هزمتم التنّين فماذا عن مار جرجس؟
أن نقرأ غزة في هيروشيما جورج حنين
بعد 11 يومًا فقط على مجزرة هيروشيما، نشر الشاعر والمفكر السريالي جورج حنين منشور «هيبة الرعب/ Prestige de la terreur» (الذي ترجمه بشير السباعي في مجموعة «بلاء السديم»)، وجّه فيه نقدًا لاذعًا وإدانةً غير مشروطة لاستخدام القنبلة الذرية، ولتقاعس النخب اليسارية عن إدانة المجزرة. لا يدلّ «هيبة الرعب» على تفرّد حنين في نقده لآلة العنف الديمقراطية وحسب، بل على نقده الاستشرافي الذي يشير، منذ دويّ القنبلة الأولى، إلى خطوط الصدع في المنظومة الأخلاقية الأوروبية والأميركية. وإن كان المنشور صدر قبل 80 عامًا، فإنّه لا يزال يقدّم لنا آلية لقراءة الصدع الذي يعتري البنى الأخلاقية ذاتها على ضوء الإبادة في غزة، ولاستكشاف مدى انحدار مستوى النقد لدى تلك النخب الثقافية. ففي ظلّ التخبّط الفكري والأخلاقي الذي نشهده اليوم، أيّ لغة يمكننا أن نستلهم من نقد حنين للإبادة؟
على الرغم من انتمائه للنخبة الفرنكوفونية المثقّفة التي تلقّت تعليمها في أوروبا، والتي ضمّت مفكّرين من مختلف التوجهات السياسية، كان حنين محرِّكًا راديكاليًا في صفوف التروتسكيين المقيمين في القاهرة، وكانت كتاباته تندّد بالاستشراق الفرنسي وتراث الرومانسية والرمزية في الأدب، وتدعو إلى تبنّي حداثة عالمية ترتكز إلى قيم الحرية الإبداعية والعدالة الاجتماعية.
تصدّر حنين الحقل الثقافي المعارض في القاهرة، إلا أنّ أهمّ كتاباته النقديّة صدرت في منتصف ثلاثينيات القرن الماضي، أي بعد تعرّفه إلى السريالية من خلال أعمال السريالي الفرنسي أندريه بروتون. فقد قدّمت السريالية لحنين معجمًا نقديًا وإبداعيًا لمعارضة ما اعتبره رياءً ومحافظةً في الثقافة الفرنسية العالمية آنذاك. تحدّث حنين في منشوراته ومقالاته عن كيف يكون الفن السريالي مناهضًا للفاشية، وبالمقدار عينه، مناهضًا للستالينية (إذ لم يغفر لستالين إعدام بوخارين)، وكيف يجب أن يبقى معاصرًا وبعيدًا عن الأصلانية، وعن أهمية أن يبقى الفنانون أحرارًا من دون أن تفقد أعمالهم وزنها السياسي. كان حنين يقدّم تصوّره للمثقف العالمي الحديث في معادلة قد تكون مثاليّة، وربّما هشّة، إلا أنها كانت مُلحّة، وفي مصر ما بين الحربين، كانت لا تزال ممكنة.
ولكن مع نشوب الحرب العالمية الثانية، بدأ المشهد الثقافي الفرنكوفوني في مصر يتصدّع تحت وطأة الضغوط المتزايدة للفاشية الأوروبية التي كانت بعض وجوهها كفيليبو توماسو مارينيتي، قد استقرّت في مصر. وفي المقابل، بدأت الساحة السياسية تتّسع للجماعات الأممية، ومنهم التروتسكيون البريطانيون، بالإضافة طبعًا إلى الأحزاب القومية المصرية.
ونظرًا لهذا التعقيد الذي طرأ على المشهد الفرنكوفوني، بدأ حنين يتطلّع إلى خارج دوائره الضيقة، مدركًا أهمية التوجّه إلى جمهور مصري أوسع يتأرجح بين القومية والاشتراكية المناهِضتين للاستعمار، جمهور بات على حنين أن يخاطبه بالعربية. وهكذا كانت لحظة إعادة تموضع حنين اللغوي، والتي ستنسحب على تعريب السريالية الأوروبية، لا عبر ترجمة حرفية لها، بل عبر الإسهام في تجذير مشهد سريالي محلي لا يكتفي بالاستلهام من سريالية بروتون، بل بالإضافة إليها أيضًا.
شارك حنين في تأسيس «جماعة الفن والحرية» مع كمال التلمساني وفؤاد كامل ورمسيس يونان وألبير قصيري، وغيرهم ممن كان نشر معهم بيانات فنية مناهضة للفاشية، أشهرها «يحيا الفن المنحط» (1937). ثابر حنين على تنظيم معارض يقدّم فيها المواهب السريالية الناشئة، ونشر بيانات مناهضة للفاشية، بالإضافة إلى مجلات مثل «التطور» و«المجلة الجديدة» اللتين قاومتا ضغوطات السلطات الدينية والاستعمارية بنجاح متفاوت.


كانت مقالات حنين الأكثر حدّة هي تلك الموجهة إلى الأقرب إليه فكريًا وسياسيًا، أي إلى كُتّاب الواقعية الاشتراكية الفرنسيين، المُحتسبين على دوائره السياسية والفكرية والأكثر خطرًا على السريالية. كانت مقالاته أكثر قساوةً على أولئك الذين اعتبرهم حنين مدافعين عن الستالينية أو على الأقلّ مرتاحين لنفوذ ستالين الثقافي في فرنسا ومتسامحين مع ممارساته القمعية. معتصمًا بأسلوبه الاستفزازي المعتاد، سخر حنين من أدب كُتّاب مكرسين مثل لويس أراغون («من هو السيد أراغون؟»، 1945) وجان بول سارتر الذي نال نصيبه من الازدراء في رسائل ومدونات حنين الخاصة (حيث وصفه حنين بـ«تاجر جملة» و«بقّال الوجودية الصغير»).
إذا كانت الستالينية قد عرّت الكتّاب الواقعيين، فإنّ قنبلة هيروشيما عرّت الجميع.

في السادس من أغسطس عام 1945، ألقت الولايات المتحدة قنبلة ذرية على مدينة هيروشيما اليابانية، فسقط عشرات الآلاف من اليابانيين على الفور ودمّرت المدينة بالكامل. عجزت كلمات الناجين الذين سيروون اللحظات الأولى من المذبحة عن وصف الوميض القوي الذي سبّبه الانفجار والصمت المخيف الذي تلاه. رافق الصمت الحرفي الذي غمر المدينة المنكوبة صمت آخر مجازي. فعلى مدى شهر كامل، فرضت إدارة ترومان حظر النشر على جميع وسائل الإعلام الأميركية. حتى عند انتهاء مدّة الحظر، لم يكن هناك اهتمام إعلاميّ جدّي بتغطية آثار المجزرة. لم يتحدّث الإعلام الأميركي عن هيروشيما إلا عقب سنةً كاملة بعد القنبلة، على شكل تحقيق طويل نُشر في كتيّب خاص صدر عن مجلة «نيويوركر». أخذ التحقيق طابعًا وصفيًّا بحتًا تضمّن شهادات لستّة ناجين ظلّت أقوالهم محصورةً بالتجربة الحسّية، أي تقديم وصف دقيق ليوم الانفجار، بعيدًا عن منطق التنديد والإدانة.

كان للصمت الرسمي والإعلامي الأميركي صدىً في أوروبا، إلا أن ألبير كامو كان أول مَن تطرّق إلى المجزرة في افتتاحيته لصحيفة «كومبا» في 8 أغسطس 1945. أدان المفكّر الوجودي القنبلة الذرية على هيروشيما، واصفًا المشهد بأن «الحضارة الميكانيكية قد بلغت أقصى درجات وحشيّتها»، مؤكداً أنه لا غاية سياسية يمكنها تبرير وحشية التدمير. كان نقد كامو لتحالف العلم والتسلّط واضحًا وصريحًا، إلا أنه جاء مموَّهًا ومجهِّلًا للفاعلين والضحايا معًا، بمعنى أنه تناول مفاهيم فلسفية كـ«العالم» و«الحضارة الميكانيكية» و«الإنسان» و«الجحيم» و«العقل»، من دون أن يسمّي مَن يتحكّم بالعالم الجديد هذا، وما هي ارتدادات القنبلة الذرية على البنى الأخلاقية ذاتها التي أدّعى هذا العالم الدفاع عنها تحت ما يسمّى «الحضارة الإنسانية»، قبل أن يختم كامو بالتأكيد على أهمية الركون إلى «السلام»، وهو مفهوم لا يقلّ ضبابية عن سواه.
أما سارتر، فلم يتطرّق في تصريحاته وكتاباته إلى القنبلة الذرية إلا بعد أربعة أشهر كاملة على مجزرة هيروشيما وناجازاكي التي تلتها، فاكتفى في افتتاحيته في «لي تان موديرن» في أكتوبر 1945 بالتحذير من مخاطر التكنولوجيا الذرية على الإنسان، ومسؤولية «الإنسانية» تجاه القنبلة، ومخاوفه من هشاشة السلام واستمرارية الحرب، دون أي إشارة إلى كارثتَيْ هيروشيما وناجازاكي.
لنا أن نتخيّل سخط جورج حنين وهو يتلقّى مواقف أبرز مثقّفي عصره عن المجزرتين وهو جالس وراء مكتبه في القاهرة.
لكن جورج باتاي الذي برع في تفكيك المسكوت عنه، لم يخذل جورج حنين. بعد سنتين من هيروشيما، نشر باتاي مراجعة طويلة عن التحقيق الذي كانت مجلة «نيويوركر» قد نشرته عامًا كاملًا بعد الكارثة. على عكس كامو وسارتر اللذَيْن لم تدفعهما القنبلة للتشكيك في صلاحية مفهوم «الحضارة»، نظر باتاي إلى التناقضات الكامنة في المفهوم: «(الانسان) يدرك تمامًا وجود الشر هنا. إلا أنه لا يرى أنّ "الحضارة" التي يُقابل بها همجية الحروب، هي ذاتها الحضارة البعيدة عن المثالية والتي تشوبها عناصر متصارعة، هي نفسها سبب الحروب.»
حاول باتاي الإشارة إلى التناقضات الكامنة في الحضارة الإنسانية، والتي ستجعلها غير قابلة للحياة في المستقبل، مدركًا أن لحظة هيروشيما تحتّم على المفكر لا أن يحتلّ موقع الراثي المنسحب، بل أن يرتقي إلى مستوى الكارثة، ويعيد تموقعه وترتيب عالمه المعرفي بناء على تداعياتها. إلا أن هذا الإدراك هو بالضبط ما كان حنين قد تمكّن من تحقيقه في «هيبة الرعب» قبل سنتين من مقالة باتاي، أي بعد 11 يومًا فقط على القنبلة.

نشر حنين «هيبة الرعب» في الفرنسية لدى «منشورات ماس» التي كان قد أسسها في القاهرة. يتضمّن المنشور نصًا واحدًا من حوالي ستة آلاف كلمة يشرع فيها بتشخيص حال السياسة والمجتمعات الديمقراطية قبيل القنبلة، مقدِّمًا آليات سياسية وأخلاقية للتصدّي للعالم الجديد الذي بدأت تتشكّل ملامحه بعد هيروشيما.
ينتقي حنين كلماته من معجم الغضب، لينقل بشاعة القنبلة ورفضه القاطع لها. بلغة متقطِّعة ومنفعلة يصف المذبحة على أنها «اشمئزاز ساعة، وغثيان لحظة»، وانهيارًا للعقل نفسه الذي لا زال كامو وسارتر يتمسّكان باستقامته، ودليلًا قاطعًا على فراغ القيم الإنسانية التي التجأ إليها المفكران الفرنسيان. يدين حنين ازدواجية المعايير لدى الحلفاء الذين لم يتوانوا عن إدانة إيطاليا الفاشية خلال حربها الكيميائية على إثيوبيا، ولم يتردّدوا بالتنديد بالمذابح الفاشية في غيرنيكا الإسبانية، إلا أن صمتهم كان مدويًا عندما وصل الأمر إلى هيروشيما. ينسب هذا الصمت إلى ممارسات منهجيّة لدى الحلفاء، عملت على تجريد اليابانيين من إنسانيتهم، وذلك عبر تمييزهم عن سائر الآسيويين، وتشبيههم بالحيوانات والكائنات غير البشرية.
بالرغم من نقده اللاذع لسياسات التمييز التي مهّدت للقنبلة ثم عادت وطبّعتها، إلا أن حنين لا يتبنّى موقفًا إنسانيًا بحتًا، بل يصرّ على تتبّع خطوط الصدع الأخلاقية والسياسية التي اعترت الديمقراطيات الليبرالية قبيل المجزرة. يلاحظ حنين كيف أن القيم النفعية وعبادة الزعيم المعصوم عن الخطأ، والأكاذيب والتضليل، وإرهاب الدولة للمواطنين المعارضين، قد سهّلت تقبّل الرأي العام للمجزرة. كما يلوم تعدي الدول على حرية الأكاديميين وترويجها لثقافة الخوف التي أدّت إلى ترحيل لاجئين سياسيين وعمّال مهاجرين.
في المقابل، يلوم حنين الأحزاب الشيوعية والنقابات العمالية على تواطئها، هي التي استمرت في توظيف عبارات براجماتية كـ«هذا هو أهون الشرَّيْن» (mieux que rien) التي لطالما مَقتَها حنين. وكان أكثر ما يؤلم حنين هو رؤية تلك العبارة تتسلّل إلى خطاب السرياليين الذين لطالما تمرّدوا على الواقع، لا سيّما أندريه بريتون، رائد الحركة السريالية في فرنسا، والذي عاد واستخدم العبارة ذاتها لتبرير رداءة مواقف السرياليين وإنتاجهم الإبداعي في أواخر الأربعينيات. كان نطق بريتون لتلك العبارة كافيًا لجعل حنين ينفصل عن السريالية الأوروبية احتجاجًا ويأسًا.
كما ينسب حنين التقاعس العام تجاه الكارثة إلى استهلاك الناس الأعمى للإعلام والفنّ الرديئَيْن اللذَيْن رأى في انحدارهما أسوأ تجليات الإيديولوجيا التي تحاكي ما يسمّيه حنين «ممارسات هتلرية»، أي التماهي مع الفاشية لحظة الإعلان عن هزيمتها. من موقعه كمثقّف سريالي عالمي، بدا عالمُ ما بعد هيروشيما وكأنه قد فقد بوصلته الأخلاقية، مستسلمًا لعنفٍ يرافقه الانحطاط.
لكنّ ما يميّز «هيبة الرعب» هو طابعه الاستشرافي، هو ذلك المستقبل الذي تراءى لحنين منذ لحظة الانفجار الأولى: لا بدّ أن يكون للقنبلة تداعيات مستقبلية على البنى الأخلاقية والسياسية للأنظمة الديمقراطية التي بدأت تنزلق نحو التوحّش. لا يشخّص حنين التناقضات في المنظومة السياسية والأخلاقية أمامه وحسب، بل يحذّر من حتمية تداعيات عنفها الفائض وانزلاقها إلى الفاشية.

في إطار بلاغيّ ساد أعمال مُجايِليه من الفنانين السرياليين، وعلى رأسهم دالي، يستلهم حنين أسطورة مار جرجس. يستدعي الشاعر السريالي مار جرجس والتنّين لوصف مشهد سياسي بالغ التعقيد، كان الحلفاء أصرّوا على تبسيطه في سعيهم لإقناع الرأي العام بأنّ الخير انتصر أخيرًا على الشرّ في هيروشيما. يقول حنين: «يدعونا البعض إلى رؤية نصرنا، إلى تحيّة الدمار الأبدي لتنين لا يكفّ عن الانبعاث». وحتى لو كانت الديمقراطيات الليبرالية مرادِفة لقداسة مار جرجس في الماضي، فإن ملامح القدّيس، يحذّر حنين، قد بدأت تتغير: «يتشبّه مار جرجس أكثر فأكثر بالتنّين. وسرعان ما سيصبح مار جرجس نسخةً مشوّهة من التنّين. بل سيغدو، عمّا قريب، تنّينًا مقنّعًا، ماهرًا في إيهامنا أنه، وبطعنة رمح، قضى على إمبراطورية الشرّ!» بعد 11 يومًا فقط على مذبحة هيروشيما، خرج جورج حنين عن صفوف المفكرين الفرنسيين، لا ليدين الكارثة وحسب، بل ليشكّك في جدوى ثنائية الخير والشر، وفي النقاء الأخلاقي لدى الأنظمة الديمقراطية التي تدّعي مواجهة الشرّ المطلق وهي تقتل عشرات آلاف اليابانيين دون ورع أو تمييز. ها هو المشكّك دومًا بالعقل الغيبيّ والثنائيّ، يسخر من طهرانية الحلفاء وسردياتهم الخلاصية: «مار جرجس يبالغ. لقد بدأ يبدو لنا أبغض من التنّين نفسه».
لكن ماذا عن استخدام جورج حنين لنون الجماعة هنا؟ فعَن أيّ «نحن» يتحدّث؟ من المؤكّد أن حنين لم يعرّف عن نفسه يومًا في أطر قومية (بوصفه مصريًا، عربيًا، جنوبيًا، شرقيًا)، أو أخرى لغوية (فرنكوفوني)، بل كمثقف ينتمي إلى جماعة فنية ثورية تتماهى مع القيم الحداثية وتعمل ضمن إطار الفكر التنويري ذاته التي جاءت هيروشيما وقضت على هالته، كما على مصداقية أولئك الذين لا يزالون يؤمنون بأسطورته.
شكّل منشور حنين نقطة تحوّل محورية في حياته الفكرية، تضافرت مع أسباب سياسية أخرى أفضت إلى انسحابه من الدوائر التروتسكية والسريالية الأوروبية. مهّدت تلك التحوّلات الفكرية إلى نفيه داخل مصر الملكية في أواخر الأربعينيات من خلال التضييقات الأمنية عليه وعلى يساريين آخرين، ثم خارج مصر، إثر حملة الاعتقالات الواسعة التي عاد وشنّها عبد الناصر على الشيوعيين في أواخر الخمسينيات. وفي عام 1960، تمكّن حنين من اللجوء إلى إيطاليا، حيث عمل في مجلة «جون أفريك» ذات التوجّه العالمثالثي، ليستقرّ أخيرًا في باريس، حيث واصل عمله في مجلة «ليكسبريس» حتى وفاته عام 1973.
لم تتناول كتابات حنين الأخيرة في أوروبا قضايا الساعة الفكرية والفنية، ولا السجالات الملحّة، بل خفّت حدّتها، وتكثّف تجريدها، وتجلّت مرارتها. فهي لم تعد تؤدّي غرضها المعهود في حشد القرّاء ودعوتهم إلى تبنّي قيم إنسانية ربما لم يعد حنين نفسه يتمسك بها بالقدر الذي كان عليه في أوج مسيرته في مصر.
حتى ولو خفتَ وهج حنين مع خفوت مشروعه التحرّري والفنّي، فإنّ نقده لا بدّ أن يسترعي اهتمامنا اليوم. لا يسعنا إلا أن نرى في «هيبة الرعب» بصيرةً عابرةً للأزمنة في تشخيص حنين للديمقراطيات الليبرالية غداة الكارثة، تحديدًا في الإشارة إلى تناقضاتها، إلى خوائها من قيم التنوير، وإلى انحدارها نحو الفاشية لحظة إعلان انتصارها عليها في هيروشيما.
وعندما نتأمل الإبادة التي تمارسها إسرائيل على غزة في ضوء «هيبة الرعب»، تتجلّى لنا العلاقة الوثيقة بين اللحظتين، أي التشابه بين النسبية الأخلاقية في تبرير قتل اليابانيين آنذاك، وقتل الفلسطينيين اليوم، رغم تباين السياقات التاريخية للمجزرتين. فمثلما عزّز الحلفاء خطابًا عنصريًا قبيل القنبلة الذرية، رافقت الإبادةَ خطاباتٌ إسرائيلية تشكّك بإنسانية الفلسطينيين. وكما حصل قبل ثمانية عقود، تجذّرت ثقافة ترهيب تؤدّب وتعاقب الأصوات المعارضة في أوروبا والولايات المتحدة، وذلك في سياق يغيب فيه دور المؤسسات الديمقراطية، وتنحسر فيه مساحة اعتراض الأحزاب الرافضة لاختزال مناهضة الإبادة بمعاداة الصهيونية.
بعد 80 عامًا على هيروشيما وناجازاكي وإبادة 250 ألف ياباني و60 ألف فلسطيني، نعود إلى منشور حنين بحثًا عن نقد أخلاقي وتاريخاني لسؤال فُرض على الجميع الإجابة عليه كشرط لأي مساهمة فكرية أو إبداعية في العالم: «هل تدين مجازر 7 أكتوبر؟». إلا أنّ السؤال الذي يجعله حنين أكثر إلحاحًا ودلالةً: «هل تدين المجازر التي شهدها العالم منذ 7 أكتوبر؟»، أي منذ بدء العقاب الجماعي الانتقامي الذي مارسته إسرائيل على مدى 700 يوم.
لا تسائل منهجيّة حنين مدى التطابق بين التنّين وما قد يمثّله من عناصر الشرّ، بل يتّجه خطابه النقدي للتنديد بالأسطرة الخلاصية التي ما زالت تغذّي خيال الديمقراطيات عن نفسها وتبرّر سياساتها الإباديّة والداعمة للإبادة. حتى أنّه يمكننا القول إن غياب أي نقد حقيقي لهيروشيما، جعل إبادة الفلسطينيين ممكنة اليوم. فائض العنف لدى مار جرجس والأسطرة الخلاصية التي رافقته وما زالت ترافق الديمقراطيين دعاة الإبادة، هما الأكثر تواريًا، ولهذا، فإن تفكيكهما اليوم هو الأكثر إلحاحًا.
ما يلفت أيضًا اليوم في موقف حنين هو عزلته كمثقف. خرج حنين عن سرب المثقفين اليساريين المكرسين في اللحظة المفصلية التي كشفت عن براجماتيتهم، وتجهيلهم لمرتكبي المجزرة. نتأمّل وحدته الفكرية وهو ينشر نقدًا تفكيكيًا للديمقراطيات ومنظومتها الأخلاقية، نقدًا لا يزال صالحًا اليوم. فلو قارنّا ما استطاع حنين قوله عام 1945 بما يستطيع المفكرون قوله اليوم، لأدركنا مدى انحدار المستوى النقدي في الديمقراطيات الليبرالية خلال العقود الثمانية الماضية.
فقبل أشهر قليلة، أي بعد أكثر من عام على حرب الإبادة، نشر حوالى 300 كاتب وكاتبة بالفرنسية بيانًا يطالبون فيه بتسمية المذبحة في فلسطين بما هي عليه حقًا: «إبادة». المفارقة أنّ البيان المتأخّر يستجدي أخلاق الأنظمة نفسها، وقوانينها الجنائية نفسها، التي تساهلت مع إبادة الفلسطينيين على مدى عامين كاملين، ويتوسّل إليها أن تتدخّل الآن لوقفها. إلا أن الكتاب البريطانيين لم يصلوا إلى تلك الجرأة حتى. ففي مايو 2025، أصدر أكثر من مئتَيْ كاتب بريطانيّ بيانًا يطالبون فيه بمقاطعة إسرائيل (مقاطعة لا غير) إلى حين عودة الأسرى وتعليق الحصار على غزة (مقاطعة مؤقّتة). ليس في البيان إشارة للإبادة، بل تنديد بـ«الممارسات الإبادية» لإسرائيل. وإن دقّقنا في العبارة، سنرى أنها تدلّ على أفعال غير ممنهجة لم ترتقِ بعد إلى مستوى الإبادة كاملة الأوصاف، حتى بعد قتل أكثر من 60 ألف فلسطيني (أو مئة ألف بتقدير صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية).
اللافت هو كيف انخفض السقف السياسي للنقد من زمن حنين حتى اليوم، ليس في الإشارة إلى الإبادة وتسميتها وحسب، بل في غياب أيّ إدانة أو تفكيك للمنظومة السياسية والأخلاقية نفسها التي طبّعت مذبحة هيروشيما، والتي لا تزال تطبّع الإبادة في غزة. فما هو المَخرَج من حالة الخدر النقدي الذي يعتري النخب الفكرية الأميركية والأوروبية؟
في منفاه الأخير في فرنسا، كتب حنين نصوصًا وصف فيها شعوره بأنه محاصر بين واقعَيْن: لم يعد لديه الطاقة لإضفاء معنى على العالم، ومع ذلك كان متعبًا من العيش في عالم فاقد لمعناه. هكذا كان حال العالم غداة فاجعة هيروشيما، وهكذا هو اليوم، يقف مشلولًا تحت وطأة كارثة غزة، حيث انزاحت المقدسات عن صلاحها وتفوقها الأخلاقي، فلم يبقَ منها سوى استعارة لقوّة القتل وتطبيعه.
ما العمل، إذًا، أمام آلة العنف الديمقراطية وأساطير الخلاص التي ترافقها؟
لم يعرف جورج حنين السينيكية، أقلّه ليس حتى عام 1945. يرسم حنين في «هيبة الرعب» خريطة طريق لمواجهة السياسات الفاشية المتخفية في أساطير الخلاص. يدعو إلى استلهام تكتيكات حرب العصابات، لا عبر حلّ الأحزاب اليسارية، بل عبر تقويض احتكارها للحركات السياسية، واستهداف الشقوق والصدوع في آلة الإرهاب الحكومية، والتمسّك بالوعي الحرّ منهجًا وعقيدة. في ختام منشور «هيبة الرعب»، كتب حنين بخطّ أسود عريض: «آن الأوان أن نعيد للخيال المستحيل ألَقَه الضائع».
كان حنين تحدّث عن تلك المنهجية باستطالة في منشور سابق «نحو وعي تدنيسي» (منشورات ماس، 1944). فيه يدعو حنين لعدم التسليم للإيديولوجيا، مذكرًا بأهمية نقدها ومراجعتها ومواجهتها دومًا بوعي الذات لحريتها، وهي ذاتها قادرة على رفض آليات التطويع والتجهيل والتحجّر المعرفي التي يمارسها قياديّو الأحزاب والبنى الثقافية التي تتفرّع من الأيديولوجيا الحاكمة. فالوعي التدنيسي هو نقيض الخضوع والبراجماتية اللذين كانا قد غذّيا الصمت النقدي في العالم، خصوصًا في الأوساط السريالية واليسارية بعد فاجعة هيروشيما.

عندما كان المثقفون الأوروبيون ينفون حاضر هيروشيما، كان حنين في «هيبة الرعب» قد أتمّ نقده للماضي وللحاضر. عندها نظر بكثير من الريبة إلى ذلك المستقبل الذي بدأ يتجلّى أمامه. بعد هيروشيما بسنوات، لم يفارق حنين التوجّس ممّا سيحمله المستقبل، ففي رسالةٍ إلى صديقه الكاتب الفرنسي، هنري كاليه، كتب جورج حنين: «سيكون للمستقبل بريق المشرط وبرودته».
وها نحن اليوم نعيش ذاك المستقبل عينه، نرى كيف تتجلّى الإبادة في بريق القنابل الديمقراطية وبرودة المشرط على أجساد الجرحى الفلسطينيين. ربما آن الأوان، أكثر من أي وقت مضى، للاستلهام من رؤية جورج حنين المناهضة للفاشية ومنهجيّته التدنيسيةّ للأيقونات والأساطير، علّنا نعيد للخيال المستحيل ألقه الضائع.
«أتمّت الكاتبة العمل على المقالة ضمن إقامة Civitella Ranieri الفنية لعام 2025»
تقارير ذات صلة
في «واقعة الحُضن».. ما دور الجامعات تجاه -ما تراه- مخالفات أخلاقية من الطلاب؟
طالب جامعة المنصورة: «الحمد لله انها خلصت على قد كده.. إحساسي بالظلم ده هـ اخليه لنفسي».
حوار مع «AUC Times»| الصحافة داخل أسوار الجامعة الأمريكية وخارجها
تُعرِّف المجلة نفسها كمشروع يسعى «لإنتاج سرد عن الحقيقة يُمَكِّن القراء من النقد والتفكيك والتساؤل»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن