تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
فقط سبعة أيام لإتمام الحق الدستوري بـ«استئناف الجنايات» بعد عقد من التجاهل

فقط سبعة أيام لإتمام الحق الدستوري بـ«استئناف الجنايات» بعد عقد من التجاهل

كتابة: رنا ممدوح 15 دقيقة قراءة

بعد تجاهل استمر عشر سنوات، المدة التي حددها دستور 2014 لأحد الالتزامات الدستورية، والذي يٌدخل تغييرًا كبيرًا في نظام التقاضي في مصر، وجدت الحكومة ومجلس النواب أنفسهم مضطرين لاستعجال إقراره وتنفيذه دون استعدادات ملائمة. ولهذا، تقدمت الحكومة بمشروع قانون وافق عليه مجلس النواب وصدّق عليه الرئيس عبدالفتاح السيسي وبدأت المحاكم تنفيذه. هكذا، وخلال أسبوع واحد فقط، الأسبوع الأخير من مهلة السنوات العشر، تغيّر نظام التقاضي في مصر.

الالتزام الدستوري يخلق درجة تقاضي جديدة لقضايا الجنايات، لتحظى بحق الاستئناف أمام محاكم جديدة تعمل كمحاكم استئناف جنايات، أسوة بمثيلاتها في قضايا الجنح، على عكس النظام القديم، والذي يجعل من أحكام الجنايات أحكامًا نهائية لا يُطعن عليها سوى أمام محكمة النقض.

في البداية، أعدت الحكومة قانون تنظيم هذا الحق ليسري بداية من أكتوبر المقبل. لكن مجلس النواب رفض هذا ليوافق، خلال ساعات، على إقراره في موعده الدستوري. في اليوم ذاته، صدّق السيسي على القانون ليصدر برقم 1 لسنة 2024، لتقوم محاكم الاستئناف بتنفيذه في اليوم التالي بإنشاء محاكم الجنايات المستأنفة.

قضاة ومحامون شرحوا لـ«مدى مصر» كيف أضاعت السلطات الثلاث سنوات المهلة التي منحها لها الدستور لبناء مقار المحاكم الجديدة، وإعداد كوادر قضائية، وتعيين موظفين معاونين لهم في المهمة القضائية الجديدة، ليهرولوا في الساعات الأخيرة لاستيفاء الإلزام الدستوري بشكل وصفته بعض المصادر بأنه استيفاء «على الورق فقط» -دون قضاة ومحاكم جديدة- خوفًا من الوقوع في أزمة دستورية تهدد صحة إجراءات سجن جميع المحبوسين على ذمة محاكم الجنايات. 

البداية كانت في 11 يناير الجاري، حين أحال رئيس مجلس النواب مشروع قانون تسلمه من الحكومة لتعديل قانون الإجراءات الجنائية إلى لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بالمجلس، وذلك لتنظيم آلية استئناف الأحكام الصادرة من محاكم الجنايات، وإقرارها بداية من العام القضائي المقبل الموافق الأول من أكتوبر المقبل، وليس بداية من 18 يناير الجاري كما ألزم الدستور (تاريخ انتهاء مهلة السنوات العشر من تاريخ العمل بدستور 2014).

بررت الحكومة، على لسان عضو المكتب الفني لوزارة العدل، المستشار ضياء عابد، خلال الاجتماع الذي عقدته اللجنة يوم السبت 13 يناير، رغبتها في انتظار العام القضائي المقبل بأن تطبيق الإلزام الدستوري يحتاج إلى دراسة ومراجعة الأعمال التحضيرية للجنة الخمسين التي أعدت الدستور، للوقوف على طبيعة المدة الزمنية الموجودة في المادة 240 منه، وما إذا كان تطبيقها ملزمًا بعد مدة عشر سنوات من تاريخ إقرار الدستور من عدمه. لكنه استدرك -ردًا على تأكيدات مستشار رئيس مجلس النواب، محمد عبد العليم كفافي، ونواب باللجنة- بأن الأحوط هو تنفيذ القانون بداية من 18 يناير الجاري، قائلًا إنه «لو المجلس عايز يضع الحكومة أمام الأمر الواقع فإن الحكومة مستعدة لذلك».

وإزاء إصرار ممثل وزارة العدل على تطبيق القانون في أكتوبر المقبل، أيدت اللجنة التشريعية موقف وزارة العدل لكونها الجهة القائمة على تطبيق القانون، ووافقت على تأجيل ا«استئناف الجنايات»، وأحالت المشروع إلى الجلسة العامة.

على مدار يومين، 15-16 يناير، ناقشت الجلسة العامة لمجلس النواب مشروع القانون، وتعمد رئيس المجلس مبارزة وزيري العدل وشؤون مجلس النواب وإحراجهما قانونيًا أكثر من مرة، لإثبات عدم صحة رأيهما في ما يتعلق بالموعد الدستوري لتطبيق الاستئناف على أحكام الجنايات، وفي ما يتعلق بتعديلات أخرى في القانون، من بينها ضرورة استطلاع رأي المفتي في أحكام الإعدام مرتين. وانتهت جلستا «النواب» بالموافقة على إنشاء محاكم الجنايات المستأنفة، ليس في غضون عشرة أشهر كما طلبت الحكومة، وإنما في غضون 48 ساعة، دون حديث عن مدى توافر القضاة والموظفين المعاونين لهم، ولا عن قاعات المحاكم اللازمة لعمل المحكمة الجديدة على آلاف الأحكام الصادرة عن محاكم الجنايات الحالية، وضمانات تحقيق تلك المحكمة للدور المنوط بها في إرساء العدالة وعدم إطالة أمد التقاضي.

على عكس استحقاقات دستورية أخرى تجاهلت الحكومة والبرلمان إقرارها في المواعيد التي حددها الدستور، مثل قوانين إنهاء ندب القضاة والعدالة الانتقالية والإدارة المحلية التي ألزم الدستور بإصدارها خلال مهلة لا تتجاوز خمس سنوات من تاريخ العمل به (انتهت في 18 يناير 2019)، سارعت الحكومة والبرلمان لإقرار قانون «الاستئناف على أحكام الجنايات»، الذي ألزم الدستور في مادتيه 96 و240 بتنظيمه وتوفير الإمكانيات المادية البشرية الخاصة به خلال عشر سنوات من سريانه. الدافع كان تفادي بطلان المحاكمات وإجراءات حبس المتهمين أمام محاكم الجنايات وتجنب دعاوى تعويض وعدم دستورية لا حصر لها، بحسب النائب الأول السابق لرئيس محكمة النقض، المستشار أحمد عبد الرحمن، والذي أوضح لـ«مدى مصر» أن الدستور أقر حق المتهمين في الاستئناف على أحكام الجنايات منذ 2014 وأعطى للسلطة مهلة لتنظيم هذا الحق عشر سنوات، وبالتالي يصبح من حق جميع المتقاضين أمام الجنايات المطالبة بهذا الحق بداية من 18 يناير الجاري. ومن ثم، بحسب عبد الرحمن، كان تفويت فرصة إقرار القانون في موعده يعني فتح الباب أمام عدد لا نهائي من الطعون في صحة إجراءات المحبوسين على ذمة محكمة الجنايات وبطلان المحاكمات أمامها وعدم دستورية مواد بقانون الإجراءات الجنائية.

ويعني استئناف الجنايات أن التقاضى فى قضايا الجنايات أصبح على درجتين، وذلك بعد أن كان على درجة واحدة حيث كان حكم «الجنايات» ينفذ فورًا وبلا إعادة النظر فيه. يشرح عبد الرحمن أن المتهم، قبل إقرار الاستحقاق الدستوري الأخير، لم يكن أمامه فرصة للطعن على أحكام «الجنايات» إلا باللجوء إلى محكمة النقض، التي تتولى مراجعة الحكم، وتأييده ليصبح بعدها الحكم نهائيًا باتًا، أو إلغائه، وعندها كانت تحال القضية إلى محكمة الجنايات لتنظر فيها من جديد (تستمع للشهود وتفض الأحراز، ..)، قبل تعديل هذا المسار بموجب تعديلات أُدخلت على قانون «النقض» لتبدأ في التصدي والتحقيق في القضايا بنفسها.

وأوضح النائب الأول السابق لـ«النقض» أنه، بموجب القانون الجديد، سيعاد النظر في القضية من جديد، بعد صدور حكم «الجنايات» فيها، أمام محكمة الجنايات مستأنف، على عكس محكمة النقض التي تختص بالنظر في العيوب القانونية للحكم وليس في موضوع القضية.

أضاف كذلك أن طبيعة محكمة النقض التي تراقب على تنفيذ القوانين كانت تعني أن المتهم في  الجنايات لا يتمتع باستئناف الحكم على عكس قضايا الجنح، مشيرًا إلى أن القانون الجديد يحقق مزيدًا من العدالة ومزيدًا من الضمانات لأن محكمة أول درجة جنايات يمكن أن تُخطئ، ليتم تدارك الخطأ في محكمة ثاني درجة الاستئنافية.

على غرار عبد الرحمن، اتفق قضاة ومحامون على أن الاستئناف على أحكام الجنايات يمثل ضمانة لتحقيق العدالة وفرصة ثانية لإعادة النظر في العقوبات المقررة على المتهمين، والتي قد تصل إلى الإعدام. غير أنهم اتفقوا على أن الطريقة التي أقرت بها التعديلات تجعلها أقرب إلى مصادرة هذا الحق من تنظيمه.

رئيس مؤسسة دعم العدالة، ناصر أمين، قال إن القانون الذي طبقته محكمة الاستئناف بتحويل 29 دائرة جنايات بمحاكم الاستئناف إلى دوائر جنايات مستأنف لا يحقق مفهوم التقاضي على درجتين، والمتعارف عليه بموجب المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والذي يلزم بأن تكون الدرجة الثانية للتقاضي أمام محكمة أعلى، حتى يتمتع المتهم بنظر قضيته أمام محكمة أعلى فنيًا. لكن الاستعجال التي طُبّق به القانون يجعل من الشكل الحالي للاستئناف إطالة لأمد التقاضي أكثر منه ضمانة للمتهم، طبقًا له.

يتفق، مدير مؤسسة الحق لحرية الرأي والتعبير، المحامي طارق خاطر، حيث أكد لـ«مدى مصر» أن التطبيق الفوري للتعديلات لن يضيف جديدًا إن لم يؤد إلى مشاكل عملية، متسائلًا: «ما فائدة أن نأخذ القاضي نفسه الذي يصدر أحكام الجنايات ليكون القاضي الذي ينظر في الطعن عليها».

وأوضح خاطر أن النظام القضائي المصري بجميع أنواعه يتبع قاعدة التقاضي على درجتين: الجنح يُطعن على أحكامها أمام الجنح المستأنف، والمدني الجزئي أمام مستأنف كلي، والمدني الكلي أمام الاستئناف العالي، لافتًا إلى أن محكمة الجنايات كانت الاستثناء الوحيد لهذه القاعدة، فكانت تتبع محاكم الاستئناف (المحاكم التي تتولى الدرجة الثانية من التقاضي) بوصفها محكمة تصدر أحكامًا نهائية، وذلك بعد أن تحيل لها النيابة العامة المتهم بعد القبض عليه والتحقيق معه وتوجيه الاتهام له، لتقوم الجنايات بإصدار حكم نهائي عليه دون وجود فرصة لمراجعة هذا الحكم أمام درجة تقاضي ثانية.

وأضاف خاطر أنه على الرغم من أن القانون الجديد خلق تلك الدرجة إلا أنه نزع عنها جدواه والتي تتطلب أن تكون محكمة استئناف الجنايات محكمة أعلى تضم قضاة أكثر خبرة وأكبر سنًا.

وقال خاطر إنه في محكمة الجنح نكون أمام قاض واحد مقابل ثلاث قضاة في الجنح المستأنف، وفي القضايا المدنية نستأنف أحكام المحكمة الكلية أمام دائرة استئناف عال تضم قضاة أكبر سنًا وخبرة، متسائلًا: «لو كانت الدرجة الثانية أمام نفس عدد القضاة والخبرة كما حادث الآن فما هو الدور الرقابي المنتظر على أحكام الجنايات؟». وحتى في حال اختيار القضاة أصحاب الأقدمية لترأس دوائر الاستئناف في الجنايات، فهم في النهاية من كانوا يفصلون في القضايا باعتبارهم قضاة أول درجة، مشيرًا إلى أنه «لم نسمع أن القضاة حصلوا على تدريب تأهيلي لسد الفجوة بين أحكام الجنايات والنقض».

وأصدر رئيس محكمة استئناف القاهرة، المستشار محمد عامر جادو، بوصفه رئيس مجلس رؤساء محاكم الاستئناف، عقب تصديق رئيس الجمهورية على القانون، قرارًا بتخصيص 29 دائرة استئنافية للبت في الأحكام الصادرة من دوائر الجنايات الأخرى. وألزم جادو الدوائر الاستئنافية بإحالة القضايا وطلبات تجديد الحبس الاحتياطي المنظورة أمامها باعتبارها محكمة أول درجة إلى الدوائر الأخرى.

وحدد القانون الجديد المستفيدين من الطعن على أحكام الجنايات في الدعاوى التي لم يفصل فيها من محاكم الجنايات اعتبارًا من تاريخ سريان هذا القانون في 18 يناير الجاري، وهو ما اتفق أمين وخاطر على أنه يمثل مخالفة كبيرة وإهدار لحقوق المتهمين الصادر ضدهم أحكامًا من محاكم الجنايات، التي لا تزال منظورة أمام محكمة النقض ولم يبت فيها أيضًا، مشددين على أنه انطلاقًا من قاعدة تطبيق القانون الأصلح للمتهم، كان يجب مساواة القضايا التي تنظرها محكمة النقض في أمور الجنايات مع القضايا المنظورة أمام الجنايات طالما لم يبت فيها قبل إصدار القانون الجديد.

نفس الرأي أيده مصدر قضائي بمحكمة النقض تحدث إلى «مدى مصر» بعدما اشترط عدم ذكر اسمه، مشددًا على أن تنفيذ الاستحقاق الدستوري بتمكين المواطنين من الطعن على أحكام الجنايات يستوجب معه عودة محكمة النقض إلى وظيفتها، وإلغاء التعديلات التي أقرها رئيس الجمهورية على قانونها منذ 2017، والتي تلزم النقض في حال قبول الطعن في أحكام الجنايات بأن تباشر بنفسها التحقيق والفصل في القضية وألا تعيدها إلى محكمة الجنايات مرة ثانية.

وأضاف المصدر أنه حتى تقرر الحكومة والبرلمان والرئاسة تصويب هذا الأمر وإعادة محكمة النقض إلى دورها كمحكمة قانون وليس محكمة موضوع تستمع إلى الشهود وتفض الأحراز، كان يجب أن يتضمن قانون استئناف الجنايات النص على اختصاص الدوائر الجديدة بنظر الطعون المقامة على أحكام الجنايات، والتي لم تبدأ النقض نظرها، مشددًا على وجود طعون مكدسة أمام النقض منذ 2017 بسبب رفض كثير من قضاة المحكمة ضمنيًا تنفيذ القانون.

وكان الرئيس السيسي عبر أكثر من مرة عقب اغتيال النائب العام السابق، هشام بركات، عن عدم رضاه عن مسار العدالة الناجزة، معتبرًا أن القضاء لن يستطيع التعامل بالحسم اللازم في ظل القوانين الحالية، قائلًا إن «يد العدالة الناجزة مغلولة بالقوانين»، قبل أن يجدد طلبه بتعديل تلك القوانين وعلى رأسها الإجراءات الجنائية. بعدها، مرر مجلس النواب في أبريل 2017 مقترحًا لعضو ائتلاف «دعم مصر» الموالي للدولة وقتها، النائب صلاح حسب الله، بتعديل أربعة قوانين، من بينها حالات الطعن أمام «النقض»، ليتضمن إلزام المحكمة في حال قبولها الطعن على أي من أحكام «الجنايات» أن تباشر محكمة النقض بنفسها التحقيق والفصل في القضية، وألا تعيدها إلى محكمة الجنايات مرة ثانية، وهو القانون الذي اعترض عليه عدد من قضاة النقض وقتها، بل وقررت إحدى دوائر المحكمة توثيق رفضها لتنفيذ القانون عبر إصدار حكم قضائي أكدت خلاله على أن القانون يجردها من وظيفتها الأساسية في مراقبة تطبيق القوانين فضلًا عن أنها غير قادرة على نظر كل القضايا التي تلغى فيها أحكام محكمة الجنايات.

وانتقد المحامون كذلك التعديلات الجديدة لقانون الإجراءات الجنائية في ما تضمنته من النص على أن الاستئناف على الحكم لا يوقف تنفيذه، وفي الوقت نفسه عدم النص صراحة على عدم جواز تجاوز مدد الحبس الاحتياطي التي لا تزيد عن سنتين للمتهمين أمام الجنايات المستأنفة أو آليات تعويضهم. وبحسب خاطر، وبموجب التعديلات، فإن كل المحبوسين من قبل النيابة أو بحكم من محكمة الجنايات سيظلون قيد الحبس رغم أن حكم «الجنايات» أصبح حكم أول درجة وليس نهائيًا كما كان في السابق. وشدد خاطر على أن هذا الأمر يفرغ القانون الجديد من جدواه، ويجعل الضمانات التي يتمتع بها المتهم أمام محكمة الجنح أكبر من مثيلاتها للمتهم أمام الجنايات، مشيرًا إلى أن الصادر ضده حكم من الجنح يمكنه دفع كفالة لوقف تنفيذ الحكم، وبعدها يظل مطلق السراح حتى يتقدم باستئناف على الحكم أمام الجنح مستأنف لتفصل فيه الأخيرة، وذلك على عكس المتهم بالجنايات الذي نص القانون الجديد على أن استئنافه على حكم أول درجة لا يوقف تنفيذه.

ومن ثم، بحسب خاطر، «لو متهم محبوس احتياطيًا على ذمة قضية أمام الجنايات وأصدرت محكمة أول درجة حكمًا بإدانته وحبسه، قبل القانون كان المتهم سيظل محبوسًا حتى تنظر محكمة النقض في أمره، وبعد القانون سيظل محبوسًا أيضًا حتى بعد أن يطعن على الحكم خلال 40 يومًا من صدوره أمام الجنايات مستأنف لحين الفصل في طعنه، وإذا قضت المحكمة الاستئنافية ببراءته بعد ذلك لن يكون لهذا المتهم الحق في الحصول على تعويض عن مدة حبسه على ذمة القضية».

أما أخطر مواد القانون الجديد، كما اتفق المحامون، فكانت التعديلات التي أدخلت على قانون الإجراءات الجنائية في ما يتعلق بالأحكام الغيابية، والتي تصادر حق المحاكمة العادلة كليًا. يشير المحامي عصام الإسلامبولي إلى أنه في ظل الممارسات الحالية واستخدام الحبس الاحتياطي كعقوبة، وتدوير المتهمين في قضايا جديدة بنفس الاتهامات للإبقاء عليهم داخل السجون أطول فترة ممكنة دون محاكمة، جاء القانون الجديد ليعطي للنيابة سلطة الاستئناف على الأحكام الغيابية الصادرة من محاكم الجنايات، سواء كانت بالإدانة أو البراءة، ما من شأنه أن يحرم المحكوم عليه (الهارب) من حق المحاكمة العادلة كليًا إذا صدر حكم أول درجة وتم تأييده من محكمة الجنايات المستأنفة دون علم المتهم، وأصبح مدانًا بحكم نهائي وبات.

اللافت في هذا التعديل أن الحكومة استجابت خلال مناقشة تلك المادة بمجلس النواب لمقترح وكيل لجنة حقوق الانسان، أيمن أبو العلا، بقصر سلطة النيابة في الاستئناف على الأحكام الغيابية الصادرة بالبراءة فقط، وهو ما وافق عليه وزير العدل بعدما برر أبو العلا مقترحه بأنه فى حال صدور حكم من الجنايات أول درجة بإدانة متهم غيابيًا، يستطيع هذا المتهم فور علمه بالحكم عمل إعادة إجراءات في الحكم الغيابي، وبالتالي يسقط ذلك الحكم وتعيد محكمة أول درجة نظر القضية من جديد. لكن إذا قامت النيابة العامة باستئناف الحكم الغيابي على المتهم أمام الجنايات المستأنفة، ستكون هناك دعويين منظورتين بذات الموضوع أمام محكمة أول درجة (مع قيام المتهم بالطعن على الحكم الغيابي) وأمام محكمة الجنايات المستأنفة (مع استئناف النيابة). وأضاف أبو العلا: «فلو افترضنا أن محكمة الاستئناف نظرت وقضت في طعن النيابة العامة ثم جاء المتهم وعمل إعادة إجراءات وسقط الحكم الغيابي»، متسائلًا: ما مصير حكم محكمة الاستئناف؟ وهل سيتم إعادة نظر القضية من جديد، وتعطيل وقت القضاء والمتقاضين؟

ورغم اقتناع وزير العدل برأي أبو العلا، إلا أن وكيل اللجنة التشريعية بالنواب، إيهاب الطماوي، تدخل ليطالب بالإبقاء على سلطة النيابة في الاستئناف على الأحكام الغيابية الصادرة من محكمة الجنايات أيًا ما كانت دون تعديلها، مبررًا بوجود أحكام صادرة بالإدانة ولكن ليست بالعقوبة المناسبة للجرم أو كان الحكم بعدم الاختصاص وغيرها من الحالات القانونية، متسائلًا: «لماذا أمنع النيابة من حقها وحق المجتمع بالتقدم بطعن كافة الأحكام». الإسلامبولي، من جانبه، اعتبر أن هذا يستهدف بالأساس تفويت الفرصة على أي إجراءات قانونية تحيل دون تحصين الأحكام الغيابية الصادرة بمصادرة أموال أعضاء جماعة الإخوان وأيلولتها للخزانة العامة للدولة.

وانتقد الاسلامبولي كذلك المواد الخاصة بحق المتهم في وجود محامي يدافع عنه، موضحًا أن مشروع القانون تضمن انتهاك الحق في الدفاع في مادتيه 375 و419 مكرر 9، حيث أعطت المادة الأولى لـ«النيابة العامة أو قاضى التحقيق، أورئيس محكمة الجنايات بدرجتيها أن ينتدب محاميًا للدفاع عن المتهم» وذلك دون اشتراط موافقة المتهم، ومنحت المادة الثانية للمحكمة كذلك إذا تخلف المتهم أو محاميه بغير عذر عن الحضور في الجلسة المحددة لنظر استئنافه أو في أي جلسة تالية الحق في أن «تندب له محاميًا للدفاع عنه وتفصل في الاستئناف» وذلك دون موافقة المتهم أو علمه أيضًا، وهو ما يخل بضمانات المحاكمة العادلة.

من جانبه، قال المحامي حسن الأزهري إن القانون الذي أقره البرلمان ونفذته السلطة القضائية في 48 ساعة لا يمكن فصله عن السياق القانوني والدستوري الذي نعيش فيه خلال السنوات السبع الماضية. «تعودنا على طرح قوانين إجرائية هامة على البرلمان في يوم ونصف»، يقول الأزهري، ما اعتبره «ترسيخ لمبدأ أنه لا توجد مبادئ قضائية أو دستورية عصية على التعديل». 

يعتبر الأزهري أننا «في مرحلة التشريع بالقطعة»، حيث تجاهلت السلطة غالبية الاستحقاقات الدستورية التي ألزم الدستور بتنفيذها في مواعيد محددة. وحتى عندما قررت تنفيذ الإلزام الدستوري الخاص بالاستئناف على أحكام الجنايات، تجاهلت أخذ رأي المشتغلين بالقانون من قضاة ومحامين وقررت إقرار الأمر في ساعات معدودة دون حوار مجتمعي أو نقاش معمق حول فلسفة التعديل.

الرأي نفسه أيده المحامي مالك عدلي، مشددًا على أن مجلس النواب أقر القانون دون أن يكلف أيًا من أعضائه أنفسهم عناء سؤال وزير العدل عن مدى توافر القضاة والموظفين وقاعات المحاكم للمحكمة الجديدة، ومدى تأثيرها على عمل محاكم الجنايات، في ظل اتباع قاعدة «الكراسي الموسيقية» بتخصيص قضاة من الاستئناف للمهمة الجديدة.

وتشهد محكمة الاستئناف بالفعل ضغوطًا بسبب توليها مسؤوليات مختلفة تتجاوز اختصاصاتها المعتادة. على سبيل المثال، أقر السيسي قانونًا في 2016 لنقل اختصاص الفصل في الطعون على أحكام محكمة الجنح المستأنفة من محكمة النقض إلى محاكم الجنايات لمواجهة تكدس القضايا أمام النقض، بعد أن وصل عدد الطعون على أحكام الجنح أمامها إلى 400 ألف طعن، وذلك لمدة ثلاث سنوات قبل أن يمدها ثلاث سنوات جديدة تنتهي في أكتوبر 2025.

الرأي نفسه أيده النائب الأول السابق لرئيس محكمة النقض، موضحًا أن الحكومة أخطأت في تأخير صدور القانون وإقراره دون مرحلة انتقالية تضمن عدم تكدس القضايا أمام محاكم الجنايات. وأضاف أن الاستئناف على أحكام الجنايات حق مطبق في كثير من دول العالم، ومن بينها الكويت والإمارات وغيرهما، لكن كان يتعين على الحكومة التأكد من توافر عناصره، خصوصًا وأن كثير من المحاكم تعقد جلسات صباحية ومسائية لمواجهة الزحام وتكدس القضايا، وسكرتارية المحاكم يفترشون الأسطح لعدم توافر أماكن لهم.

هذه الضغوط تنسحب على كافة جوانب التقاضي في مصر. يعد قلة عدد القضاة أحد أبرز الأسباب التي تؤدي إلى بطء التقاضي وعدم تنفيذ العدالة الناجزة، حيث يبلغ متوسط عدد القضاة بالنسبة لعدد المواطنين في مصر أقل من نصف المتوسط العالمي، بحسب تصريحات سابقة لوزير العدل، عمر مروان.

في الوقت ذاته، أكد رئيس إحدى محاكم الاستئناف لـ«مدى مصر» اعتراضه على كثير من مواد القانون التي وصفها بغير الدستورية، غير أنه أكد في الوقت نفسه أنه وزملائه مجبرون على تنفيذ القانون.

عن الكاتب

رنا ممدوح

صحفية مصرية متخصصة في الشؤون القضائية والبرلمانية.  عملت لصالح عدد من الصحف المصرية والعربية، منها «الدستور»  و«التحرير» و«المقال» و«الأخبار» [اللبنانية] و«السفير العربي». وذلك بالإضافة إلى عملها كمراسلة لوكالة الأنباء الروسية…

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن