المسلسلات المصریة وإعادة صیاغة التاریخ
في العام 2019، دُشن مسار العودة لإنتاج المسلسلات التاریخیة المصریة، بعد توقف دام لسنوات، فبدأ تصویر مسلسل «سیف الله المسلول خالد ابن الولید» الذي استند على كتاب «عبقریة خالد»، للأدیب عباس العقاد. لكن المسلسل لم ير النور بسبب الانتقادات الكثيرة التي رافقت عملیة التصویر. تردد وقتها أن هدف المسلسل هو منافسة الدراما التركیة، وأن السعودیة تقف خلف تمویل عملیة إنتاجه. أما المعترضون، فكان خطاب جلهم منسجمًا مع التوجه السیاسي السائد، فعارضوا إنتاجه لأنهم وجدوه لا یخدم الخطاب السیاسي للنظام المصري. وفي مقدمة هؤلاء إبراهیم عیسى، الذي كتب بعد إعلان شركة «سینرجي» عن المسلسل: «هذا لیس وقت الفتوحات، بل هو وقت أن یعرف الناس تاریخ مصر».و
منذ ذلك الوقت، عادت المسلسلات التاریخیة المصریة إلى الواجهة من جدید. أنتج عدد من المسلسلات، تطرق بعضها إلى التاریخ الفرعوني، وبعضها الآخر إلى التاریخ الإسلامي، بینما غطت مسلسلات أخیرة مواضیع متصلة بالتاریخ المصري الحدیث. قبل أعوام، عندما كان یثار النقاش حول أسباب توقف المسلسلات الدینیة المصریة، كان الرد أن هذا النوع من المسلسلات مكلف ولا يرحب به القطاع الخاص الذي یمول عملیة الإنتاج، وأن الدولة هي الوحیدة القادرة على إنتاجه والاستثمار فیه، أقله «لإبراز الصورة الحقیقیة عن الإسلام»، كما أشار المخرج أحمد صقر.
یفسر البعض عودة شركات إنتاج خاصة وأخرى مملوكة للدولة لإنتاج المسلسلات التاریخیة، بالتطور التقني، ووجود المنصات التي أصبحت توفر جزءًا لا بأس به من تكالیف الإنتاج الباهظة. أیضًا على مستوى الإنتاج، فإن وجود تقنیات «الجرافیكس» ساهم بالتوفیر في میزانیة الدیكور.
قد تكون التطورات التقنیة لعبت دورًا أساسیًا في العودة لإنتاج المسلسلات التاریخیة المصریة، إلا أن هذه العوامل، لو صحت، تبقى في غالبها مقتصرة على مسلسلات الفانتازیا، أي المعتمدة على الأساطیر والقصص الغرائبیة، مثل المسلسلات المستمدة من حكایات «ألف لیلة ولیلة» أو مسلسل «جودر» مثلًا. أما المسلسلات التاریخیة فإنتاجها لا یزال یتطلب الكثیر من المال والدقة التاریخیة والحذر في ظل الرقابة.
لكن لا یمكن فهم العودة إلى إنتاج المسلسلات التاریخیة بمعزل عن الوضع السیاسي في مصر خلال العقد الأخیر، خاصة في ظل استدعاء النظام للتاریخ لخدمة خطابه، وفي ضوء ما هو راسخ عن حصول المسلسلات التاريخية على نسب مشاهدة عالية، مما يجعلها أداةً مناسبةً للوصول إلى جمهور واسع، بعد تضمینها أنساق فكریة تبلغ حد الإسقاط المباشر.
بعد موقعة «خالد بن الوليد»، كان التوجه نحو التاريخ الفرعوني محاولة لتقدیم الهویة المصریة الحدیثة متخففة من ميراث الجماعات الإسلامية. بمعنى آخر، شجع هذا الخطاب ضمنیًا مسألة طرح هویة مصریة جدیدة تروج لخطاب النظام السیاسي الحالي. متسقًا مع هذا الطرح، برزت محاولة لإنتاج مسلسل «الملك» الذي ینتمي إلى الحقبة الفرعونیة، ویستعرض قصة الملك أحمس الأول، مؤسس حكم الأسرة الثامنة عشر المالكة لطیبة.
تفصّل موسوعة مصر القدیمة، للكاتب سلیم حسن، سیرة الملك أحمس الأول، وتتطرق إلى نجاحه في طرد الغزاة، وإجرائه الإصلاحات في طول البلاد وعرضها بعد استتباب الأمن، وتأسیسه لنهضة شاملة من بعده. وتوثق لوحة عظیمة بمعبد «الكرنك» إنجازاته ومن ضمنها المباني التي أمر ببنائها للإله «أمون»، والتي شملت أكالیل عظیمة من الذهب، وقلائد من حجر اللازورد الحقیقي، وتعاویذ من الذهب، وإبریق ماء عظیمًا من الذهب. وأحمس عندما أمر بذلك، كان قد بدأ أیضًا في بناء المعابد المهمة بعاصمة البلاد.
تفسر الموسوعة أن الاعتناء بالعاصمة على هذا النحو كان لجعلها مركزًا دینیًا، ولحاجة البلاد الضروریة إلى تنمیة الثروة للنهوض من كبوتها الاقتصادیة طویلة الأمد. يرد في اللوحة أيضًا طلب الملك من رعیته احترامه: «أصغوا یا أهل الوجه القبلي، ویا رجال الدین، ویا أهل الوجه البحري، ویا أیها الناس جميعًا، یا مَن یتبعون هذا الملك في خطواته، أعلنوا فخاره للآخرین وتطهروا باسمه، وتطهروا بحیاته (بحلف الیمین)، تأملوا إنه إله على الأرض فقدموا له الخضوع مثل «رع»، أثنوا علیه مثل ثنائكم على القمر...».
تقِّدم تفاصیل سیرة الملك تفسیرًا عن سبب اختیاره لإنتاج مسلسل عنه، خاصة بعد الإعلان عن العاصمة الإدارية الجديدة، ويمكن النظر للمسلسل كامتداد واستثمار في نجاح مشهدیة موكب نقل المومياوات. لكن النتائج جاءت مخیبة، فقد مُنع المسلسل من العرض، بعد كم الانتقادات لـ«البرومو» الذي أثار موجة من السخریة بسبب عدم الدقة في اختیار الملابس وملامح الممثلین، بالإضافة إلى ملاحظات نقدیة كثیرة أجبرت شركة الإنتاج على التراجع عن إكمال المسلسل.
ثمة أیضًا توجه للعودة إلى إنتاج مسلسلات تاریخیة تركز موضوعاتها على الفقه الإسلامي، وتخدم الخطاب الإسلامي المعتدل. ففي السابق، كانت المسلسلات التاریخیة الدینیة تنتج لأهداف مواكبة الأجواء الرمضانیة، وكان الجدل یثار حول الأعمال التي تتناول حقبة القرن الهجري الأول وتحدیًدا حول جواز تجسید شخصیات الصحابة، قبل أن تضیق دائرة التحریم لتقتصر على تجسید الخلفاء الراشدین (وهو ما سیتجاوزه الإنتاج السعودي/القطري لاحقًا في مسلسل «عمر» عام 2012). وكان ثمة تحفظات عامة على المسلسلات الدینیة لكونها تخدم موجة التدین التي تستفيد منها التیارات الإسلامیة.
في موسم رمضان 2023، عرض مسلسل «رسالة الإمام»، تألیف محمد هشام عبیة، وإخراج اللیث حجو، الذي تناول السنوات الأخیرة في حیاة الإمام الشافعي التي قضاها في مصر. یتشابه الوضع الحالي لمصر مع وضعها في تلك الحقبة، عندما كانت الدولة تعاني من صراع سياسي ومذهبي بین فرق دینیة متعددة، بينما ظل الإمام الشافعي وسطیًا بمنأى عن هذه الصراعات.
أثار المسلسل موجة من الانتقادات تركزت حول الأخطاء التاریخیة فیه، بما فیها أحداث لا یمكن التثبت من صحتها، غیر أن الهدف من تضمینها بدا واضحًا، مثل استعانة الشافعي براهب مسیحي لعلاج زوجته. فقد استحضرت بعض الانتقادات أن الشافعي كان معروفًا بسعة اطلاعه في علم الطب والتشریح ونقل عنه: «لولا اشتغالي بالفقه لاشتغلت بالطب». لكن لَّي عنق التاریخ لأهداف سیاسیة یتطلب التأكید على العلاقة المستقرة بین المسلمین والأقباط في أوقات الأزمات العاصفة.
أما في الموسم الرمضاني التالي، قّدم مسلسل «الحشاشین»، كتابة عبد الرحیم كمال، وإخراج بیتر میمي، معادلة جدیدة، تمزج بین طموحات النظام المصري وحاجة الشركاء الإقلیمیین له، بل والترویج للتوجهات المشتركة لدرجة أن أحد الكتّاب سیصف نجاح هذه الخلطة بأنه استعادة لعرش الدراما التاریخیة.
یركز مسلسل «الحشاشین» على الأفكار والتكتیكات التي اتبعتها فرقة الحشاشین الإسماعیلیة، التي اشتهرت بین القرنین الحادي عشر والثالث عشر المیلادي. یقّدم المسلسل الجماعة غیر متورعة عن استخدام الاغتیالات في سبیل تحقیق أهدافها، في دعوة سریة تعتمد على التجنید الفردي باستثمار الظروف الخاصة سواء كانت اقتصادیة أو اجتماعیة أو دینیة، وتدرب أتباعها على القتال، وتعبئهم بأفكار خیالیة تحضیرًا للتضحیة بأنفسهم. وبلا توریة، یظهر المسلسل محاولته المباشرة لتشبیه «الحشاشین» بجماعة الإخوان المصریة، في توجه سیاسي مصري نظامي یلاقي التوجهات السعودیة والإماراتیة السیاسیة خلال سنوات الربیع العربي وما بعدها إزاء جماعات الإسلام السیاسي.
یحاول المسلسل من خلال شخصیة أبو حامد الغزالي أن یقدم رؤیة معتدلة لعلاقة الفكر الدیني بالسلطة، حیث یخدم الدین الأوضاع السیاسیة السائدة، مروجًا للإسلام المعتدل الذي یخدم الدولة ولا یتصادم معها. كما یقدم المسلسل شخصیة نظام الملك كنموذج لرجل الدولة المخلص، لكن أیضًا ذو الحس الأمني الفرید والذي قد يقع في الأخطاء. وإذا كان دور الغزالي مرتبطًا بالدین والموقف من الدولة، ودور نظام الملك متعلقًا بالدولة حصرًا، فدور ابن المؤذن في المسلسل یشمل الدورین السابقین، إضافة إلى التصاقه بالحیاة الدنیا، فهو حین یحارب «الحشاشین» یحاربهم لأغراض مزدوجة، بوصفه شابًا مخلصًا لأفكار معلمه الغزالي، وقیامًا بواجبه كجندي یحاول الأخذ بالثأر لوالدیه اللذین قتلهما «الحشاشین»، ولتخلیص حبیبته من الأسر أیضًا.
أما وجود شخصية عمر الخيام في المسلسل، فدلالة على التخلي عن التطرف والتسامح مع العلوم والإبداع. يقدم المسلسل عمر الخيام كشخصية لطيفة مبدعة في مجالات كثيرة، فهو يكتب الشعر ویتبحر في مجال الفلك، ويشرب الخمر ويتردد على الحانات، ویتهم بالإلحاد لشكوكه، لكن الغزالي یتعامل معها ویتفهمها. الخیام أیضًا یحترم الصداقة، لكنه رافض لعنف أصدقائه، وزاهد في السلطة، وقریب من البسطاء. وبهذا المعنى، فإن شخصیة عمر الخیام تكاد تغمز إلى التحولات الثقافیة التي شهدتها السعودیة في السنین القلیلة الماضیة.
تعتمد إعادة صیاغة التاریخ على انتقاء الموضوعات وتأطیر بعض الأحداث وتكثیف الرمزیة فیها لخدمة أجندة سیاسیة محددة. فمن خلال إعادة الصیاغة، یمكن تغییر فهم الشعوب لهویاتها وجذورها، وبالتالي توجیه سلوكها. لهذا یقال إن «من یسیطر على سرد الأحداث التاریخیة، یسیطر على عقول الناس».
تعزز الأمر هذا منذ الربیع العربي، حیث صار الفن الدرامي في قلب المعركة التي تخوضها الأنظمة السیاسیة الحاكمة في مواجهة مشروعات الإسلام السياسي بجناحیه السني والشيعي. لم یعد الفن بمنأى عن التحولات السیاسیة، بل صار في قلبها.
* أنجز هذا النص ضمن برنامج «الصحافة الثقافية النقدية» (2023-2024)، الذي تديره مؤسسة الصندوق العربي للثقافة والفنون-آفاق بالشراكة مع الأكاديمية البديلة ممثلةً بشبكة فبراير. وقام بالتحرير الكاتب هلال شومان.
تقارير ذات صلة
«ممالك النار» و«القادسية» أو كيف تستخدم الدراما في بعث «القومية»
أدخلتنا ألاعيب الخطاب القومي في كل ذلك الجدل الممل، فلا بقي المسلسل مسليًا، ولا أخُذت أسئلة التاريخ
سهرة بصحبة هوانم جاردن سيتي
لماذا تشعر الهوانم بالحزن بعيدًا عن جاردن سيتي وبالقرب من دوائر صنع القرار؟
«جيم أوف ثرونز»، عالمنا خلف الشاشات
العالم يقف بندية لعالمنا، وصراعاته تشبه صراعاتنا، ونزعاته الدموية والجنسية قد تكون أكثر وضوحًا
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن