نحن على أبواب عام مالي جديد، والذي يأتي كسابقه في ظل تفشي وباء كورونا. لكن مشروع موازنة 2021 /2022 أعدته الحكومة في ظل «كورونا» وآثاره الاقتصادية، بعكس موازنة العام المالي الحالي المُعدة استنادًا إلى تقديرات بشأن الاقتصاد العالمي تعود إلى يناير 2020 قبل الوباء الذي انتشر بمصر في فبراير من العام نفسه.
يمكن لمَن يقرأ مشروع الموازنة، الذي قدم وزير المالية بيانًا حوله لمجلس النواب قبل أيام، أن يغرق في الأرقام بلا هدى. لكن في هذه القراءة السريعة نبحث عن وضع «الحماية الاجتماعية» كأولوية للمواطن العادي في الموازنة، أي الصحة والتعليم والدعم. والحماية الاجتماعية هي «جميع التدابير التي توفر الاستحقاقات النقدية والعينية من أجل ضمان أمان الدخل والرعاية الصحية»، بحسب تقرير إصلاح نظم الحماية الاجتماعية في البلدان العربية الذي صدر عن إحدى لجان الأمم المتحدة في 2019.
منح مشروع الموازنة الصحة بالذات أولوية خاصة، إذ يُتوقع نمو بنود الإنفاق عليها في العام المالي الجديد قياسًا إلى سابقه، وذلك وفقًا للتصنيف الوظيفي (توزيع النفقات على الوظائف أو القطاعات والأهداف التي تستهدف الحكومة تحقيقها سواء كانت الأهداف اجتماعية أو اقتصادية كالتعليم أو الصحة)٬ بينما حظي التعليم بنمو في مخصصاته على نحو إيجابي قياسًا إلى معدل التضخم المتوقع.
وفي المقابل جاءت مخصصات الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية في ذيل أولويات الحكومة قياسًا إلى غيرها من بنود الإنفاق، وفقًا للتصنيف الاقتصادي (تقسيم الإنفاق بحسب طبيعته من قبيل المرتبات وشراء السلع والخدمات، والدعم والمنح وسداد الفوائد)، إذ شهدت مخصصاتها انخفاضًا.
يظهر الشكل التالي معدل نمو الإنفاق على بنود الموازنة العامة وفقًا للتصنيف الوظيفي مقابل معدل التضخم المتوقع.

ويتضح من الشكل السابق أن الإنفاق على الصحة تصدر أولويات الحكومة، وذلك بسبب نمو الإنفاق المتوقع في العام المالي الجديد قياسًا إلى الحالي، بمعدل نمو يبلغ 16.27% وهو معدل نمو إيجابي قياسًا إلى متوسط معدل التضخم المُستهدَف، كما يظهر من الشكل.
كما يتضح من نفس الشكل أن الإنفاق على التعليم بدوره حظي بمعدل نمو إيجابي قياسًا إلى التضخم، إذ يصل هذا النمو إلى 9.56%.
ومع ذلك، لا يزال الالتزام بالحد الأدنى للإنفاق على الصحة والتعليم المحدد بالدستور بعيد المنال.
يظهر الشكل التالي الإنفاق على الصحة والتعليم في مشروع موازنة 2021/2022 كنسبة من الناتج المحلي، مقابل الاستحقاق الدستوري.

ينصّ الدستور الحالي على أن «تلتزم الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي للصحة لا تقل عن 3% من الناتج القومي الإجمالي»، لكن مجلس النواب قرر، في 2016، تطبيق مفهوم الناتج المحلي في إقرار الموازنة بدلًا من مفهوم الناتج القومي بسبب ندرة البيانات حول المفهوم الأخير. ويشير الناتج المحلي إلى إجمالي قيمة الإنتاج داخل البلاد، أما الناتج القومي فهو مفهوم يشمل إنتاج المصريين خارج حدود البلاد، شاملًا الاستثمارات المصرية في الخارج على سبيل المثال. كما ينصّ الدستور على أن تلتزم الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي للتعليم -الذي يشمل التعليم المدرسي والعالي- لا تقل عن 6% من الناتج المحلي.
أما فيما يخص الدعم٬ فقد خصصت الحكومة في موازنة العام المالي الحالي 326.280 مليار جنيه لبند الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية. ولكن مع اقتراب هذا العام من نهايته في 30 يونيو المقبل٬ فإن الحكومة تتوقع أن يُنفق 305.345 مليار جنيه، بانخفاض ملموس قدره 6.4% تقريبًا. وقد أُضيف هذا الفارق إلى بند الدعم في مشروع موازنة «2021 /2022» الذي سيبدأ في يوليو المقبل، وبلغت مخصصات الدعم في هذا المشروع 321.301 مليار جنيه.
ويوضح الشكل التالي أولويات الموازنة في توزيع موارد الإنفاق على عدد من بنود الدعم والمنح والحماية الاجتماعية الأساسية بناءً على حجم نمو كل منها في موازنة العام المالي الجديد مقارنة بمخصصات كل بند في الموازنة الحالية.

ترى هبة الليثي٬ مستشارة رئيس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء٬ أن النمو الضعيف عمومًا لدعم المواد التموينية -الذي يقل عن مستوى التضخم- يرتبط بخطة الدولة في استبعاد «غير مستحقي الدعم التمويني» مما يقلّل من التكلفة الإجمالية لهذا الدعم.
«هذا التوجه في حد ذاته لا بأس به طبعًا، ما دام مَن يُستبعدون من الدعم التمويني لا يستحقون الدعم فعلًا» بحسب ما تقول الليثي، لكنها تضيف أن «الوفورات المتحققة من هذا الاستبعاد لا ينبغي أن تُعتبر مجرد وسيلة لتخفيض تكلفة دعم التموين [تهدف] إلى خفض النفقات فقط، وإنما ينبغي أن يُعاد توزيعها على المستحقين [عبر] رفع مخصصات الأسرة من دعم التموين، وهو ما لم يحدث».
ويستهدف مشروع الموازنة الجديد أن يصل عدد المستفيدين من الدعم التمويني إلى 63.3 مليون فرد، وهو ما يخفض عدد المدعومين تموينيًا عما أُعلن في ديسمبر الماضي، والذي بلغ 64.3 مليون. في حين كان المستفيدون 71 مليون فرد في العام المالي 2017/ 2018 . وهذا التراجع في أعداد المستفيدين من الدعم التمويني لم يصحبه رفع حجم الدعم التمويني للأسرة منذ ذلك العام المالي.
«أما فيما يتعلق بالدعم النقدي [الضمان الاجتماعي وبرنامجي تكافل وكرامة] فمن الطبيعي أن بعض الأسر ستتوقف عن الحصول على الدعم النقدي بعدما تتحسن أحوالها، وبالتالي لا ينطبق عليها شروط الحصول على الدعم، على أن يسمح ذلك بتمتع أسر أخرى بهذا الدعم» بحسب الليثي والتي تضيف: «لكن ثبات إجمالي تكلفة الدعم النقدي على هذا النحو يعني أن القيمة الحقيقية للدعم الموجه للأسر قد انخفضت بسبب عوامل التضخم، خاصة أن الدعم النقدي كان يفترض التوسع فيه بشكل استثنائي، فيتوقف استبعاد بعض الأسر، ويرتفع العدد الإجمالي للأسر المستفيدة في مواجهة التداعيات الاجتماعية لتفشي فيروس كورونا، وهو ما لم يحدث في موازنة العام المالي الحالي أو المُقبل».
كما ترى الليثي أن سياسات مواجهة الفقر لا يمكن أن ترتكز على مجرد الإنفاق على الصحة والتعليم دون تحسين الإنفاق على الدعم أيضًا، وتوضح أن «سياسات الإنفاق على الصحة والتعليم تساهم في مواجهة الفقر على المدى المتوسط والبعيد. بينما تمثل سياسات الدعم مواجهة الفقر على المدى الأقصر، ولهذا فلا يمكن [الاكتفاء] بتحسين الإنفاق على الصحة والتعليم على صعيد الحماية الاجتماعية دون تحسين سياسات الدعم».
ومن جانبه، يرى نعمان خالد٬ مساعد مدير البحوث ومحلل الاقتصاد الكلي في بنك الاستثمار «أرقام كابيتال»٬ أن الحكومة تنطلق في مشروع موازنة العام المالي الجديد من افتراض مفاده انتهاء الآثار الاقتصادية والاجتماعية غير المباشرة لتفشي «كورونا»، بسبب عودة النشاط الاقتصادي -تدريجيًا على الأقل- لسابق عهده مع نهاية سياسات إغلاق الأنشطة الاقتصادية. ولهذا السبب، لا تمنح الحكومة الأولوية لمواجهة تلك الآثار عبر الإنفاق على بند الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية عمومًا. وفي المقابل، فإن وجهة نظر الحكومة هي ضرورة معالجة الآثار المباشرة لتفشي «كورونا» المتمثلة في إصلاح النظام الصحي عبر الإنفاق على قطاع الصحة.
تسعى الحكومة في العام المالي الجديد إلى خفض عجز الموازنة إلى مستوى 6.7% مقابل 7.7% من الناتج المحلي في الموازنة الحالية، ضمن مسار مستمر من خفض عجز الموازنة الذي كان يبلغ 12.5% في 2015/ 2016. وهو الأمر الذي يشرحه خالد بقوله: «أولوية الحكومة المطلقة الآن فيما يتعلق بسياسات الإنفاق في الموازنة هي العودة إلى الضبط المالي (خفض الإنفاق وزيادة الإيرادات لتخفيض العجز في الموازنة والدين العام)، ووقف أي إنفاق استثنائي يتعلق بمواجهة الآثار الاقتصادية لفيروس كورونا بما في ذلك الإنفاق الموجه لدعم النشاط الاقتصادي». ويضيف: «هذه الأولوية تعود إلى ضرورات تحسين التصنيف الائتماني لمصر والذي يبدو مستقرًا عند مستوياته الحالية دون تراجع، لكن دون تحسن أيضًا بسبب مستويات العجز الحالية في الموازنة والتي ترى مؤسسات التصنيف الإئتماني ضرورة خفضها إلى مستوى 3% في المتوسط، وهو المستوى الذي يمثل المتوسط السائد في الأسواق الناشئة».
والتصنيف الائتماني هو تقدير تجريه وكالات متخصصة لجدارة مؤسسات أو دول للحصول على قروض بناءً على معايير مالية واقتصادية وسياسية تتعلق بـ«الاستقرار السياسي» في الأساس، فكلما تحسن التصنيف تحسنت شروط الاقتراض، والعكس صحيح.
تقارير ذات صلة
عام مالي جديد: ما تحتاجون معرفته عن كعكة الموازنة ومن أكلها
استحوذ قطاع الخدمات العامة وحده على ما يقرب من 60% من إجمالي المصروفات العامة،
رحلة الدعم والديون في ميزانيات السيسي من «أنتم نور عينينا» إلى «هو أنا معايا فلوس للكلام ده»
قصة الاقتصاد المصري في عشر سنوات
10 سنين صحافة مستقلة: ما قلناه في الاقتصاد
كانت مصر تمر بأزمة سياسية واقتصادية استثنائية حين انطلق موقع «مدى مصر» منذ عشر سنوات. واليوم، نعيش في ما يبدو ذروة تقاطع الأزمة السياسية مع الاقتصادية. منذ بدايتنا ونحن نرصد…
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن