم وترسيخ العمران.
إنه مفهوم ذكوري عملاق يؤسس لخطاب (قتالي) ذي بنية أسطورية معقدة يحتاج إلى تفكيك شديد سواء من داخله حيث تجرى مساءلته بروح النص القرآني، أو من خارجه حتى نسائله بمعايير التاريخ الإنساني ومقتضيات النزعة التاريخية، نفيا لتصوراته الاختزالية، ونقدا لمقولاته الإطلاقية.
هذا الكتاب إذن، وعبر فصوله الأربعة، ليس إلا تلك المساءلة التاريخية والنقدية لتلك الأقانيم، فما جاء فيه لا يعدو أن يكون اجتهادا فكريا حول (فهم الدين) وهو بصدد الحركة في التاريخ، حيث اللقاء بين القدسي والدنيوي.
آراء أخرى
موقع الإسلاميين على أجندة تحرير منصات الإعلام
«لا يمكن أن نغض الطرف عن أن وجود تلك الجماعات غير المؤمنة بالدول الحديثة وآلياتها»
تصورات لتعايش الإسلاميين والعلمانيين
«كل طرف مؤمن بأن الطرف الآخر ليس صاحب رؤية تُحترم وينبغي التعايش معها وإنما ضال مضل»
من «مصطفى محمود» إلى «رابعة»: السياسات المميتة لـ«القرف»
«تختلف النظريات في أصول القرف وتفسيره، لكنها تتفق على أنه شعور حصري، يختلف عن الخوف»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد