تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
دلالات القبض على الغنوشي في تونس 

دلالات القبض على الغنوشي في تونس 

كتابة: أسامة سليم 5 دقيقة قراءة
راشد الغنوشي

أعلنت حركة النهضة التونسية المعارضة في أبريل الماضي، القبض على رئيسها راشد الغنوشي، بواسطة قوة أمنية داهمت منزله في العاصمة، واقتادته إلى «جهة غير معلومة». وفي اليوم التالي، أغلقت قوات الأمن التونسية كل مقرات حزب النهضة ومقر جبهة الخلاص المعارضة التي تُعد «النهضة» طرفًا رئيسيًا فيها.

وطالت حملة اعتقالات قبل شهر أعضاء وقيادات من «الخلاص»، ووصل عدد المقبوض عليهم، حسب تصريحات الناطق الرسمي باسم الحرس الوطني، إلى سبعة أشخاص، منهم الغنوشي، بتهمة «الاعتداء المقصود به تبديل هيئة الدولة أو حمْل السكّان على مهاجمة بعضهم بعضًا وإثارة الهرج والقتل والسلب بالتراب التونسي».

وبعد مرور أكثر من شهر على الاعتقال، يرى البعض أن القبض على الغنوشي تصعيد من الرئيس التونسي قيس بن سعيد، متسق مع موقفه الرافض كلية للمعارضة، وليس استهدافًا متفردًا لحركة الإسلام السياسي الأكثر بروزًا في تونس، لكن بالوقت نفسه، ذلك الاستهداف لا ينفي التداعيات الخاصة بكونها بالفعل حركة الإسلام السياسي الأبرز في تونس.

قبل يوم من القبض عليه، كان الغنوشي في ندوة رمضانية نظمتها جبهة الخلاص بمناسبة مرور سنة على تأسيسها، وذلك لتقييم أدائها. تحدث الغنوشي حينها عن «الانقلاب» وإجراءات سعيد، في إشارة لقراراته بحل البرلمان وإقالة الحكومة، مجددًا الدعوة إلى تجميع صفوف المعارضة.

كل ما قاله طيلة المداخلة التي تجاوزت النصف ساعة لم يثر جدلًا، باستثناء تلويحه بخطر الحرب الأهلية، تلويح اعتبرته السلطات تهديدًا وتصعيدًا، حيث تم اقتطاع بعض الأجزاء من فيديو لكلامه وقُدّم إلى النيابة العمومية، بحسب أحد أعضاء فريق الدفاع عن الغنوشي، بهدف تلفيق تهمة «الدعوة إلى التحريض على الحرب الأهلية». 

في مداخلته، قال الغنوشي إن هناك «إعاقة فكرية وأيديولوجية في تونس، تؤسس في الحقيقة لحرب أهلية، لأن تصور تونس دون هذا الطرف أو ذاك.. تونس دون نهضة.. تونس دون إسلام سياسي.. تونس دون يسار.. تونس دون أي مكون من المكونات هو مشروع حرب أهلية».

تصريح رئيس «النهضة»، بحسب المختار الجماعي، أحد أعضاء هيئة الدفاع عنه، هو تصريح سياسي لا يرتقي إلى مستوى التجريم، فما ذكره الغنوشي يندرج في إطار تقييم وضع سياسي وإبداء رأي شخصي، فيما يبدو أن سعيد كان ينتظر في الوقت الراهن أي تصريح أو خطأ يمكن تأويله من أجل إيقاف الغنوشي. 

يشير الجماعي إلى تأويل سعيد لتصريح الغنوشي، واعتباره دعوة لـ«الحرب الأهليّة وفتنة»، والفتنة أشدّ من القتل مثل ما عبّر.

وقال سامي الطريقي، عضو هيئة الدفاع عن الغنوشي، في مؤتمر صحفي، الثلاثاء الماضي، في العاصمة تونس، إن التحقيق مع رئيس «النهضة» يتمحور حول تسع قضايا، معظمها على اتصال بملف الإرهاب في انتظار قضايا أخرى، مشيرًا بالوقت نفسه إلى أن التحقيقات مع الغنوشي تتم ليلًا، وبمعزل عن محاميه. 

الكاتب والمحلل السياسي، حاتم النفطي بدوره قال لـ«مدى مصر» إن ما يحدث حاليًا هو حلقة جديدة في سلسلة التضييقات على الحريات والمعارضة. 

القبض تم بدعوى تصريحات الغنوشي، يقول النفطي، وهي نظريًا غير موفقة، ولكنها لا تستوجب القبض عليه.

ويضيف النفطي أنه كما يبدو الغنوشي في نظر سعيد ليس إيديولوجيًا أو ممثلًا لتيار إسلام سياسي، بل فقط شخص معارض له يجب تجاوزه، موضحًا أنه يمكن فهم القبض على الغنوشي بشكل أكثر وضوحًا عند تأمل مشروع سعيد الذي لا يحتمل المعارضة، فقد سبق وكرر الرجل أكثر من مرة في تصريحاته بأنه يخوض مشروع حرب تحرير وطنية، ويعتبر نفسه صاحب رسالة ومشروع، ومَن ضده خائن وعميل، أي شخص لا يوافقه عميل.

بعض النشطاء السياسيين في تونس لا يرون أن سعيد ومَن وراءه من النيابة العمومية قبضوا على الغنوشي بسبب تصريحاته، ولكن هي وسيلة تم التذرّع بها فقط، لأن الغنوشي لديه ملفّات ثقيلة قد تعرضه للمسائلة القانونية، ولكن اعتمد سعيد على تهم أخفّ، نظرًا لأن ملفات الاغتيالات السياسية والتسفير (تسهيل خروج تونسيين إلى سوريا للمشاركة في الحرب ضمن تنظيمات مسلحة) والإرهاب لا تشمل الغنوشي و«النهضة» فقط، وإنما أيضًا قيادات في الأمن ورجال أعمال وغيرهم، ما قد يمثل تركة ثقيلة لسعيّد يصعب التعاطي معها في الوضع الحالي.

تصف بلقيس البراهمي، ابنة محمد البراهمي عضو البرلمان والسياسي المعارض الذي اغتُيل قبل عشر سنوات بسبب مواقفه، واتهمت حينها حركة النهضة بالضلوع في اغتياله، ردة فعلها حول اعتقال الغنوشي؛ «الغنوشي تعامل معي شخصيًا، ومع عائلتي كوننا مجانين وفاقدين للمصداقية وتم تتفيه مشاعرنا، بسبب مطالبنا المتكررة في فتح ملفّات الاغتيالات. أنا سعيدة للغاية من أجل إيقاف الغنوشي. منذ عشر سنوات قام بعض الإسلاميين بتوزيع الحلوى احتفالًا باغتيال والدي. عاهدت نفسي أن أطلق الزغاريط يوم إيقافه وهذه كانت ردة فعلي».

تضيف البراهمي: «إيقاف الغنوشي ليس فقط بسبب تصريحاته، في تقديري السلطات في تونس ليست سخيفة لإيقاف الغنوشي بسبب تصريح فقط. الملفات مرتبطة ببعضها، والغنوشي مثّل أمام القضاء أكثر من مرّة بسبب ملفات الاغتيالات والتسفير والإرهاب. ما يحدث الآن ليس بمعزل عن السياق الإقليمي من عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية، مرورًا بتفكيك قضية تسفير الإرهابيين إلى سوريا في أكثر من دولة».

تزامن إيقاف الغنوشي مع زيارة وزير الخارجية السوري فيصل المقداد إلى تونس لأول مرة منذ اندلاع الثورة، ما يوحي بوجود تنسيق تونسي سوري في ملفّ التسفير من تونس إلى بؤر التوتر مثل سوريا والعراق، والذي اتُهم فيه الغنوشي بتسهيل تسفير آلاف المقاتلين إلى هناك بين سنتي 2012 و2013 عندما كانت «النهضة» في السلطة.

حملة الاعتقالات ضد الغنوشي والآخرين في الحركة استندت على قانون الطوارئ، وأُغلقت مقرات حركة النهضة وجبهة الخلاص بموجب ذات القانون، ما اعتبره حقوقيون طريقة «أكثر أمنية» للاحتجاز، بخلاف المرسوم 54 الذي تم بموجبه اعتقال عدد من الصحفيين والمعارضين لسعيد والذي أصدره الأخير خلال نهاية السنة الماضية بعلة مكافحة الأخبار الزائفة. 

كانت حالة الطوارئ قد فرضت عند أحداث «الخميس الأسود» بين 26 يناير و24 فبراير 1978، عند اندلاع احتجاجات قادها الاتحاد العام التونسي للشغل ضد الرئيس السابق الحبيب بورقيبة. وتم بموجب القانون وضع الأشخاص تحت الإقامة الجبرية، ومنع الاجتماعات، وحظر التجول، وتفتيش المحلات ليلًا ونهارًا، ومراقبة الصحافة والمنشورات والبث الإذاعي والعروض السينمائية والمسرحية، دون وجوب الحصول على إذن مسبق من القضاء.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن