مجتمع الأعمال في 10 سنوات: الدفع أو التوقيف
في 21 يناير الماضي٬ وبينما النهار يشارف على الانتهاء وتقترب ساعة إغلاق السجون اليومية٬ حوالي الرابعة عصرًا، كان صفوان ثابت٬ مؤسس شركة «جهينة للصناعات الغذائية٬» جالسًا في محبسه بسجن بدر٬ عندما فوجئ بدخول أحد ضباط السجن إلى زنزانته الانفرادية ليقول له إن عليه التحرك فورًا لأنه جرى الإفراج عنه. لم يتطرق الضابط لتفاصيل الإفراج، ولم يسمح لرجل الأعمال بجمع القليل من الاحتياجات التي سمح له بحيازتها أثناء تواجده في السجن لأكثر من عامين منذ ديسمبر 2020 لتهم «تمويل الإرهاب، ومشاركة جماعة أُسست على خلاف القانون». بينما روّج في الإعلام الرسمي أنها تتعلق بدور «جهينة» في تدوير أموال مملوكة لشخصيات تنتمي لجماعة «الإخوان المسلمين».
كان لدى ثابت دقائق قليلة ليستوعب ما يسمع ويخرج عن الصمت الحزين الذي رافقه منذ فقد زوجته، بهيرة الشاوي، في مارس 2022 إثر تدهور حالتها الصحية. وكانت الشاوي قد استُجوبت من قِبل نيابة أمن الدولة في أكتوبر 2021 بسبب فيديو نشرته عبر فيسبوك تطالب فيه بالإفراج عن زوجها صفوان ونجلها سيف، المعتقلين بالتوالي. ثابت الأب سأل الضابط عن مصير نجله، سيف، المسجون في زنزانة انفرادية أخرى٬ ليجيب الضابط بكلمات مقتضبة: «هو كمان خارج»
يجد ثابت الأب نفسه مُضطرًا للتحرك بسرعة نحو بوابة السجن٬ لينتهي به الأمر داخل سيارة ترحيلات٬ ليدخلها فيجد سيف، يبادره بالسؤال عما يجري دون أن يكون لدى أيا منهما إجابة عن السبب وراء هذا الإفراج.
في حوالي السادسة من مساء نفس اليوم٬ السبت٬ وصل ثابت الأب والابن إلى أحد مراكز الشرطة بغرب القاهرة الكبرى ليُفرج عنهما.
على الجانب الآخر٬ استدعى أحد المحامين القائمين على القضية مريم صفوان ثابت٬ لترافق الوالد والأخ٬ بعد تلقي المحامي مكالمة تليفونية «غير متوقعة» من جهة أمنية بصدور قرار بـ«خروج صفوان ثابت ونجله سيف». لم تكن مريم تعلم إذا كان عليها تصديق ما سمعت٬ خاصة بعد تكرار فشل جهود مضنية للإفراج عنهما بذلتها الأسرة والمعارف والأصدقاء والمتعاطفين٬ ومنهم مقربين من دوائر الحكم٬ لاقتناعهم بعدم تورط «جهينة» في أي مخالفات قانونية.
فوجئت مريم بوصول والدها وأخيها ليعودا معها إلى المنزل وتتلقى سلسلة لا نهائية من مكالمات وزيارات المهنئين.
وفي اليوم التالي٬ اضطرت البورصة المصرية لإغلاق التداول على سهم «جهينة للصناعات الغذائية» بعد ارتفاع قيمته لدرجة كبيرة٬ حيث قفزت القيمة السوقية للشركة بنحو 500 مليون جنيه لتسجل 8.82 مليار جنيه مقابل 8.32 مليار في جلسة الخميس السابق.
وبعد نحو أسبوعين٬ رُفع اسما صفوان ثابت ونجله من قوائم الإرهاب التي كانا أُدرجا عليها في سياق عمليات التوقيف.
يقول مصدر حكومي إن خروج ثابت ونجله سيف مربوط باتفاق يلزم الأب بتبرع قيمته ثابتة لصندوق «تحيا مصر»، إلى جانب بيع جزء من حصص «جهينة» لشريك قطري مع تحويل الأموال إلى مصر٬ وهو ما تحدث عنه أيضًا مصدر آخر قريب من الأسرة.
ما حدث مع صفوان ثابت٬ بحسب تعبير أحد رجال الأعمال في مصر٬ كان «جرس إنذار مقلق جدًا لكيف ينظر [الحكم] لمجتمع رجال الأعمال ودورهم». ثابت كان من أوائل المتبرعين لصندوق «تحيا مصر»٬ قبل إدراجه على قائمة الإرهابيين والتحفظ على أمواله وتوقيفه ونجله٬ فيما وصفته مصادر آنذاك بأنها قد تكون إجراءات مرتبطة بعدم استجابة ثابت لاقتراحات بدمج أعماله في صناعة الألبان مع مشاريع تقودها السلطة.
في خلال أقل من عقد٬ دأب كبار رجال الصناعة والأعمال في مصر على تلقي إشارات تفيد بأن عليهم تقديم تبرعات. وبحسب مقربين من اثنين من أكبر رجال المال والأعمال في مصر٬ وكلاهما على صلة عمل مباشرة باثنين من القطاعات الأهم في الدولة٬ فإن مطالبات «التبرع» أصبحت أكثر وتيرة وإلحاحًا خلال العام الماضي في ظل الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد.
ويقول رجل الأعمال٬ الذي تحدث مشترطًا عدم ذكر اسمه٬ إنه «من البداية كانت هناك إشارات مُقلقة من أحاديث أحد كبار المسؤولين في اجتماع مبكر بعد أسابيع من وصول الرئيس عبد الفتاح السيسي للحكم في 2014 ضم الأخير مع عدد من رجال الأعمال. كانت نغمة الحديث أن رجال الأعمال حققوا مكاسب كبيرة جدًا خلال سنوات عملهم في مصر وعليهم أن يقفوا إلى جانب مصر». ويضيف أن التفسير الأولي لدى معظم الحاضرين أن هناك رغبة في جمع «تبرعات كريمة» فيما يمثل إبداءً لحسن نوايا مجتمع الأعمال تجاه النظام الجديد٬ وهو ما دفع بالجميع٬ رغم عدم ارتياح عام للهجة٬ إلى تقديم تبرعات تصور مَن قاموا بها أنها ستكون لمرة واحدة أو أنه سيكون مطلوب تكرارها أكثر من مرة على فترات زمنية متباعدة ترتبط بمناسبات سياسية بعينها. لكن ما حدث٬ حسبما يضيف٬ كان أمرًا مختلفًا. مع مرور السنوات٬ تحول الأمر لـ«ضغوط مستمرة على رجال الأعمال»٬ بعضها كان للمطالبة بتبرعات وبعضها كان للمشاركة في مشروعات.
وفي اجتماع وقع في الربع الأخير من العام الماضي٬ جمع عددًا من رجال الأعمال مع الرئيس٬ طالب الأخير «رجال الأعمال بمشاركة الدولة في تسيير بعض المشاريع التي أطلقتها سواء من خلال مساهمة مالية مباشرة، أو من خلال إدارة المشاريع من قِبل القطاع الخاص لصالح الدولة، أو من خلال شراء القطاع الخاص لهذه المشاريع» بحسب أحد المصادر الحكومية.
كان صلاح دياب٬ الذي تضم أعماله أنشطة في قطاعات البترول والزراعة٬ إضافة إلى تأسيس صحيفة «المصري اليوم»٬ أحد مَن لم ينصتوا بجدية للتوجيهات. جرى توقيف دياب مرتين: الأولى في عام 2015 حين قُبض عليه مع نجله بتهمة حيازة سلاح غير مرخص ليُفرج عنهما بعد أربعة أيام عقب تدخل سريع من الإمارات التي كانت القاهرة تستجيب لطلباتها وقتها. الإفراج عن دياب ونجله، وقتها، كان بناءً على صلة مصاهرة بين أسرتهما وإحدى أهم الأُسر في الإمارات. أما الثانية فكانت أول سبتمبر 2020، وقتها توترت العلاقات بين البلدين على خلفية غياب التشاور الاماراتي مع مصر في تحركات إقليمية تمس أمن الأخيرة القومي المباشر٬ بما في ذلك الأوضاع بشرق ليبيا. وفي هذه المرة، لم تكن الوساطة الإماراتية لتجدي، وهو ما اضطر دياب لتنفيذ ما طُلب منه. ثم أُخلى سبيله في العاشر من أكتوبر بالعام نفسه.
تضمن المطلوب من دياب٬ بحسب نفس المصدر الحكومي٬ تبرعًا ثابتًا لـ«تحيا مصر»٬ بالإضافة إلى تنازل عن مساحات من الأراضي. كما أضاف المصدر وغيره من المقربين من الأسرة أن التسوية تضمنت التنازل عن حصصه في «المصري اليوم».
التوقيفات شملت أيضًا رجل الأعمال المثير للجدل رجب السويركي٬ صاحب محلات «التوحيد والنور» المنتشرة فروعها في القاهرة الكبرى٬ تحت عنوان اتهامات بـ«تمويل جماعة إرهابية»، وذلك قبل نحو أسبوعين من توقيف صفوان ثابت. وفي أبريل 2021، أُدين السويركي في قضية مختلفة تتعلق بعدم اتخاذ احتياطات الأمن الصناعي في بعض فروع «التوحيد والنور»٬ وصدر بحقه حكم قضائي لثلاثة أشهر وغرامة 30 ألف جنيه. غير أن إغلاق العدد الأكبر من فروع المحلات أثار علامات استفهام حول تفاصيل القصة.
خرج السويركي أواخر يونيو الماضي، وذلك بعد التنازل عن أموال جرى التحفظ عليها في منازل خاصة به ومنازل معاونين له٬ بالإضافة إلى التنازل عن أصول شملت عددًا من المحال والأراضي٬ وذلك بحسب المصدر الحكومي وآخر مطلع على تفاصيل القضية.
التوقيفات طالت رجال أعمال أكثر قربًا من السلطات؛ في يناير من العام الحالي٬ قررت محكمة النقض تخفيف الحكم الصادر بحق حسن راتب٬ رجل الأعمال الذي يدير لأكثر من عقدين مشروعات كبيرة في سيناء٬ إلى ثلاث سنوات وغرامة مليون جنيه٬ بتهمة تمويل أعمال تنقيب غير قانونية عن الآثار تم توقيفه بدعواها في صيف 2021. وبحسب أوراق القضية التي حصل عليها «مدى مصر»٬ كانت هناك شراكة بين راتب ومَن وصفوا أثناء التحقيقات بـ«الشخصيات الهامة» منها مَن ينتمي لـ«عائلة سيادية» في مصر٬ بالإضافة إلى شخصيات إماراتية٬ لاستخراج الذهب في أسوان.
وبحسب المصدر الحكومي٬ تنازل راتب عن حصص حاكمة ببعض استثماراته في سيناء٬ من بينها مصنع «أسمنت سيناء»٬ لصالح شركائه من الجهات السيادية.
أما محمد الأمين٬ رجل الأعمال وصاحب مجموعة قنوات خاصة منها «سي بي سي»٬ وعضو مجلس أمناء صندوق «تحيا مصر» بتعيين من الرئيس في 2014، فقد جرى توقيفه في يناير 2022 بتهمة الاتجار في البشر٬ حيث وُجهت بحقه اتهامات النيل جسديًا من فتيات قاصرات في مركز إيواء كان قد أنشأه ويقع تحت إشراف وزارة التضامن الاجتماعي٬ وصدر بحقه حكم بالحبس ثلاث سنوات بدأ في تنفيذه في سجن وادي النطرون ثم نُقل لمستشفى السلام للعلاج من السرطان لتوافيه المنية في ديسمبر من ذات العام.
وبحسب رجل أعمال على معرفة ببعض ملابسات توقيف راتب والأمين٬ فإن التهم المدعى بها ليست جديدة من حيث وقوعها المفترض «بالتالي السؤال لماذا الآن» ويتابع تساؤلاته: «هل جاء ذلك تاليًا لاتصالات أجراها الأمين مع بعض الجهات في الإمارات دون الإخطار بشأنها للجهات المعنية في القاهرة مما تسبب في النظر إليه على أنه متورط في التعاون مع أبو ظبي بالتزامن مع جفوة بين الأخيرة والقاهرة؟» ويضيف: «بالطبع هذه كلها قضايا مختلفة تمامًا٬ فلا يمكن مقارنة قضية صفوان ثابت بقضية محمد الأمين أو حسن راتب علي سبيل المثال لأن صفوان لم يكن على علاقة وثيقة بالنظام مثل الأمين وراتب. السياق الوحيد الذي يجمع هؤلاء أنهم رجال أعمال وجرى توقيفهم في توقيتات متقاربة تزامنت مع الأزمة الاقتصادية».
قائمة رجال الأعمال الذين تحركت ضدهم قضايا في الفترة الأخيرة شملت أيضًا أحمد العزبي٬ أحد مالكيّ سلسلة صيدليات العزبي٬ الذي تعرّض للتوقيف في سبتمبر من العام الماضي حيث اقتُيد إلى مقر أحد الجهات الأمنية ليواجه بإمكانية تحريك تهم تأخر مديونيات بحقه. العزبي عاد إلى منزله في ذات اليوم بعد أن أقر بأمرين أولهما التعهد بسرعة تحريك التفاوض عن نسبة من أعماله، والثاني تمرير محاميه تبرع سريع لأحد الجهات الحكومية٬ وذلك بحسب المصدر الحكومي.
اختار العزبي التعامل مع الأمر بهدوء فخرج على شاشات البرامج الحوارية لينفي توقيفه أو تعرضه لأي ضغوط. وفي أوائل مايو الماضي٬ أعلن صندوق مصر السيادي شراكة مع «صيدليات العزبي» لإنشاء شركة جديدة «لتقديم خدمات لوجستية وإدارية للمؤسسات الصيدلية، وخدمات توزيع وتجارة الأدوية». بحسب مداخلة العزبي مع برنامج «الحكاية»، أصبح الصندوق السيادي شريكًا بـ49% في الشركة الجديدة٬ بينما احتفظ العزبي بالباقي. وكان المستشار القانوني للصندوق السيادي قد أوضح لـ«مدى مصر» أن الشراكة الجديدة تضمن تسديد ديون العزبي التي قدّرها بنحو 400 مليون جنيه.
وبحسب أحد المصادر القريبة من دائرة العزبي مباشرة فإنه «يعرف تمامًا كيف تُدار الأمور٬ فهذا الرجل له صلات بشخصيات رفيعة في دوائر السياسة والأمن منذ سنوات، وكان يستضيف في مكتب له في مصر الجديدة شخصيات سياسية ورسمية٬ منها قيادات أمنية رفيعة٬ لنقاشات موسعة حول الشأن العام. واستمر على هذا النحو حتى نهايات 2016 عندما توقف عن استضافة مثل هذه الجلسات التي حضرها في السنة السابقة عددٌ من المرشحين الرئاسيين الذين شاركوا في الانتخابات التنافسية الوحيدة التي شهدتها البلاد عقب ثورة يناير في ربيع 2012. العزبي أيضًا، له صلات تعاون من خلال عمليات التوزيع للأدوية مع كبرى شركات الأدوية في مصر وعدد من الدول العربية وله صلات واسعة في دول الخليج العربي. بالتأكيد في مساحات الأعمال الكبيرة تكون هناك معاملات مالية مفتوحة وربما ديون مستحقة لهذا البنك أو ذاك٬ ولكن هذا ليس بالأمر غير الاعتيادي. السؤال هو ما الذي حدث فجأة حتى تتحرك الدولة ضد الرجل المعروف بدائرة صلاته الواسعة».
مصدر آخر سبق له العمل المحاسبي في سلسلة العزبي قال إن الأمر يتعلق بما قام به صاحب سلسلة الصيدليات مبكرًا عندما استشعر أن الحكم «حاطط عينيه» على شركات معينة وقرر إخراج الجزء الأكبر من أمواله خارج مصر في خطوة استباقية لمطالب مشاركة تقدمت بها «جهات رسمية»٬ شملت إلى جانب التبرعات٬ الموافقة على بيع بعض أصول نشاطات العزبي لشركة تابعة للدولة ثم باعتها الأخيرة بمكسب أكبر لمستثمر خليجي.
دفع هذا الوضع البعض الآخر إلى إيجاد مخارج من ثنائية الدفع أو التوقيف. اتخذت مثلًا شركتا «النساجون الشرقيون» و«الصناعات الغذائية العربية دومتي» مسارًا بديلًا ببيع حصة شركتيهما إلى شركتين مؤسستين في الخارج٬ مع المشاركة بالحصة في الشركتين الموجودتين خارج مصر.
وبقي في المشهد الجامع مع أصحاب السلطة قليل من رجال الأعمال، منهم صافي وهبة، المرتبط بعلاقة نسب مع السيسي، والذي زاد نشاطه في مجال العقارات في السنوات الأخيرة، بعد ارتباط اسمه في مجال الأعمال بالتوكيلات التجارية، وإبراهيم العرجاني، رجل الأعمال السيناوي الذي يُدير شركة أبناء سيناء متعددة الأنشطة٬ والذي عينه السيسي العام الماضي عضوًا بمجلس إدارة الجهاز الوطني لتعمير سيناء٬ وهشام طلعت مصطفى٬ الذي يترأس مجموعة «طلعت مصطفى» التي طورت منشآت سياحية وتجمعات عمرانية هامة٬ والذي عفى عنه السيسي في 2017 بعد صدور حكم ضده بالسجن لمدة 15 عامًا في جريمة قتل سوزان تميم٬ ومحمد أبو العينين٬ الذي يترأّس شركة «كليوباترا جروب» ويعمل في الصناعة والتجارة ويملك مجموعة «صدى البلد» الإعلامية المؤيدة للسيسي.
تقارير ذات صلة
كعكة الدواء بين «العزبي» و«السيادي»
أعلن صندوق مصر السيادي، الاثنين الماضي، عن شراكة مع صيدليات العزبي، وشركة «بي انفستمنتس»
«التحالف الوطني» وتأميم العمل الأهلي
يتمحور عمل التحالف حول: جمع المعلومات، جمع الأموال، توفيق الأوضاع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن