تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
حذف وإضافة| مي المغربي: مسودة #3

حذف وإضافة| مي المغربي: مسودة #3

لأن التحرير ليس سرًا.. سلسة عن الأدب وتحريره بالتعاون مع مجلة فَمْ

كتابة: مي المغربي 15 دقيقة قراءة
تصميم ورؤية بصرية: مهرة شرارة

هذه المسودة ضمن سلسلة عن الأدب وتحريره بالتعاون مع مجلة فَمْ، للتعرف على تطورات تحريرها اذهبوا إلى مقدمة «حذف وإضافة» أو اسمعوا بودكاست السلسلة.

حين قدمت الكاتبة المسودة الثالثة، في 16 فبراير، للمحررين علقت على كلمة «دود» هكذا: عنوان مؤقت. وإلى جانب العنوان، عّدت فقرات بسلام، واستمرت التعليقات التحريرية حتى 25 من الشهر نفسه.

«دود*» الحمام

عند*«آثار»، علّق المحرر: احتمالات مش آثار أو هواجس لتحديد وضعه لأن منبعه التفاسير فبقت شيء محتمل مش يقيني. المحررة: "درءاً للتدهور"، "تجنباً".. الكاتبة: حلوة أوي

*«فـ ي د و ر ـه» المحرر: فيدوده؟

*«أطلبها» المحرر: تحديد وحسم شديد مع ماما.. أو بالأصح في الكتابة عن ماما. وكأن حكمة الأمهات والأجداد أمور للاستهلاك عند غيري.  آخر كلام؟

الكاتبة: هشيل التي لم أطلبها

المحرر: لا وحياتك خليها، دي قمة الدقة

*«الكلاب» المحرر: معجب بالإشارة الساخرة لمصير السكندرية المارقة

*«هذا هو التدهور؟» المحررة: ما بعرف اذا الحكم على الاعمال المنزلية كتدهور هو اللي بحاجة تقوليه. اذا بتحذفي هي الجملة ما بيتغير شي بالنص. شكلها فائضة. الكاتبة: بالنسبة لي هو تدهور لأني أفعله من أجل الهروب ولأنني كما أشرت محملة بتأثير نساء عائلتي السيء حول اضطرارهن لاختيار مهام المنزل. لو حذفنا الأعمال المنزلية ووضعنا الرقص/ الرسم كنت سأقول تدهور أيضاً لأنني مرتبطة به من أجل التشويش والهروب. لكن أعلم أن فكرة المهام المنزلية لها تاريخ نسوي طويل ومهم وأيضا اقتصادي.. في نفس الوقت لا أريد أن أخرج من هذا المأزق وأنا أقول كم أحب مهام المنزل أو كيف ساعدتني كأمرأة أو لو كان يدفع لي مقابل ما افعله في البيت لتحسنت حالتي وحالة كل النساء. لأنها ليس مشكلتي الحقيقية هي فقط مشكلة ملازمة للدراما التي وجدت نفسي فيها لو كنت في معهد رقص معاصر كانت ستكون مشكلتي هو تطبيق ملابسي في الخزانة وهكذا.

*«أنا زي دود الحمام يا ماما» الكاتبة: أنا صحيت النهاردة وبداخلي رغبة شديدة، في حذف تلك الفقرة. شيفاها محاولة سيطرة يائيسة على أوضاع متخصش أمي بس مشيلاها لأمي. المحرر: مهمة. هي بتقنعنا بالدود، بتعمل تطبي للدود، ونبرة الغضب بقت موزونة، لكن خلينا نتكلم بخصوصها.

*«الاستعانة» المحررة: حلو طلب الاستعانة هون. بس كأنه منقاض للجملة اللاحقة عن أن الوالدة مكان تنفيس للغضب بس. الكاتبة: معك حق.

*«تراب» المحرر: أظن خيط التراب ممكن اللعب عليه أكثر. مثلًا أنه حقيقي. (مش زي الدود) يراه علاء مثلًا. (لربطه فكرة الدود) مصدر قلق مادي وحقيقي وملموس مقابل الدود. وأيضًا يمكن الربط أو دمج الفقرات مع بعضها، مصدر التراب مكان البيت. المزيد من التسبيب.

*«تم تنظيف»  المحرر: فكرت أن أفعال الدولة محتاجة لصيغة فيها قوة وصيغة مبني للمجهول. عدلت أو مُحيت أظنها فيها هذا الأداء مقارنة بـ «تم تنظيف».

*«يردمها»  المحررة: الردم استخدمتيها سابقا لتوصيف السعادة الزوجية. خلي الكلمة نادرة فبيكون وقعها اكبر. الكاتبة: حلو أوي نشوف غيرها

*«خاضع للمساءلة..»  المحررة: وكأن العمل الفكري عنده مكانة خاصة، أسمى، من أي عمل آخر؟ هل هيدا الموقف اللي بدك تقوليه؟ الكاتبة: لا، مش عايزة أقول أي حاجة لكن بوصف الحالة. أحب أسمع ازاي ممكن نتفادى دة.

*«حتى السخرية من أجل» المحررة: هي العبارة بده شوية تخفيف الكاتبة: تمام.. لعبت فيها شوية، لكن ممكن نتخلى عن السطرين دول لأن اللي قبله شارح. أحب أسمع رأيك

*«دفء فكري» المحررة: ما معنى الدفء الفكري؟ ما معنى نسب العاطفة إلى ممارسة غير عاطفية؟ جملة للتوضيح. الكاتبة: أخدت بالي كمان أن موقعها مبين كأنها مقابلة للدفء الأسري  وكأن كل اللي فوق هذه الكلمة شيء سيء. ودة مش اللي اقصده.  بالنسبالي الدفء الفكري هو كان ناقصني بجانب الدفء الأسري اللي مبني على كل شيء إلا الاشتباك مع أفكار الآخر، ومحاولة استيعابها أو النقاش حواليها. دة بيشعرني بالقبول والترحيب، وفي بردو عنصر سماعي كنت مفتقداه.  المحرر: بالتأكيد كلنا سنفكر في المقارنة بين البيتين. اقترح اختصار أجزاء لأنك معمقة المقابلة بين البيتين بطريقة السرد. هنا الاقتصاد وعدم التطويل ممكن يخدم غرضك

*«..حياتي» المحررة: بأي معنى هنا؟ المحرر: لا داعي لذكر الوعي منذ الطفولة.. سوو ماتش وعي من جانب الكاتبة. المحررة: صح بقترح حذفها.  الكاتبة: نشيلها

*«ساروا» المحرر: تمشي ساروا/ سرن كمان.  المحررة: لا بل أحلى ساروا.. ساروا مع الرجال او سرن مع النساء اللي بيشبهوهن؟ الكاتبة: حلو أوي. عملتها سرن فعلا حلوة أوي، بس مش همسح صاروا لأن الكومنت هيتشال. المحرر: حصل مع الإبقاء على الكومينت

*«التفرغ للمنزل» المحررة: بدأ يترسخ تصوّر ثنائي قيمي: العمل المنزلي= تأخر.  العمل الفكري = تقدّم.  ولكن في المنطق النسوي المعاصر، هناك قراءات مختلفة للعمل المنزلي ليس كتأخر إنما كعمل يخلق قيمة مضافة غير محستبة للنساء. مش دليل تأخر، بس دليل لأتعاب غير مدفوعة، مثلاً

الكاتبة: العمل المنزلي ليس تأخربالتأكيد، إن كان قرار اختياري. بجانب أنه ليس مدفوع الأجر سواء كان اختياري أم مفروض مما يجعله عبء، وهذا شأن آخر. أحب نتناقش ازاي أخرج من المأزق دة لأن أكيد ليس هذا ما أدور في فلكه. المحرر: أظن فكرة عدم مشاركة الأزواج وقيام الزوجات بالعمل المنزلي استدراك لا يفيد النص، بل يعقده ويمشكله، ووجوده في النص يفرض الثنائية التي لاتهمها، بل ما يهمها أنهن لم يكن لديهن القدرة على التمرد أو طلب الطلاق وهو ما ستتناوله لاحقا حين تضع نفسها مكان كل واحدة منهن وتتطلق مكانها. يعني بلاش من مقارنة علاء بالأزواج الآخرين

*«أتطلق.. اختار لهن رجلًا آخر، أو لا أختار*»  المحررة: ممكن اعادة صياغة؟ مش مفهومة.  المحرر: الصياغة مربكة، في أول مرة فهمت أن مي بتتخيل نفسها مكان الجدة أو أي واحدة من العائلة، وبينتهي التخيل بقرارها أنها تتطلق. فكرة جميلة، لكن الصياغة شوشرتها. نظرة وتعديل هنا يا مي ربنا يسعدك.

*«هل هذا نوع آخر من التدهور؟» المحررة: بأي معنى؟ المحرر: ممكن يتحول لصيغة تساؤل مثلًا.

*«الشرشوبة ستحمينا من الآخرين» المحرر: ​​فكرة العودة للكلام عن التراب. ممكن تكون قفلة لطيفة.

في أول أسبوع من زواجي وجدت دودًا أسود يخرج من بالوعة الحمام. 

كان يتلوى بجسده الرفيع على السيراميك. ربما كان يزحف، الدود بطبيعته يزحف؛ لكن هذا النوع من الزحف أعرفه، زحف يدل على أنه ليس في بيئته الطبيعية. شيء عادي، ويحدث. ربما مشكلة في الصرف، بالتأكيد مشكلة خارجة عن إرادتنا؛ هذا ما أخبرني به علاء وأكدته أمي. أمضيت يوماً كاملاً في تنظيف الحمام، لكني في ميعاد النوم خيل لي أنني سمعت زحف الدود. هل للدود صوت؟ كنت أسأل وأنا في طريقي للحمام لم أجد إجابة لكني وجدت دودًا في الحمام مرة أخرى. كان ساكنًا هذه المرة على الأرضية، غارقًا في الإضاءة الخافتة التي اتركها للنبات المعلق في سقف الحمام، وبمجرد أن أضأت كل لمبات الحمام بدأ في الزحف وبنشاط. 

تسمرت أمام عتبة الحمام اتابع إلى أين يمكن أن يصل الدود بزحفه، فربما يريد العودة للبلاعة وكأن شيئًا لم يكن. لكنه قرر أن يزحف في مكانه. كأنه يتعذب من الإضاءة أو من حضوري المفاجئ. لا أتذكر أنني مررت على تحليل لسلوك الدود، أو أنني اشتبكتُ مع الدود أو أي حشرة من قبل. فأغلقت باب الحمام عليه. ربما كان حلمًا، نعم في الكوابيس لا أحد يغلق باب الحمام ويخرج، ينخدع الجميع لأن غريزة الدخول تتحكم بهم ويدخلون الحمام، فينتهي الكابوس بسقوط حاد في الكابينيهة ثم الاستيقاظ على البلل. 

لم أستيقظ على شيء في اليوم التالي، لأني سهرت على تحليلات ابن سيرين وغيره حول ما يعنيه الدود في المنام خصوصاً للمتزوجة. كلهم أجمعوا على أنه يعني التدهور! كلام إنترنت هذا ما قلته وأنا أخرج من غرفة النوم بهدوء متجهة للحمام، متمنية ألا يكون الدود حلمًا، ففتحت باب الحمام ووجدت الدود يزحف الزحف الذي أعرفه. لكني كنت مغتاظة، أعطيته فرصة العودة إلى البلاعة بأمان، ولم يعد. فأفرغت زجاجة مياه النار -التي يستخدمها علاء في تنظيف أدواته- على أرضية الحمام. ودعكتُ بفرشة الأسنان فواصل السيراميك وفي ظني أنني أمحو آثار الدود، تجنباً للتدهور. ومعه «آثار*» التدهور.

أعاني من القلق من الإبتدائية.، وبعد دراستي لعلم النفس واللف على الدكاترة سواء للعمل أو للعلاج  وعبر المحتوى الموجود على الإنترنت، تعلمت بعض  النصائح  والاقتراحات المعلبة؛ منها أن جذر قلقي هو عدم شعوري بالأمان في منزل عائلتي. ولحل ذلك يتوجب عليّ احتواء طفلي الداخلي، أن أكون ماما وبابا لنفسي. بجانب أن اقتراني مع آخر سيوفر ألفة ودفئًا سيساعداني مع الشغل على ذاتي. فعلًا الدفء والألفة مع شريكي - خصوصًا بعد الزواج - ساعداني على تهدئة أماكن كانت مشتعلة بداخلي، وفي نفس الوقت ساهموا في إنتاج قلق جديد. قلق من:

       أن يتفشخ البايركس في الفرن،

 أو ملح ناقص في الشوربة، 

وأن الفراخ بدمها،

 وأن يتراكم تراب أصفر على السفرة، وأسفل السرير أو أسفل الكنبة،

 وأن كيس القمامة يسرب،

 والبرواز معوج،

( والخضار غير مغسول جيدًا

أو أن هناك دوداً في الحمام،

يتجه بنشاط لأرضية رأسي، فيصنع ثقوباً ضيقة تصل مباشرة للجزء المسؤول عن الكتابة في دماغي، «فـ ي د ه و ر ـه *»

 يبدو من الخارج أنه وسواس قهري متعلق بالنظافة والترتيب، لكنه غطاء لما أخاف منه فعلًا.، أخاف ترك الكتابة بسبب شكي من أن الفراخ بدمها، وأن كيس القمامة يسرب، أن استسلم للمهام المنزلية  كما استسلمن من أتيت من نسلهن. رغم كل ذلك كله! لم أتحدث مع أمي عن الحياة الزوجية من بعد أول أسبوع من خطبتي. نصائحها -التي لم «أطلبها*»-  كانت تدور حول إرضاء الزوج عبر قراءة مزاجه. والالتزام بأداء المهام المنزلية حتى وإن انعدمت الرغبة. كانت هذه النصائح كاشفة عن عدم قدرتها على قرائتي أو قراءة مَن سيصبح زوجي. لكن أهم نصيحة شددت عليها أمي هي ألا أترك بيت الزوجية، أبداً. فهمتها كنصيحة باطنها ألا أطلب الطلاق مهما حدث، وأن هذا ليس له علاقة بزيارة غرفتي في الإسكندرية كلما شعرت بالغربة في القاهرة. وعليه، بعد شهرين من الزواج زرتها، وفي نيتي أن أجلس في غرفتي وعلى مكتبي محاولة استدعاء ما فقدته من روتيني القديم وشحذ البوصلة النفسية. لكني وجدت أمي فوّرت الغرفة، ومسحت الرسومات التي كانت على الحائط ووزعت لوحاتي على غرف إخوتي وتخلصت من سريري، ولم يتبق سوى رائحة الدهان الجديد. لماذا أنا منزعجة؟ حدث ما تمنيته طوال العشر سنوات الأخيرة، أن أترك الإسكندرية. كنت قبل التعرف على علاء والاستقرار معه بالقاهرة، أحضر نفسي للانتقال وحدي هناك، مشحونة بسخط على النوستالجيا التي تُفرض علي، وغاضبة على أن هناك شكل معين للمثقف السكندري يجب بشكل أو بآخر أن أكونه حتى أسلك، ومنزعجة من تعريفي من أحد لآخر بأنني «كاتبة سكندرية» ولست «كاتبة». وبالطبع ساخطة من عدم القدرة على قول كل هذا دون الخوف من أن تُسحب مني الجنسية السكندرية، بعد رميي في شارع لا يرى البحر، فتنهشني «الكلاب.*» 

رغم ذلك لم أكن جاهزة لقطع الحبل السري مع الإسكندرية بهذه السرعة. والعودة لبيت الزوجية في القاهرة، معدومة الهوية، وبدون قبو وهمي أرمي فيه ما يجب أن أواجهه. هل بالقاهرة بيئة ثقافية عكس التي بالإسكندرية؟ لم أعرف بعد، لأني غرقت فيما هو أبعد من المخاوف التي تخص الوسط الثقافي، غرقت في المهام المنزلية.  «هذا هو التدهور*»؟ نعم هو ذاك.

 بعد الزواج تغيرت مناماتي/ أحلامي، أراني فيها منهمكة في تنظيف البيت، اخترع تكنيكات لتنظيف الأرضية وترتيب الدولاب وغسل الصحون في نصف ساعة، أستيقظ وأحاول تطبيق ما حلمت به وأفشل. فأجرب حلمًا آخر يقنعني أنه بإمكاني فعل ذلك لكن في ساعة. فأجرب وأنجح نصف نجاح. كنت في الماضي أحلم بما أكتبه، فأحرر لذاتي في المنام وأستيقظ لأطبق ما حلمت به على نصوصي. هذا التغير في لاوعيي لا يعجبني. لأنه يؤكد على تغير مكانة الكتابة عندي، من المكمن الذي تخرج منه. فقررت أن أطلب نصيحة أمي، حكيت لها ما أمر به من انغماس شديد في المهام المنزلية وإهمال للكتابة. لكنها أخبرتني أنني بطرانة.

  • «أنا زي دود الحمام يا ماما.*»

 قلتها بعصبية وأغلقت ليس الهاتف في وجهها فقط، إنما باب «الاستعانة*» بها. 

كم من اللذيذ أحياناً اعتبار الناس مخدة لتنفيس الغضب، ورمي كل ماهو غامض عليهم خصوصاً عندما لا يبذلوا مجهودًا في فهمنا.

ترن في أذني كلمة تدهور وأنا أمارس -ما أصبح- روتيني الصباحي؛ تنظيف الحمام من الدود مع باقي المهام المنزلية.

يراني علاء مسحولة في مهام البيت، فينبهني أن عليّ الكتابة أو التفكير أو حتى الأنتخة، يخبرني أن تحضير الطعام وتنظيف البيت يمكن تأجيلهما أو عدم فعلهما، طالما أقرأ، أكتب أو أشاهد فيلماً وأريد النوم بعده، وأنه سيخلص مهام البيت. كلامه يعني أني لم أخوض حرب المهام المنزلية المفروضة على المرأة لن أخوضها.  ومع ذلك يصعب فعل ما اقترحه عليّ علاء . طوال الوقت يوجد «تراب.*» 

 يعاني منه علاء أكثر مني أنا التي أنظفه يوميًا، لأنه يقلق على رئتي التي ظهر عليها أعراض الحساسية، فيضع على الكومود أو أي سطح يخصه بخاخة احتياطية تحسبًا لاختناق مفاجئ يمر بي. ومع هذا القلق  يبحث علاء عن شبابيك الوميتال تمنع تسرب التراب إلينا، لكنه لا يجد شكلًا يناسب ديكور البيت الداخلي أو ألوانه، ثم يجد ما يليق بالبيت فيعترض صاحب العمارة لأنه غير مناسب مع ديكور العمارة الخارجي. فنقرر أن نتقبل وجود التراب أثناء بحثنا عن شبابيك مناسبة.

أعيش في منطقة المقطم، وهي عبارة عن هضبة صخرية كبيرة وصفراء ومنعزلة، تتمتع بمنظر ساحر على القاهرة. لكن في الطريق للبيت أتعثر بمغارات وأطلال الكازينوهات بمعمارها الثمانيناتي. بعض منها يمكن أن نقول عليه إنه كان مشبوهًا، لكن هناك جمال وحرية في هذه الشُبهة. «تم تنظيف*» هذه السمعة من المقطم بداية من الكورنيش الذي أصبح مليئاً بالكافيهات والكمائن، حتى أنه لا يوجد سوى منفذ كحول واحد بالمنطقة ومكان واحد للسهر. وفي الطريق من الهضبة الوسطى للهضبة العليا أرى البيوت  فوقي بمعمار غرائبي، فمن أسفل تبدو وكأنها فوق سفح جبل ويصعب الوصول إليها، لكن بعد دقيقة تجد نفسك وقد صعدت أمام البيت فتغيب الغرائبية عنه، وتتكشف الزهور والشجر وقد نموا بسبب رشح المياه الجوفية. وبيوت أخرى دائماً مطفأة الأنوار، لكنك لا تشك أبداً أنه بيت مهجور. أو ربما فيه محمود المليجي يصور فيلم «موعد مع إبليس» حيث اتخذ - إبليس- من المقطم بيتاً له بسبب الفراغ والدماء التي أُسيلت على مر الزمن في المنطقة. كل هذا يدل على المساحة الرحبة التي تمتعت بها منطقة المقطم لتجريب كل شيء. ورغم كل هذا السحر هناك تراب أصفر يشوش على هذا الفراغ الجميل. تراب لعين كاشف أكثر مما هو دافن لعقود من التاريخ. 

غرفة المكتب التي جهزها لي علاء كهدية زواج حتى يشجعني على الكتابة في الأرض الجديدة، كان التراب الأصفر «يردمها*»،/ يغطيها  فيرسم -وعن قصد- المسار الذي مشيت فيه، وهو عتبة باب هذه الغرفة. كلما نظفتها غُطت من جديد حتى بعد إغلاق الباب جيدًا وقبله الشباك المثبت عليه ستارتين، فأجد في اليوم التالي طبقة مزعجة من التراب الأصفر فوق المكتب، ودالة على أنني لم ألمسه. هذا الكشف كان يقتلني، وكأنه يشير بأصبعه علي وهو يضحك ليخبرني أنني بطّلت كتابة. وأن هذه الأرض الجديدة بمساحتها الرحبة لا مكان لي فيها ولا تشبه أي شيء أعرفه. الأرض التي نشأت فيها لم تهتم إن كتبت أو لم أكتب، أو إن كنت سأفعل شيئًا في حياتي أصلًا أم لا.  مدينة تطل على بحر. لا شيء مهم فيها سوى البحر وبعده المعمار. بجانب أن البيت الذي خرجت منه والبيوت التي كانت حولي، كانت قائمة على الاكتفاء الذاتي؛ الرسومات والخواطر والذكريات، كلها وقود لدفء العائلة وتماسكها. لكني أكتشفت أن بيتي الجديد موجه نحو الإنتاج وربما التصدير أيضاً. كل كتاب أو حدث أو ذكرى هو إمكانية لرواية أو نص أو قصيدة بالنسبة لي، أو منحوتة أو رسمة أو دراسة بالنسبة لعلاء. كل شيء يمر علينا أو نعبر به هو «خاضع للمساءلة*» والنقد حتى وإن كان عن طريق رمي الإفيهات ليتلقفها علاء أو اتلقفها أنا كعين بصيرة على شكل سمير غانم  والنقد أو« حتى السخرية من أجل *»

لا يمر شيء بشكل عادي. أجد في كل ذلك «دفء فكري*» كنت افتقده طوال حياتي، لكني لا أستطيع استيعابه، لأنه بشكل أو بآخر يحث على الإنجاز، وهو ما يضغطني.

ولا تكتفي الأرض الجديدة بما هو قائم إنما تضغط أكثر ليتكشف كل ما هو معطوب في حياتي الحالية والتي تركتها خلفي. فكلما ردمتني السعادة الزوجية تتكشف العيوب بل وأسباب المشاكل التي عانى منها والداي في زواجهما. ليس شعورًا بالذنب إنما الرؤية الواضحة لكل ما كان غامضًا في طفولتي ومراهقتي. الراحة التي أعيش بداخلها الآن تجتر -وبلا هدف- كل اللحظات المؤلمة. لا أجد أهمية كبرى في إدراك كل هذا، لأني لا أستطيع تغييره أو محاسبة المسؤولين عنه. ولمقاومة هذا الثقل الشعوري أقنع نفسي بأنني أتعامل ببراعة مع الحياة الزوجية، كأنني تزوجت آلاف المرات. فأشارك في إدارة البيت مع علاء بخبرة وحكمة، «أتت من مروري بكل ماهو غلط داخل زواج والداي، ما يجب ولا يجب علي فعله أنا وشريك «حياتي.*»

  وهذا ما يحجب عني ولو قليلاً ما أجري وراءه ويجري ورائي ويتخذ شكل انزياح ثم إسقاط على عفش وسيراميك البيت. الذي لم يعد كافياً للهرب من شعور تدهوري في الكتابة. 

هل أمي مضطرة لبذل مجهود لفهمي؟ أو غيرها من نسوة العائلة؟ اخترن اختيارات مختلفة في هذه الحياة. كن في نفس عمري في لحظة ما اخترن  رجالاً أو رجال اختاروهن للارتباط. «وساروا*» / وسرن معاً في اتجاهات لم أحبها يوماً لكنها أثرت فيّ بشكل سلبي. 

اختيارات جعلتهن يتخلين- مجبورين- عن العمل والطموح من أجل «التفرغ للمنزل.*» 

الآن -فقط- أعلم كم هو متعب العمل داخل المنزل وخارجه.  أتذكر أن مع كل مشكلة حُكيت أمامي من أمي أو أي من نسوة العائلة تخص خناقة العمل أو المنزل وتنتهي باختيارهن المنزل لتفادي أي شكل من أشكال العنف، كنت قبل النوم أخترع معارك وهمية في دماغي، أنطق فيها ردوداً متخيلة لهذه الخناقة، فأخترع مناورات وجمل دلع لتهدئة الوضع، وكنت عندما أفشل في شرح حاجتهن/ حاجتي للعمل. «أتطلق واختار لهن رجلًا آخر، أو لا أختار*».

 ظننت أنني سأدخل تلك الخناقة التراثية في لحظة ما مع علاء. كم مرة اصطدمت بهدوءه، واستقلاله النفسي والفكري؟ كم مرة قال لي إن عشرين سنة مرت عليه وهو يغسل ويطبخ ويمسح الأرض لنفسه ومن أجل نفسه. كم مرة قال إن هذا هو الطبيعي يا مي؟ فلماذا أنا كارهة للوضع الذي  أتيت منه ومرتبكة مما اخترته؟ «هل هذا نوع آخر من التدهور؟*»

 مازلت أحلم بالدود، أراه يزحف ناحية غرفة المكتب وليس على سيراميك الحمام. يقترب الدود مني. أم أنه يسقط مني؟ لم ير علاء ولا أمي دود الحمام. يصدقاني بالطبع. لكن ما هو دليل وجود هذا الدود فعلاً سوى عيناي وزجاجات مياه النار الفارغة؟ نعم يخرج الدود مني أنا. أقول ذلك وأنا جالسة على أرض الحمام. تبدأ الأشياء في الحمام. في كل مرة أدرك شيء يكون وأنا في الحمام. لم أكن أعرف حتى هذه اللحظة أن للقلق إرادة حرة من خلالها يختار الشكل الذي سيتجسد به. كم مرة تجسد القلق لآخرين على هيئة آخرين. وكم أنا محظوظة  أن قلقي تجسد على شكل بسيط لم ينل حظه من التطور بعد. وقت طويل مر وأنا أدرك كل ذلك. فأصبحت اللعبة مملة، وقريباً سأكتشفها وسيكتشفها من حولي. يزحف الدود الأن  ناحية غرفة المكتب وعلى الاستيقاظ لرشه بمياه النار. لكن ماذا عن التراب الأصفر. هل يدفننا البيت بطريقته؟ نعم يريد دفننا، «الشبابيك الألوميتال ستحمي ساكني المقطم منا والمكنسة والشرشوبة ستحمينا منه.*»

 

عن الكاتب

مي المغربي

كاتبة وصحافية من مصر. تخرّجت في كلية الآداب من جامعة الإسكندرية - قسم علم نفس عام 2019، وتفرّغت للكتابة بعد عملها لعامين كأخصائية نفسية. كتبت عددًا من المقالات والنصوص والحوارات…

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن