فى رمضان عام 1985، تم عرض مسلسل «هو وهى» لأول مرة على شاشة التليفزيون المصرى، وهو دراما اجتماعية ساخرة كتبها صلاح جاهين، وتتناول خلال 30 حلقة العلاقات الإنسانية والمجتمع. نجحت سعاد حسنى وأحمد ذكى فى تجسيد العلاقات ا بطريقة خفيفة و جذابة تجلت فيها الألفة والكيمياء التى تجمعهما على الشاشة.
قبل ذلك التاريخ بأربع سنوات، نجح الثنائى الاستثنائى فى إعطاء وزن وثقل لقصة بسيطة للمخرج محمد خان وهى «موعد على العشاء»1981، وهى من أوائل أفلام خان، والذى يحكى مأساة امرأة، وفيه شبه كبير بآخر أفلامه «فتاة المصنع» الذى تم عرضه العام الماضي.
يقول خان فى حديث لـ«الأهرام ويكلي» وقت وفاة سعاد حسنى: "تقابلت معها لمدة عام كامل، كنا نأكل ونتحدث عن الفيلم، كانت مُحبة للأكل، فى النهاية كان كل ما تريد معرفته هو دوافع الشخصية التى تلعبها وأدق تفاصيل حياتها".
يبدأ الفيلم بعد ست سنوات من التقاط صورة زفاف. نوال (سعاد حسنى) هى سيدة تعيسة تعيش مع زوجها عزت أبو الروس (حسين فهمى)، رجل الأعمال المتسلط والزوج الخائن الذي انتزعها من طفولتها ووضعها فى منزله الراقى فى أحد أحياء الإسكندرية، ويدعى أنه يُفَضل الأجانب لأنهم أقل عاطفية. بعد وقوع الطلاق، تعمل نوال سكرتيرة فى مكتب محاماة وتقع فى حب شكرى، مصفف شعر يعمل فى الصالون الذى ترتاده، ولكن تأتى الرياح بما لا تشتهى السفن، ويصبح الهروب أصعب مما تخيلت.
كان فيلم «شفيقة ومتولى» 1978، للمخرج على بدرخان هو أول عمل سينمائى لهذا الثنائى، ولكن الكيمياء السينمائية بينهما لم تظهر فى هذا الفيلم كما يجب، نظرًا لقلة المشاهد التي جمعتهما والتى لم تتعدى الثلاثة مشاهد.
استوحى خان قصة «موعد على العشاء» من خبر صغير فى صفحة الحوادث، وأهدى الفيلم لبطلة القصة الحقيقية "نوال"، حَوَّل خان هذه الحادث الأليم إلى أحد أكثر الأفلام رومانسية فى تاريخ السينما المصرية، واختار ممثليه بحرفية باهرة.
فى عام 1981، كانت سعاد حسنى قد حررت نفسها من أدوار الفتاه الشقية التى طالما التصقت بها فى الستينات، ونضجت لتصبح موهبة هائلة يمكنها أن تقول مجلدات بنظرة واحدة.
أحمد ذكى هو الآخر لم يكن بعيدًا عن الأسلوب السهل الممتنع فى التمثيل، ففى المشهد الذى يأتى فيه شكرى لمنزل نوال لأول مرة ليعطيها مرآة نستها فى صالون الشعر، يتحدثان فى أمور عابرة وتخبره إنها لا تتناول الحلوى، ولكن الحوار البسيط يقول أكثر من ذلك بكثير حين يمتزج مع ديناميكية اتصال نظراتهما، والكلمات الصامتة التى وضعها السيناريست بشير الديك (الذي جمعته كيمياء خاصة مع رفيق خان فى سينما الواقع، خيري بشارة) في مكان ما في حوار سحري موازٍ، تاركًا الفرصة للبطلين لملئ الفراغات بإبداع.
السيناريو التقدمى، الحوار البسيط، ولحظات الصمت الممتدة يقابلها لغة سينمائية مماثلة فى التصوير. ففى «موعد على العشاء» يأخذ مدير التصوير محسن نصر الواقعية التجريبية إلى أعلى مستوياتها من خلال تلاشى اللقطات داخل بعضها والتصوير من خلال مرايا (نوال وشكرى يظهران أول مرة معا من خلال مرآة الكوافير). نمط نصر التصويرى يشبه كثيرًا أسلوب عبد الحليم نصر فى فيلم «مكان للحب» لسعيد مرزوق، بزوايا التصوير غير معتادة، والانعكسات والمونتاج. (بالصدفة عمل مديرا التصوير محسن وعبد الحليم سوية مع سعاد حسنى وأحمد ذكى فى «شفيقة ومتولى»).
استخدام المرايا والانعكسات المتكرر فى تصوير الفيلم قد يوحى بأن كل شخصية لها أكثر من وجه، أو أن عالمهم به أكثر من حقيقة. الكاميرا والأبطال يندمجون ويصبحون واحدًا، فترى ما يرون بشكل طبيعى وغريب.
يقول الزوج المتسلط لنوال فى المشهد الأخير:"أنا باشوف فيكى صورة لنفسى وماكنتش عايز أخسرك".
السيناريو البسيط، والتصوير التقدمى، و الممثلون الموهوبون، كانوا جميعًا خيوطًا فى يد محرك العرائس الأوحد محمد خان فى خلق قصة الحب المشئومة هذه.
تقارير ذات صلة
عزل الجتّة من زورها: إعادة قراءة لحادثة «شفيقة ومتولي»
«شفيقة ومتولي» بين الموال والفيلم.. ثنائية الجاني والضحية
في ذكرى ميلادها.. سعاد حسني بين “السندريلا” و”زوزو”
"أنا سعاد أخت القمر.. حسني بين العباد اشتهر" (كلمات أحمد خيرت وغناء الطفلة سعاد حسني). كثيرون هم من يحلمون بدخول عالم الفن والتمثيل والشهرة، وقليلون من تسمح لهم الحياة بذلك،…
محمد رشاد عن «المستعمرة»: أن تحكي حكاية تشبه الناس بطريقة تشبهك
تحاوره ناهد نصر عن الفيلم وحكايته وأبطاله
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن