أدهم صبري: رجل لعالم ما بعد كامب ديفيد
في سنة 1984، أطلقت المؤسسة العربية للنشر مشروع «روايات مصرية للجيب»، وعلى رأسه سلسلة «رجل المستحيل» للراحل نبيل فاروق. من حسن حظ السلسلة -وأصحابها بالتأكيد- أنها صدرت قبل سنوات من دخول مايكروسوفت وقريناتها في وادي السيليكون عالم المنافسة على وقت الشباب، وقبل أن تدخل هوليوود بفضل تلك المنتجات الرقمية وأطباق البث الفضائي كل بيت. فعلينا أن نتذكر أن جهاز الفيديو -حتى ذلك الوقت- كان ميزة لا يتمتع بها سوى قلة من الأغنياء أو العائدين من الخليج. لكن علينا أن نتذكر كذلك أن السوق وحده ليس كفيلًا بأن يعطي سلعة هذا النجاح الاستثنائي الذي تمتع به المشروع برمته، وفي القلب منه «رجل المستحيل». لقد تحوّل رجل المستحيل إلى شخصية حاضرة في ذاكرة كل شاب مصري وُلد بعد حرب أكتوبر 1973 تقريبًا، وإن تراوح بالتأكيد مدى هذا الحضور.
ليست صدفة أن المشروع انطلق عقب سنوات معدودة من التحوّل الكبير الذي شهدته مصر في السبعينات؛ تحوّل لم يدع القائم قائمًا أو القاعد قاعدًا، من بنية الدولة المصرية وسياساتها إلى أنماط السلوك الاجتماعي. صاحب الانفتاح الاقتصادي اتجاهان على الصعيد الاجتماعي: الأول نحو التوسع في الاستهلاك ومغادرة العمل الحكومي بحثًا عن فرص للثراء السريع، أو الترقي من خلال العمل في القطاع الخاص أو التجارة أو حتى العمل الحرفي.
واكب ذلك الاتجاه الاستهلاكي، الاتجاه الإنتاجي نحو الابتذال الفني الذي برز مع صعود سينما المقاولات وأغاني الكباريهات (الانتقال من عبدالحليم حافظ أو محمد رشدي إلى أحمد عدوية وكتكوت الأمير)، وفنانات المايوهات والإغراء (الانتقال من فاتن حمامة إلى سهير رمزي وناهد شريف)، وتحوّل الرقص الشرقي إلى محض إيروتيكا جنسية (الانتقال من الرقص الساكن لكاريوكا وسامية جمال إلى الرقص عالي الاهتزاز لزيزي مصطفى) المثال الأبرز على ذلك الاتجاه فنيًا.
أما الاتجاه الثاني فكان نحو التدين بأنماطه المتراوحة بين الشعبي والسياسي. فعلى الرغم من التناقض الذي يبدو للوهلة الأولى، تضافر التدين مع الاستهلاك ضمن جدلية ولدها انسحاب الدولة من الأدوار الاجتماعية والثقافية. ففي إطار الدولة التي تحاول تعبئة مواطنيها نحو أهداف وطنية، تأسس دين علماني لدى المواطنين قوامه الاجتهاد في العمل الحكومي بوصفه مهمة وطنية تتجاوز المهنة والأهداف المادية، والالتفاف حول الراديو للاستماع لحفلات أم كلثوم وعبدالحليم حافظ في اجتماعات شعبية كل أسبوع كأنها شعيرة، وتقديس أخلاق الالتزام وتحمل المسؤولية واحترام الآخرين بوصف كل فرد عضو في مجتمع ينبغي عليه احترامه. تآكل الدين العلماني بفعل تخلي الدولة عن دورها في التوظيف وإفساح المجال لفن السوق، وكان البديل هو الدين المطروح شعبيًا (بداية من الشيخ شعراوي والداعية ياسين رشدي، وصولًا إلى الشيخ محمد حسان) بعد أن كفت الدولة عن محاولة منافسة مشايخه على الهيمنة على الجماهير.
***
في هذا الإطار، كان المجتمع بحاجة إلى إعادة بناء الشخصية المُثلى التي تلعب دور الملهم بالنسبة للجماهير. على مدى سنوات طويلة هيمن خلالها أدب نجيب محفوظ ويوسف إدريس ويوسف السباعي وإحسان عبدالقدوس وعبدالرحمن الشرقاوي، غاب البطل المثالي بمفهومه الكلاسيكي كما لاحظ محمود أمين العالم وعبدالعظيم أنيس في كتابهما الرائد «في الثقافة المصرية»، وهو ما أثار نقد الأستاذين كون البطل ضرورة بحسب مدرستهما الواقعية الاشتراكية لإلهام الجماهير وإعطاء المثل. وعندما كان يظهر البطل أحيانًا، فقد كان غالبًا يبدو مستهترًا بكثير من القواعد الدينية أو الأخلاقية، فهو زير نساء أو معاقر للخمور أو تائب من حياة مستهترة.
تقدم نبيل فاروق ليقدم بطلًا حقيقيًا من خلال شخصية أدهم صبري مُفرطة المثالية. فأدهم صبري ليس رجلًا فائقًا فحسب على مستوى العنفوان والقوة، وإنما أيضًا هو رجل أخلاقي ومتدين. تؤكد السلسلة في مواقع مختلفة أن أدهم يصلي، وهو لا يشرب الخمر، كما أنه يتجنب القتل لغير الضرورة. أدهم كذلك هو ذَكر مثالي، فكل نساء السلسلة من الخصوم قبل الزميلات يقعن أسيرات لسحر رجولة صبري البازغة، حتى سونيا جراهام عدوته اللدود لا يمكنها أن تقاوم سحره الذَكري. لكن صبري يبقى على مدى الأعداد المائة والخمسين أو أكثر وفيًا لحبيبته الأولى مُنى، باستثناء علاقة عابرة لا يمكن وصفها بغير الشرعية مع جراهام. كما تبقى علاقته بمنى عذرية إلى أن يتزوجها في العدد الأخير.
لقد كان نبيل فاروق واعيًا بهذا الدور الذي يلعبه. فكما ذكر هو نفسه في سيرته الأدبية «رجل المستحيل وأنا»، أراد فاروق أن يقدم بطلًا من عالم المخابرات على غرار جيمس بوند وأمثاله، لكن «مع قيم مصرية وعربية أصيلة، وبما يناسب عقيدتنا ومجتمعنا».
طبقيًا كذلك، يمثّل أدهم حالة نموذجية. فهو ابن لضابط كبير من ضباب المخابرات المصرية، وأخوه طبيب كبير يعيش في الخارج. وهو شاب ناجح مهنيًا باجتهاده والتزامه. لذلك هو مثل أعلى نموذجي من تلك الناحية أيضًا.
يمكن أن نفهم هذا النجاح الاستثنائي لأدهم صبري إذا وضعناه في مقارنة مع رفعت إسماعيل، بطل سلسلة «ما وراء الطبيعة» لمؤلفها الراحل أحمد خالد توفيق. يمثّل رفعت إسماعيل شخصية مثالية لنموذج البطل المضاد (Anti-hero). فهو ليس وسيمًا ولا شجاعًا. وعلى الرغم من حبه لماجي وعلاقته بهويدا، لا يبدو رفعت مع ذلك بطلًا رومانسيًا تقليديًا على غرار صبري. كانت أسباب النجاح تصب بالتالي لصالح أدهم تمامًا؛ اللهم إلا عند قلة من المثقفين الذين لا تعجبهم سطحية الأدب المثالي. مع ذلك، فإن في سنوات ما بعد الثورة، يمكننا أن نفهم تمامًا لماذا لم يعد الشباب يحلمون بأدهم صبري، بقدر ما يتعاطفون مع رفعت إسماعيل. لقد انتهى أدهم صبري بنهاية عالم ما بعد كامب ديفيد وما قبل ثورة يناير، فصورة الشاب المثالي المتدين الناجح سليل الطبقة الوسطى لم تعد ملهمة لجيل يتشكك بالمثاليات ويضجر من محاولة فرضها دون مساءلة.
***
يقول أرسطو إن هناك ثلاثة طرق للإقناع في الخطابة: إما أن يقتنع الجمهور لأن الخطبة تستفز مشاعرهم، وهي طريقة «الباثوس» (Pathos) أي التعاطف، أو يقتنع الجمهور لأن الخطيب ينجح في أن يضرب لهم المثال بنفسه أو أن يكون قدوة لهم، وهي طريقة «الإيثوس» (Ethos) أو القدوة، أو يقتنع الجمهور لأن الخطبة تقدم حججًا قوية على ما تطرحه، وهي طريقة «اللوغوس» (Logos) أي العقل أو الكلمة.
يمكننا أن نقول إن أدهم صبري مثل الإيثوس للشباب المصري في عالم ما بعد كامب ديفيد، وكان ليمثل الباثوس لو أن منتجًا التقطه مبكرًا قبل ثورة يناير، لكنه مثل كذلك اللوغوس للمثقفين المصريين في ذلك الوقت.
كان التحوّل الكبير في السبعينيات صادمًا بالنسبة للمثقفين المصريين. فعلى الرغم من خشونة علاقاتهم بالدولة، إلا أن رؤية عامة بأن الدولة تحمل مشروع الاستقلال الوطني والتنمية والتقدم هيمنت عليهم ودفعتهم إلى احتمالها ومدّ يد العون إليها باستمرار. ما حدث بعد كامب ديفيد والانفتاح أن الدولة قد تخلت بوضوح عن ذلك المشروع الوطني ولم يعد بإمكانها أن تدعيه. هنا كان على المثقفين أن يطوروا نظرية تحفظ لهم إمكانية التعايش مع تلك الدولة، وهي النظرية التي انتهت إلى الاعتقاد بأن ثمّ جوهر وطني للدولة يحمل مشروعها الوطني مهما تلوثت سائر مؤسساتها بما في ذلك المؤسسة الرئاسية بملوثات الفساد والعمالة. ويمثل الجيش، والمخابرات العامة على رأس أذرعه الطويلة، هذا الجوهر.
منذ العدد الأول لـ«رجل المستحيل»، يلعب الموساد، أو عملاؤه المنشقون عنه كسونيا جراهام، دور الخصم الأساسي لأدهم أو دور الفيلان (Villain). في العدد الأول، يتعمد نبيل فاروق ألا يذكر اسم إسرائيل. ويشير إليها بكنايات عديدة. من جهة، يلعب فاروق على وتر شعبي معروف، هو رفض الاعتراف بإسرائيل كدولة شرعية. من جهة أخرى، يلمح فاروق إلى الرؤية الثقافية الرسمية للدولة المصرية: إن كامب ديفيد هي ضرورة استراتيجية يجب أن نحترمها بألا نصرح بمواجهة إسرائيل، لكن عليكم أيها الجماهير أن تطمئنوا، فمخابراتنا يقظة لألاعيبها.
لا يستعيد فاروق الثقة بوطنية قلب الدولة المصرية فحسب، بل يستعيد الثقة بكفاءاته. في أحد الأعداد يقول أحد رجال المافيا: «يبدو أننا نواجه أقوى رجال المخابرات في العالم»، فيقول أحد أعوانه في خوف: «الأمريكان! فيجيبه: «هل تصدق تلك الأكاذيب أيها الأحمق؟ إنهم المصريون!» أذكر ذاك الشعور بالامتلاء الذي أصابني عندما قرأتُ تلك المبالغة الوطنية وأنا طفل صغير. لكنني أحاول أن أتخيّل: هل يمكن أن يتكرر هذا الشعور اليوم لدى أحد أبناء عالم ما بعد يناير؟
***
لم يعد السوق أرضًا رحبة لمشاريع من نوع «روايات مصرية للجيب» كما كان لذلك المشروع في الثمانينيات. لكن هل يمكننا أن نعثر في الحركة الأدبية المصرية اليوم على مَن يرسم لنا شخصيات تجسد الإيثوس واللوغوس المصري على غرار شخصيات محفوظ قديمًا، أو على غرار شخصيات أكثر شعبية كأدهم صبري ورفعت إسماعيل؟
آراء أخرى
لكل الأبطال المهزومين كرفعت اسماعيل
«إلى رفعت إسماعيل وصاحبه أحمد خالد توفيق.. سلام عليكما»
مؤسس «أدب الخيال» في مصر
«في بدايات القرن العشرين، كانت الروايات تُباع كمجرد أعمال أدبية تجارية لا تهتم إلا بمتعة القارئ»
درس عن العالم لمراهِق قلِق
«أعتقد أني احتمال جيد من شخصيتي بفضل كتابة أحمد خالد توفيق.»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد