الناظم: (6) هوية على حرف
كان ذلك في العاشرة من عمري، أول انتباهي لفكرة كوني أجنبيًا في بلد يقول عن نفسه إنه بلد إسلامي يضم الحرمين بين حدوده. أول الانتباه حمل تفسيرًا لغمزات وإشارات وتلميحات في السنين السابقة لم أفهمها في وقتها: لون بشرتي واسمي وطريقة تلفظي حواجز الاغتراب الأولى، المسافة التي لم أفهم سببها إلا لاحقًا بين المصرية والسعودية. كنت سريع الحفظ، جيدًا في استظهار الآيات المقررة علينا في مادة القرآن الكريم. وقتها اشتريت المصحف المعلم لمحمود خليل الحصري، ثمانين شريط كاسيت يقرأها الحصري، ويردد وراءه طفل كنت أحسده على شهرته المبكرة، ونسيت اسمه اﻵن للأسف، لكنني لا أزال أتذكر مدائح المدرسين وزملاء التحفيظ لحداثة سنه وقدرته على ضبط القراءة مثل المتمرسين تمامًا.
كيف عرفت أن "مصريتي" التي جاهدت ﻹخفائها في المدرسة ستظهر في منطقة قوتي؟ كان ذلك في إحدى حصص القرآن، بينما كنت أقرأ وأجوّد محاكيًا أداء إمام الحرم سعود الشريم. كنت أقرأ سورة الإسراء، الآية الرابعة والعشرين على وجه التحديد، "وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ". انفلت لساني عن الصواب ونطقت الجيم دون تعطيش، جيمًا مصرية خالصة. حينها انفجر الفصل في الضحك، مع همهمات "يا مصري" و "إحنا بالسعودية مش في مصر". ابتسم المدرس وقال لي: "القرآن ماهو بمصري يا أحمد". اعتذرت وتحجّجت باعتيادي على سماع الآية كثيرًا من أبي وأمي. كانت آية التهدئة والوعيد في بيتنا إذا شاغبت، حتى طُبعت في ذهني بلفظ والديّ، فنسيت معها النطق الصحيح.
انطويت كثيرًا بعد هذه الواقعة، خاصة أن الإفيه أخذ دورة حياة طويلة بين الزملاء، الذين بدأوا يلصقون الجيم المصرية بكل الكلمات حتى وإن كانت غير مناسبة لها، ولإحكام المحاكاة المصرية، من وجهة نظرهم، كانوا يقلبون كل قاف همزة ثم يضحكون. كانت السخرية تحوي بعض انتقام من تفوقي عليهم، خاصة في حفظ القرآن، وكنت وقتها على وشك ختمه كاملًا.
في ذلك الوقت، فكرت أنه من البلاهة أن تُسمى اللغة العربية لغة الضاد، وأن أسباب التسمية سخيفة وغير مقنعة. أو كما قال لي مدرس اللغة العربية يومًا: كان من الواجب أن يسموها لغة "الجيم" حتى لا يختلط الصوت مع أصوات الحرف من لغات أخرى، فمن مشاكل الاستعمار دخول حرف "g" على اللغة في مصر.
كان النطق المصري أول وعيي بالحرف، وقت أن كانت أمي تعلمني حروف الهجاء، وقصار السور من القرآن. ثم لما بدأت في مشاهدة مسلسلات الكارتون المدبلجة، استقبل وعيي جيمًا جديدة: الجيم الشامية، التي يدخل عليها حرف J فتختلط بالشين وتترك مجرى للهواء مع لفظها. وبعد دخولي المدرسة، تعرفت إلى الجيم القرآنية المعطشة الممزوجة بدال، جيم إطباق الحنك وطرف اللسان على الأسنان العلوية.
وقتها ترجمت وجود الحروف الثلاثة كالتالي: المصرية جيم البيت، والشامية جيم كابتن ماجد ومازنجر، والثقيلة جيم القرآن والمدرسة والنصوص الشرعية. بعبارة أخرى كانت أصوات الجيم هي هوية اتصالي بالعوالم الثلاثة، ولم أكن أخلط بينها حتى واقعة سورة الإسراء.
غير أني بعد انفلات لساني بمصريتي في قراءة القرآن، صرتُ ألعب مع الأصوات الثلاثة بيني وبين نفسي: المصرية مع القرآن ربما لمعاندة الساخرين. الشامية في كلام البيت، أقول "جمبري" وأضحك. والقرآنية في مسلسلات الكارتون، تخيلوا كيف يمكن أن يكون كابتن ماجد ثقيلًا على اللسان بتعطيشه!
في نهايات المرحلة المتوسطة "الإعدادية" صرت جيدًا في البحث في التراث، وقد قرأت بعضًا من العقد الفريد والأغاني وحفظت مئات الأبيات. أردت البحث عن أصل اللفظ الصائب وسببه، والأهم، عن سبب تسمية الجيم القرآنية بـ"الجيم المعطشة". بحثتُ كثيرًا دون الوصول إلى شيء، فتركت خيالي يقوم بمهمته في ملء الفراغات المعرفية في رأسي: تخيلت حرف الجيم سيدة سمينة تعاني من أمراض زيادة الوزن، وكان لا بد من عقابها، فمُنع عنها الماء، فلم يروِها ولم تُسق حتى أصابها الإعياء، وهنا حملها الدال على كتفيه، فصارت حرفًا مزدوجًا، جيم القرآن، جيم الصحراء لا بد أن تعطش لقلة الماء.
بينما في الشام ملأ الشين بطنه بالماء فغرقت الجيم فيها.
أما في مصر فالجيم السمينة الكسولة مكتفية بذاتها، لا تحتاج لعذاب الدال ولا دلال الشين، حرف مستقل له حياته الخاصة.
آه، بالمناسبة أنا أُذَكّر بعض الحروف وأؤنث بعضها الآخر دون سبب واضح إلا إحساسي بها. الجيم حرف مؤنث والدال والشين حرفان مذكران. ترونها سذاجة؟! البشرية كلها تؤنث الألوان وتذكرها دونما سبب واضح، ما جاتش عليا.
ضاع مني الكثير من الله، كما لو أنني "أعبد الله على حرف" كما تقول الآية، كانت الجيم حرفًا/حافة أتعثر عليها بين هويات و"أصول" و"بداهات" لسانية كما كنت أسميها في صغري، لكن بحثي عن الجيم ظل متواصلًا، وإن لم يكن بنفس حماسة المراهقة، وتبدد الخيال الكارتوني بالجيم المؤنثة والدال والشين المذكرين في سراديب التعقل الطارئ.
غير أني في أحد الأيام وقعت على ما كتبه ابن فارس الرازي في مؤلفه الضخم "فقه اللغة"، وهو الكتاب الذي فتنني لعنايته بالأصوات. يقول ابن فارس "حدثني عليُّ بن أحمد الصبَّاحيُّ، قال سمعت ابن دُرَيْد يقول: حروفٌ لا تتكلم بها العرب... والحرفُ الَّذِي بَيْنَ الشين والجيم" أي أن الجيم الشامية ليست من كلام العرب، أو أنها من اللغات المذمومة.
أما الجيم المصرية، ويا للغرابة، اكتشفت أنها صائبة لغويًا! يقول العالم اللغوي الدكتور محمد داوود التنير في كتابه "ألفاظ عامية فصيحة": "الجيم كما تُنطق في مصر غير معطّشة، ولا سيّما في الكلام، لا غبار على فصاحتها، فهي لغة لقبائل يمنيّة". فيما بعد علمت أن أغلب القبائل العربية التي فتحت مصر كانت من المنطقة اليمنية التي لا تعطش الجيم، خاصة في شمال مصر، أما جنوبها فانتشرت القبائل النجدية والحجازية، ولذلك لا يعطش أهل الدلتا ويعطش الصعايدة.
كل هذا لم يجب عن سؤالي "لماذا سميت معطشة؟ لماذا لم تُسق ولا تُرو"؟ حقيقة الأمر إنني رغم تصالحي مع كل تجليات الجيم، فلا تزال حرفًا مربكًا تمامًا في قراءاتي، لأني كنت أعطشها أحيانًا وأقلبها شامية أحيانًا ومصرية أحيانًا. ليس لديّ موقف حاسم تجاهها. بالعكس، كل نطق لها يشعرني بعدم الانتماء وارتباك الهوية، المعطشة في الكلام العادي كأنني أقرأ القرآن، والشامية كأنني في مسلسل كارتون مدبلج، والمصرية تشعرني أنني أمثل في مسلسل "أبو حنيفة النعمان"، بينما محمود ياسين يخاصم التعطيش تمامًا، ولعله أول مسلسل فصحى تاريخي مصري لا تعطَش فيه الجيم، لكني كنت أميل للقرآنية لاعتقادي أنها الأسلم لغويًا.
هكذا كنت في المساحة البيضاء بين الحروف الثلاثة، بين هويات ثلاث تتنازعها وتتنازعني. عندما قرأت عن "الهوية" للمرة الأولى في الثانوية العامة، لم أقتنع أبدًا بتعريف أن الهوية هي الذات. كنت أرى أنها الوعي بالذات والتعرف عليها. أما غلافها الخارجي فهو اللغة.
وقعت في غرام محمد عفيفي مطر، على غموضه وصعوبته الفارغة، بشكل خاص لأنه كان يعطش الجيم في قراءاته. أحسست أن بيننا "صلة" بصيغة ما. ولما قرأت كتابه "أوائل زيارات الدهشة" عن نشأته، تأثرت كثيرًا بفصل فيه اسمه "ثلج الجيم المعطشة" لأنه ذكرني بغرابة علاقتي بالجيم، لولا أن موقفي كان مقلوب موقفه؛ هو عطّش فضحكوا عليه، أنا لم أعطّش فضحكوا عليّ. لم تكن الجيم لي وله مجرد حرف متعدد الأصوات، بقدر ما كان علامة على الهوية.
تقارير ذات صلة
الاٮساں صد الاله: ٮوره الٮٯاط العرٮىه
ٮسڡىر الحروڡ امر ٮسىط کما ٮعلمٮا حمىعا ڡى المدرسه، ىعٮمد الکمٮىوٮر على سڡره ٮٮاىىه. لا ىعرڡ سوى 0 و1
بودكاست | «تسجيل الوفيات».. خالد فهمي وفادي عوض عن تاريخ الأوبئة ولغتها في «المحروسة»
مفردات عالم الكورونا
كيف تخفي كلامك بنوادر الصيغ وتتصفّح الإنترنت بحرية البلاغة؟
في هذه الأيام كلنا نحاول أن نخفى وجودنا على الإنترنت
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن