فى أقل من عام، تستقبل قاعات مجلس الشورى مجدداً أعضاء لجنة كتابة الدستور المعروفة إعلاميا بـ"لجنة الخمسين" و المنوط بها إدخال التعديلات النهائية على دستور 2012 الذى هيمن ممثلوا التيار الإسلامى على لجان تأليف مواده و صياغتها.
فوفقا للإعلان الدستورى الصادر عن الرئيس المؤقت عدلى منصور، عقب الإطاحة بنظام الرئيس السابق محمد مرسى، ستقوم اللجنة بالنظر فى ما توصلت إليه لجنة العشرة.
و من المنتظر أن تقوم لجنة الخمسين بوضع مشروع لدستور جديد و المقرر طرحه للإستفتاء العام في غضون شهرين من الآن. لكن يبدو أن كل من تشكيل اللجنة و ما حصلت عليه من توصيات لجنة عشرة خبراءٍ أعطوا إشارة واضحة بعودة الدولة القوية، لكن بإلتزامات محدودة تجاه حقوق المواطنين الإجتماعية و السياسية، و مع إزالة التشريعات السابقة فى الدستور المعطل و التى حاول فيها الإسلاميون اكتساب قوة على حساب مؤسسات الدولة.
قراءة فى تشكيل اللجنة
منح الإعلان الدستورى رئيس الجمهورية المؤقت حق اختيار أعضاء اللجنة من بين عدة ترشيحات لجهات إختارتها مؤسسة الرئاسة نفسها لكى يتم تمثيلها فى لجنة الخمسين التى تولى رئاستها الدبلوماسى الليبرالى عمرو موسى.
فقد حازت المجالس القومية المتخصصة، و التى تقوم الدولة بتعيين قيادتها، بجانب المجالس الثقافية و الفنية و الاتحادات العمالية و الصناعية، و التى تعد جهات منتخبة يسطر عليها أنصار الفكر الليبرالى و اليسارى، على نصيب الأسد من إجمالى مقاعد اللجنة بثمانية عشرة مقعد بجانب قيام مجلس الوزراء بتعيين 10 شخصيات عامة معظمهم من رموز التيار الليبرالى، بجانب وجود ممثل عن كل من الجيش و الشرطة و ثلاثة ممثلين عن كل من مؤسسة الأزهر و الكنائس المصرية الثلاثة و اثنين من شباب حركة تمرد المناهضة لجماعة الاخوان المسلمين، لكى يصبح إجمالى عدد من يمثلون أجهزة الدولة و التيارات السياسية التى لا تتمتع بوفاق مع للتيار الإسلامى إلى 38 عضواً مع العلم أن المواد المعدلة سيتم تمريرها بموافقة 75 بالمائة من أعضاء اللجنة.
و تشهد اللجنة ندرة للتمثيل الحزبى و تحديدا التيار الإسلامى الذي حاز على مقعدين فقط، واحد منهما للمفكر الإسلامى كمال الهلباوى، المنشق عن جماعة الإخوان و الآخر لمحمد إبراهيم منصور عن حزب النور السلفى.
و يرى عمرو عدلي، الباحث فى الشئون السياسية و الإقتصادية، أن التشكيل الحالى للجنة الخمسين يعبر عن القوى الفاعلة فى المشهد المصرى و الذين حسموا المعركة مع جماعة الإخوان منذ 30 يونيو.
يقول عدلى "الدولة تحاول فرض سيطرتها مجدداً على مجريات الأمور فى مصر بقيادة الجهات القادرة على ضبط الأوضاع القانونية و السياسية الممثلة فى الجيش و الشرطة و القضاء، و من الطبيعى أن تقوم باستدعاء ممثليها و حلفائها السياسيين ليس لإقصاء التيار الإسلامى بل للضغط عليه لقبول قواعد اللعبة من وجهة نظرها".
فى ضوء التعديلات المقترحة
ستقوم لجنة الخمسين بمراجعة ما توصلت إليه لجنة الخبراء العشرة المكونة من أربعة أساتذة قانون و ستة من أعضاء الهيئات القضائية المختلفة، و التى أوصت بإلغاء 33 مادة من الدستور المعطل و تعديل 124 مادة أخرى، جاء معظمها فى صدد مواد خلافية متعلقة بشكل النظام السياسى للدولة و توزيع أدوار بعض مؤسساتها و التى كانت محض خلاف واسع بين الإسلاميين و معارضيهم من القوى المدنية و ممثلوا بعض المجالس القومية و الحكومية فى فترة كتابة الدستور المعطل و حتى عقب إقراره.
توصيات لجنة العشرة تضمنت تعديل بعض المواد التى من شأنها رفع الحرج و المسائلة عن عاتق الدولة. فعلى سبيل المثال أوصت اللجنة بإلغاء مواد تلزم الدولة بمجانية رعاية حقوق الأمومة و الطفولة و محو الأمية فى عشر سنوات من تاريخ إقرار الدستور و إلغاء أخذ رأى الأزهر فى ما يخص التشريعات التى تتعلق بالشريعة الإسلامية، بعدما كان فى السابق حق أصيل للمحكمة الدستورية العليا، لتفادى الجدل الذى حدث وقت إصدار قانون الصكوك المالية من جانب مجلس الشورى المنحل صاحب الأغلبية الإسلامية.
كما أوصت اللجنة بإلغاء مادة تتعلق بمسائلة مسئولي الدولة حال رفضهم التعاون فى مسائل متعلقة بحرية تداول المعلومات و مواد أخرى تتحدث عن توفير الدولة الرعاية الصحية و الأجر العادل لجميع العاملين بمؤسسات الدولة و القطاع العام. لكنها فى المقابل أبقت على مواد متعلقة بامتيازات القوات المسلحة و سرية مناقشة ميزانية الجيش، و أوصت بإعدة تفعيل دور المحكمة الدستورية العليا فى الرقابة اللاحقة على جميع القوانيين.
يقول عصام شيحة، القيادى بحزب الوفد " توصيات لجنة العشرة كان الهدف منها أمرين، أولهما هو الموائمة السياسية و القانونية للدولة فى بعض الأمور الخاصة بالحقوق الإجتماعية، و التى سيصعب على الدولة تحقيقها فى مدة محددة، و الثانى هو إصلاح ما أفسده المشرِّعين الإسلاميين بخصوص كيفية عمل مؤسسات الدولة و على رأسها الجهات القضائية".
و أضاف شيحة " من المؤكد أن لجنة الخمسين ستنفذ تلك التوصيات، و أتوقع أنها ستؤكد عليها، فأتوقع أن تسند تعريف الشريعة الإسلامية تحديداً الموجود فى المادة 219 من دستور 2012 إلى مؤسسة الأزهر و ليس لأفراد بلجنة دستورية مثلما حدث فى السابق".
إلى ذلك و فى حال اعتبار أن الدولة قد تمكنت من استعادة دورها كما تراه مناسب لها و لأجهزتها، يبقى السؤال الصعب و المتعلق بشكل النظام السياسى المصرى فى المستقبل القريب.
فتوصيات لجنة العشرة أوصت بعدة أمور، أبرزها عودة نظام الفردى فى انتخابات مجلس الشعب بديل عن النظام المختلط بينه و بين نظام القوائم النسبية، و هو ما تحفظت عليه كل القوى الإسلامية و معظم القوى المدنية، كما أوصت بإلغاء مادة العزل السياسى الخاصة بأعضاء الحزب الوطنى المنحل، و أيضا طالبت بالإبقاء على نظام الحكم المختلط بين النظام الرئاسى و البرلمانى الممثل فى فكرة قيام الأغلبية البرلمانية مشاركة الرئيس فى تشكيل الحكومة، لكنها فى الوقت نفسه تركت حل الأحزاب الدينية للجنة الخمسين.
لكن فى الوقت نفسه يرى شيحة أن قيام اللجنة بترك مسألة حل الأحزاب الدينية كورقة تفاوض مع تلك الأحزاب على بقائها مقابل موافقتها على بقية المواد السياسية و الأنظمة الانتخابية.
ردود أفعال اللاعبين السياسيين فى الفترة المقبلة
يرى تامر الميهى، عضو المكتب السياسي للحزب المصرى الديموقراطى الإجتماعى، أن الحديث عن تهميش أو ترويض التيار الإسلامى من الناحية السياسية لن يكون دقيق و صعب تحقيقه على الأرض.
و قال الميهى "من الصعب إبعاد التيار الإسلامى عن العملية السياسية لأنه تيار قوى و موجود و له ملايين المؤييدين...أتفهم أن المزاج السياسى العام ضدهم الآن و أن أى لجنة لتعديل الدستور تتكون من ممثلى الدولة و من قوى غير إسلامية قد تلقى تأييد من غالبية الرأى العام، لكن هذا التأييد لن يستمر إذا استمرت سيناريوهات الاستقطاب و الصراع بين القوى المدنية و الإسلامية".
و أضاف الميهى "لذا أرى أن تمثيل حزب النور بمقعد واحد فقط غير كافى، فقواعد الحزب كانت في اعتصام رابعة العدوية و اتهموا قيادتهم بالتواطؤ مع القوات المسلحة، و هو ما يعنى أن الحزب شهد جولات داخلية ساخنة، و فى النهاية المحصلة تضعه فى مأزق بين المشاركة المحدودة و بين التهميش و الاستبعاد".
فمن جانبه، يرى الميهى أن القائمين على إدارة البلاد، و تحديداً القوات المسلحة، كانت أمام خياريين، أولهما هو من البداية استمرار نظام الخلط بين القوائم و الفردي و الذى قد يأتى هذة المرة ببرلمان أغلبيته من القوى المدنية على حساب نظيرتها الإسلامية لكن فى هذه الحالة قد تطلب تلك القوة المنتصرة هامش أكبر من الديموقراطية بخصوص التعامل السياسى و الأمنى لضمان قسط كبير من الحريات فى المجال السياسي، و هو ما سوف يتحفظ عليه الجيش و الأجهزة الأمنية.
ثانيهما هو اللجوء للتحالفات القديمة الممثلة فى الاعتماد على إعادة انتخاب فلول الحزب الوطنى لما لديهم من شبكات مصالح معقدة مع كبار موظفين الدولة و المحافظات، علاوة على ضمانهم لتعاون موظف المحليات معهم بغرض حل الكثير من المشاكل الأمنية و اللوجيستية و كونهم الأفضل فى مواجهة الإسلاميين فى أى سباق انتخابى مقبل للعوامل السابق ذكرها، و هو ما سيضمن فى النهاية نظام سياسي مستقر يضمن للجيش الأطمئنان على الأوضاع الداخلية إلى حدا كبير.
و قال الميهى "أرى أن الجيش قد قرر اختيار الخيار الثانى لضمان نظام مستقر يُمَكِّنه من التحكم بزمام الأمور، لكن للأسف إذا حدث ذلك الأمر سيأتى على حساب مستقبل العمل الحزبى فى المستقبل القريب، لأن نظام القوائم يضمن تمثيل معظم الأحزاب فى البرلمان و بالتالى الخبرات السياسية تكتسب من هذا الأمر، علاوة على أن النظام الفردى فعليا يعتمد على المال السياسي و شراء الأصوات".
لكن حسن الشاذلى، عضو مجلس شعب سابق عن الحزب الوطنى المنحل دورة عام 2005، أكد أن عودة الفلول لن تكون سهلة لتلك الدرجة.
قال الشاذلى " لا أتوقع أن أرى الكثير من رموز الحزب الوطنى فى السباق البرلمانى المقبل، أنا شخصياً لن أترشح على الرغم من أنني أمتلك قاعدة واسعة فى دائرتي الانتخابية...الأمور لم تعد سهلة مثل أيام مبارك، فيوجد قطاع واسع من الشباب يرفضنا و يصفنا بالفلول مع أننا مثل أى الأحزاب، بيننا السيئ و بيننا الجيد، لكن فى النهاية أكد لك أن الأمر لن يكون بتلك السهولة.
إلى ذلك، يستنتج عدلى أن تلك النقطة مازالت تفاوضية و قابلة للحوار و لكثير من التطورات.
يقول عدلى "اعتماد النظام الفردى منذ الآن سيُأزم الوضع بصورة مبكرة، لأنه حتى الآن لم يتبين سواءاً كان ممثلوا الحزب الوطني المنحل سيخوضون الانتخابات بكثافة أم لا. ثم حتى لو افترضنا أن الفلول حققوا الأغلبية، ستكون أغلبية دون تنظيم فأين الحزب الوطنى الذى يشكل الحكومة و قتها؟ و أين جهاز مباحث أمن الدولة الذى سيضمن استقرار النظام السياسى مثلما كان الوضع عليه وقت مبارك؟ و هو ما يعنى أن نظام القوائم سيكون مهم تطبيقه أيضا لضمان تواجد عريض للقوى الليبرالية و اليسارية فى البرلمان تكون قادرة على تشكيل حكومة موحدة. لذلك أتوقع أن تقوم لجنة الخمسين بالتفاوض و مناقشة عديد من الأطراف فيما يتعلق برسم الخريطة السياسية".
ويبقى أن نرى ما إذا كانت تلك الخريطة سترسم بشكل يضمن التعددية السياسية أم لا.
تقارير ذات صلة
وقائع غير معلنة.. عن صندوق الاستفتاء
«دمج أصوات الوافدين» و«مستقبل وطن داخل اللجان» و«منع الصحفيين»… بعض مما حدث
بعضٌ من رحلات المصريين بالخارج طلبًا للتصويت: بطاقات بلا ختم «الوطنية للانتخابات» ولجان بلا «بصمة إصبع»
عبّر مَن تحدثوا إلى «مدى مصر» عن موقفهم الرافض للتعديلات، وتفضيلهم للتصويت ضدها عوضًا عن المقاطعة
استفتاء التعديلات الدستورية: تصويت ورقص و«كراتين»
مرّ أول أيام الاستفتاء على التعديلات الدستورية داخل القاهرة بهدوء.
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن