في الأغنية المصورة "إنزل وشارك" والتي أطلقتها وزارة الدفاع ضمن الحملة التي تدعو للمشاركة في الاستفتاء، يظهر شاب مبتسم وهو يردد كلمات الأغنية "دي أهم خطوة نبتدي بيها الطريق". لكن أحد أعضاء كورال دار الأوبرا المصرية الذي شارك في الأغنية يقول أن المشاركة في العمل كانت لزاماً عليه، لأن رفضه ربما يسبب له المشاكل. إلا أنه لم يشارك في الاستفتاء.
ووسط هذه الاحتفالات والضجة المثارة حول تمرير الدستور بنسبة موافقة بلغت ٩٨ في المائة، فقد انشغل أعضاء لجنة الخمسين، وشخصيات إعلامية وسياسية، بجانب بعض المعلقين بقضية عدم مشاركة الشباب في الاستفتاء.
كما تم مناقشة الأمر في اجتماع لمجلس الوزراء المصري، وفيه تم توصيف الأمر على أنها "مقاطعة" شبابية. تبع ذلك مجموعة من اللقاءات أجريت مع "ممثلين شبابيين" ليعبروا عن "أسبابهم".
وذكرت صحيفة المصري اليوم أن "جهة سيادية" اجتمعت برؤساء القنوات الفضائية وحثتهم على عدم الهجوم على ثورة الخامس والعشرين من يناير، كما أكدت عليهم أن ثورة الثلاثين من يونيو لم تقم ضد ثورة الخامس والعشرين من يناير.
وتشير تلك الإشارات إلى مخاوف جدية لدى السلطات حول هذا الأمر.
ويري آصف بيات، أستاذ علم الاجتماع ودراسات الشرق الأوسط في جامعة إلينوي، أنه نظراً للاعتقاد العام أن الشباب هم شعلة الثورة "فهم يمثلون مصدر شرعيتها."
ويقول بيات "إن غياب الشباب من المشهد العام لطوابير الاستفتاء قد أثار قلق الإعلام والنخبة السياسية الجديدة وأدهشهم."ويضيف قائلاً "أصبح للشباب قيمة كبيرة في المشهد العام رغم أنهم على وجه الخصوص ما زالوا يفتقرون للخبرة، وتحركهم العاطفة وحب المجازفة، لذا فهم في حاجة لإرشاد الجيل الأسبق."
ولم يكن هناك الكثير من الجدل الدائر حول ما تحويه مسودة الدستور خلال الأيام التي سبقت الاستفتاء، كما كان يراه الكثيرون استفتاءً على خارطة الطريق لما بعد عزل الرئيس السابق محمد مرسي.. أو أنه "عُرس" كما تناولته الكثير من القنوات المحلية. بعبارة أخرى: كان استفتاءً على شرعية النظام السياسي الحالي.
يقول المخرج مصطفى يوسف "صار الشباب في السنوات الثلاث السابقة رمزا للتغيير، لذلك أرادت الحكومة أن تحظى استحسانهم، أما الإعلام فأراد بث صور لصفوف من الشباب بوجوه جميلة باسمة ليعكس ذلك الاستحسان."
ويصف مصطفى فؤاد ذو العشرين عاماً، أحد أعضاء حملة تمرد - كما يصف نفسه- والذي لم يشارك هو الآخر في الاستفتاء، الحكومة الحالية بـ "الحكومة العسكرية"، كما أنه لا يرى أن الأمر مجرد مشاركة رمزية.
ويقول فؤاد "الحكومة الحالية "حكومة عواجيز". بالتأكيد هم يحتاجون إلى الشباب، لأن ٦٠ في المائة من تعداد السكان في مصر من الشباب وهذا ما أفزعهم. هم بحاجة إلينا رمزياً وعملياً، فكيف ستنجح مشروعاتهم إن لم تحظى دعمنا نحن الـ ٦٠ في المائة؟"
ويضيف قائلاً "لقد كانت تلك المقاطعة هي الصفعة الأولى في وجه الحكومة الحالية."
لكن الكثيرين ليسوا على يقين أنها كانت بمثابة مقاطعة.
وبرر عضو الكورال -الذي فضل عدم ذكر اسمه- الذي لم يشارك في الاستفتاء أن عدم مشاركته لم تكن مقاطعة، بل أنه كان يراقب المشهد كي يفهم ما الذي يدور. حيث قال "أعتقد أن الكثيرين كانوا يائسين مما يحدث الآن بشكل عام، ليس فقط من إمكانية حدوث التغيير."
ويقول يوسف إن المقاطعة قد تكون متعمدة أو لشعور العامة إلى أي مدى يتم استغلالهم في العملية السياسية.
ويضيف "لذلك فإن نظرنا إلى الدافع الثاني، سنرى أنها كانت مقاطعة."
وفي تعليقات نقلتها القيادية بحركة ٦ أبريل لـ "صدى البلد"، قالت إنجي حمدي في غضون ذلك "لكم دستوركم ولنا ثورتنا"، إشارة إلى أن المقاطعة كانت متعمدة من جانب الشباب.
إلا أن هشام سلام، الباحث بمركز جامعة ستانفورد للديمقراطية والتنمية وسيادة القانون، علق على ذلك قائلاً "لا ينبغي علينا أن نقر تماماً بصحة الادعاءات المثارة حول غياب المشاركة الشبابية في الاستفتاء."
ويبرهن على ذلك بقوله أن نسبة المشاركة في هذا الاستفتاء "رغم أنها أعلى قليلاً من نظيرتها في دستور ٢٠١٢ الذي أثير حوله موجة من الجدل، لكن الفرق بين النسبتين ليس بالضخم."
ويرى سلام أن الحديث عن مقاطعة الشباب للاستفتاء يعكس الحاجة لإلقاء اللوم، فيما يتعلق بقلة نسبة المشاركة في الاستفتاء، على عاتق الأخطاء السياسية والأخلاقية التي ارتكبتها بعض المجموعات الاجتماعية المضلَّلة.
وألمح سلام" أنه ربما يكون ذلك الادعاء القائل أن انخفاض نسبة المشاركة، التي شابت نتيجة وشرعية الاستفتاء، يرجع إلى غياب المشاركة الشبابية في المشهد، طريقة غير مباشرة من أجل تهميش تأثير المقاطعة المشهودة لجماعة الإخوان المسلمين وأنصارها في هذا الاستفتاء."
ومع هذا، فقد كشف مصدر بوزارة الدخيلة أن الوزارة حددت مخططاً إخوانياً يحاول ترسيخ فكرة عدم مشاركة الشباب، بينما صرح وزير الشباب أن الادعاءات القائلة بعدم مشاركة الشباب مجرد شائعات.
وفي غضون ذلك اعتبرت الكثير من الرموز أن عدم مشاركة الشباب أمراً وارداً. فقد أشار البعض أن توقيت الاستفتاء هو السبب الرئيسي وراء غياب المشاركة الشبابية، وذلك طبقاً لما ورد عن كل من مساعد وزير الدفاع ومحافظ شمال سيناء الأسبق اللواء على حفظي والدكتور محمود العلايلي عضو جبهة الإنقاذ وسكرتير عام حزب المصريين الأحرار، اللذين أكدا أن إجراء الاستفتاء خلال امتحانات منتصف العام هو السبب وراء تلك الظاهرة.
وبصورة رئيسية، عدَّدَت رموز حكومية وحزبية وفنية الأسباب الرئيسية وراء المشاركة القليلة للشباب في الاستفتاء الأخير بين التركيز المكثف على حملة "نعم" للدستور، وعودة الوجوه القديمة، إضافة إلى الهجوم الذي طال رموزاً لثورة ٢٥ يناير، والذي وُصف على وجه التحديد أنه "هجوم إعلامي".
إلا أن عدداً من صانعي الرأي انتابهم غصة في صدورهم وهم يشيرون إلى أن عدم المشاركة الشبابية لا تعني رفض الدستور أو خارطة الطريق.
لكن تلك القضايا المثارة تتناول إلى حد بعيد الشكل وليس المضمون، ومثل تلك القضايا يسهل التعامل معاها. فعلى سبيل المثال، أثيرت التساؤلات حول طبيعة الحملة التي تنادي بـ "نعم" للدستور وأنها ذكّرت الشباب بالحملات المماثلة في عهد مبارك وأنها جاءت عكس طبيعة الشباب، فضلاً عن أن القبض على مجموعة من الناشطين حاولوا إطلاق حملة "لا" للدستور لم يحظى بأي اهتمام.
وعلى سبيل المثال نقلت صحيفة الوفد عن محمد عبد العزيز أحد مؤسسي حملة تمرد قوله إن الشباب رفضوا لهجة مع أو ضد الحملة وأنهم "أصروا على حرية الاختيار بدون هذا الضغط الإعلامي،" على حد قوله.
وفي نفس السياق قال العلايلي إن حملة "نعم" للدستور استفزت الكثير من الشباب، الذين "يميلون بطبيعة الحال إلى الرفض والاعتراض."
أما عن الآراء والمفاهيم القائلة أن الشباب الذي لم يبارك العرس الديمقراطي هو شباب عاص ومتسرع، بالإضافة إلى كونهم سذج وغير صبورين، فقد ترسخت تلك المفاهيم منذ زمن طويل.
ولكن ذلك الجدال الدائر لا يثار من رموز حكومية فحسب، فمثلا جورج إسحاق الذي شارك في الكثير من الحركات الإصلاحية في عهد الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، يقول إن الشباب لم يشارك لأنهم "يريدون تغييراً فورياً وقرارات ثورية تتناسب مع حجم طموحاتهم."
ويقول فؤاد البالغ من العمر ٢٠ عاماً والذي شارك في حملة "تمرد" بجمع التوقيعات من المواطنين، وكان نشطاً منذ ٢٠١١ "إنهم يتهموننا دوماً بعدم الصبر، لكننا ندرك جيداً أنه لا يمكنك القيام بالكثير في أربع سنوات فقط، فإن تم تنفيذ الأمور الأساسية طبقاً لجدول زمني، سنعطيك فترة رئاسية أخرى."
ويضيف "نعلم أن العدالة الاجتماعية لا يمكن أن تحدث بين ليلة وضحاها، كل ما نريد هو وضع جدول يتم العمل في إطاره."
ويشعر يوسف أن أحد المشاكل الرئيسية لفكرة اعتبار الشباب غير صبور ومتسرع، أنها تحد من الشكاوى المثارة من الناس حول مسألة أن "الشباب الثائر ليس لديه الرغبة أن يملي عليه أحد ما يجب اتخاذه ضد جيل أسبق وأكثر حكمة،" حسب تعبيره.
وفي سياق متصل، يربط سلام أنه كما تجاهلت فكرة "الثورة الشبابية" في ٢٠١١ "البعد الاجتماعي لهذه الثورة" فاليوم "يتم توظيف ذلك التجاهل لافتراض درجة معينة من التسرع لدى الشباب وعدم صبره على مستوى المجموعات والحركات التي تناهض الحكم العسكري."
ويقول سلام إن هذا الأمر لم يبدأ مع الثورة.
ويؤكد سلام "النظام الحالي، والمجلس العسكري، والحكومة المدعومة من الإخوان المسلمين، وأيضاً الحزب الوطني الديمقراطي تحت راية جمال مبارك لم يعر اهتماماً لمصطلح "الشباب" من أجل التقليل منهم، ولمخاطبة قطاعات أكبر من المصريين الذين تم تهميشهم اقتصاديا ً وسياسياً من قبل الأنظمة السياسية والاجتماعية المذكورة سلفاً."
وغمرت السنوات الثلاثة الماضية الشباب بفيض من الحب والعرفان لجميل "الشباب العظيم" الذي قام بما لم تستطع الأجيال السابقة القيام به من أجل البلاد. أما في الفترة التي تلت عزل الرئيس السابق محمد مرسي، فقد تزايدت النظرة الحانقة تجاه لشباب باعتبار ما يقومون به ضد مصالح الشعب والبلاد.
وقد كتبت امرأة تدير منظمة تسعى لتشجيع القيادة الشبابية في مجال الأعمال، في تدوينة لها على موقع فيس بوك "أعتقد أن على الشباب الذي يقوم بتلك الضجة أن يشكر حزب الكنبة و السيسي [في إشارة إلى القائد العام للقوات للمسلحة المشير عبد الفتاح السيسي] أنهم أنقذوا مصر بعد أن سلمها الشباب للإخوان المسلمين بسبب جهلهم السياسي أو خيانتهم."
وقالت امرأة أخرى في منتصف عمرها في تدوينة وجهتها إلى الشباب الثائر قبل الاستفتاء بأيام وحثتهم فيها على المقاطعة "لا نريد أصواتكم التي لم تجلب لنا سوى الخراب. قمتم بثورة بلا قائد وجلبتوه لنا [في إشارة إلى مرسي] وبعد ذلك عارضتم قراراته، لكنكم مازلتم بعنادكم الأحمق تريدون عودته ليحكمنا بشرعيته الملعونة."
ويقول سلام "إنه مع انتشار مثل تلك الآراء، يتأكد نجاح سلطات الدولة في تشويش صورة أي معارضة تظهر تجاه الوضع السياسي الراهن بل وتصويرها أنها مثالية غير واقعية." ويضيف "كما أنها تبرر التسلسل الهرمي الحالي بين وضع "العواجيز" الأكثر حكمة والذين يهيمنون على المشهد السياسي الوطني، ووضع الشباب الذين يتسرعون في الحشد ويصيحون بمطالبهم دون أي رؤى لمستقبل البلاد."
ويشير سلام قائلاً "قد تكون تلك المجموعات الشبابية فشلت في إيجاد رؤية منطقية لمسقبل مصر السياسي، لكن الأمر لا يختلف مع العواجيز الحكماء الذين يحكموننا، فهم أيضاً لم يتوصلوا لتلك الرؤية."
تقارير ذات صلة
تهديد وترغيب.. مشاهد من حشد الطلاب للتصويت في الاستفتاء
طالبة بجامعة جنوب الوادي، طلبت من زميلتها وضع يدها جيدًا في الحبر لكي يُسمح لها بدخول الامتحان
وقائع غير معلنة.. عن صندوق الاستفتاء
«دمج أصوات الوافدين» و«مستقبل وطن داخل اللجان» و«منع الصحفيين»… بعض مما حدث
«ولاية سيناء» يمد عملياته إلى الجنوب.. والدولة تعلن الطوارئ و«جائزة الاستفتاء» في الشمال
أخبار سيناء على مدار أسبوع.
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن