«أموالهم غنيمة».. تقرير حقوقي يرصد تداعيات سياسات التحفظ والاستيلاء على الشركات
قالت الجبهة المصرية لحقوق الإنسان إن ممارسات التحفظ على الأموال والأصول المملوكة للأفراد والشركات، وفقًا لقوائم الكيانات الإرهابية والإرهابيين في إطار الحرب على الإرهاب، تشهد توسعًا واستمرارية غير منضبطة تستهدف قطاع الأعمال الخاص والاستثمار المحلي بنطاقاته المتوسطة والكبيرة والملكية الخاصة للأفراد، وذلك بعد أكثر من مضي عشر سنوات على بدايتها.
وأشارت الجبهة، في تقرير أصدرته أمس، بعنوان «أموالهم غنيمة لنا.. تهديد الشركات والاستثمار المحلي تحت ستار الحرب على الإرهاب» إلى أن استهداف السلطة لرجال الأعمال والشركات تجاوز كثيرًا أعضاء تيار الإسلام السياسي وجماعة الإخوان المسلمين، وبات يُشكل تهديدًا واسعًا لمجتمع الأعمال والاستثمار المحلي في مصر.
وذكر التقرير أن السلطة وظَّفت هذا الاستهداف لحل سلسلة من أزماتها المالية والاقتصادية وإعادة هندسة وإدارة السوق المصرية وفقًا لتفضيلاتها بشكل يناقض الدستور ومبادئ السوق الحر وقوانين العمل وحقوق الإنسان، بما يفاقم الأزمة الاقتصادية الداخلية للبلاد ويجعلها بيئة غير آمنة للاستثمار والاقتصاد الحر.
المدير التنفيذي للجبهة، أحمد عطالله، قال إن السلطات المصرية أصدرت عددًا من القوانين الاستثنائية تحت شعار الحرب على الإرهاب، مكنتها من إطلاق أيدي الأجهزة الأمنية العاملة في نطاق مكافحة الإرهاب في ملاحقة قطاع الأموال والشركات الخاصة، وجمع المعلومات اللازمة عنها دون قيد أو مساءلة ودون مسوغات في كثير من الأحيان سوى الاشتباه، بما يخرق النصوص القانونية الحامية لسرية البيانات المالية والاقتصادية، ويعصف بالحقوق المكفولة في قوانين الاستثمار والعمل وغيرها.
وشدد عطالله في حديثه لـ«مدى مصر» على أنه بموجب القوانين والإجراءات الاستثنائية، لم يقف استهداف السلطة لأموال جماعة الإخوان المسلمين ورجال الأعمال المنضوين تحتها أو المرتبطين بأعمال معها، وهو ما استمر منذ 2013 وحتى 2018، بقيمة قدرت بحوالي 300 مليار جنيه، بحسب أحد التقديرات، وإنما امتد إلى موجة ثانية من التحفظ ومصادرة الأموال بدأت عام 2018 وحتى اليوم، لتشمل طيفًا أوسع من الشركات ذات النطاقات الكبيرة والمتوسطة والأصغر، والتي لم تحظَ الانتهاكات التي تعرضت لها بتغطية حقوقية وإعلامية كبيرة.
ودلّل عطالله على ذلك بزيادة قضايا الانضمام والتمويل وربطها بالإرهاب، والتي تنظرها نيابة أمن الدولة، إضافةً إلى استهدافها عددًا واسعًا وعشوائيًا من المواطنين، مشيرًا إلى قضايا مثل «التنسيقية المصرية للحقوق والحريات» و«خلية الأمل»، وغيرها من القضايا التي ضمت رجال أعمال وسياسيين وحقوقيين لا يربطهم سوى محضر تحريات الأمن الوطني.
وأشار عطالله إلى رصد الجبهة في تقريرها استمرار وتيرة القبض على أصحاب شركات كبيرة ومتوسطة في قطاعات مختلفة، وتوجيه تهم بالانضمام للجماعة والتمويل لهم، وهو ما ينتهي إلى غلق تلك الشركات ومغادرة أصحابها للبلاد بمجرد الإفراج عنهم، مضيفًا أنه «بشكل دوري يظهر في نيابة أمن الدولة وأحيانًا في نيابات جزئية أصحاب شركات مقبوض عليهم، وفي بعض الفترات تكون القضايا هذه أكثر من قضايا النشر».
وحددت الجبهة المصادر التي اعتمدت عليها لرصد ما وصفته بـ«الاستهداف الممنهج لقطاع الاستثمار والأعمال تحت مظلة اتهامات الإرهاب» في خمسة مصادر، بينها أوراق قضايا تخص اتهام تسعة من رجال الأعمال والعاملين بالشركات، خلال الفترة بين 2017-2022، باتهامات إرهاب، إلى جانب مقابلات شخصية مع ثلاثة من الضحايا الذين تعرضوا لما وصفه بـ«انتهاك لحقوق الملكية» على أيدي قوات الأمن خلال الفترة بين 2021-2024 على خلفية اتهامات بالإرهاب، فضلاً عن مقابلة أحد المحامين المطلعين على الجوانب العملية لهذا الاستهداف بشكل قانوني وإجرائي، إلى جانب أحكام التحفظ على الأموال والمصادرة الصادرة عن المحاكم المختلفة، والقوانين الخاصة بمكافحة الإرهاب.
أما مظاهر الاستهداف، فقد حددها التقرير في استهداف كل من «كبار رجال الأعمال» و«شركات صغرى تنافس شركاء قريبين من السلطة في مجالات مختلفة»، و«المتعاملين مع الشركات وأصحاب الأعمال»، و«شركات الأفراد والشركات المساهمة»، إضافة إلى الاستيلاء على الأصول والأموال أثناء المداهمات.
وفيما يتعلق باستهداف كبار رجال الأعمال، رصد التقرير تبلور نمط متزايد من استهداف كبار رجال الأعمال والشركات محلية الملكية تحت مظلة اتهامات الإرهاب وتمويل الجماعات الإرهابية في سبيل الضغط عليهم للتنازل عن ممتلكاتهم أو إجبارهم على الدخول في شراكات مع الشركات المملوكة للدولة أو شراء المتعسر منها بمبالغ ضئيلة لا يقبل بها رجال الأعمال أو التبرع بمبالغ كبرى للصناديق السيادية بشكل مستمر ودوري.
وعدد تقرير الجبهة أمثلة على استهداف فئة كبار رجال الأعمال، مثل رجل الأعمال صلاح دياب الذي بدأ استهدافه في 2015 وتكرر مجددًا في 2020، والذي انتهى بتنفيذه ما طُلب منه، وكذلك رجل الأعمال محمد الأمين، ورجل الأعمال حسن راتب الذي اتهم بالتنقيب غير القانوني عن الآثار رغم إصراره على قيامه بذلك بمعرفة الجهات الرسمية، وانتهى به الحال للتنازل عن حصص باستثماراته في سيناء، من بينها مصنع أسمنت سيناء لصالح شراكة مع جهات من الأجهزة السيادية.
وأشار التقرير أيضًا ضمن نفس الفئة إلى رجل الأعمال سيد السويركي الذي اتهم في مخالفات ذات صلة بعدم مراعاة احتياطات الأمن الصناعي في منشآته، ليقضي في السجن بعض الوقت قبل أن يعلن تنازله عن أصول شملت أراضي ومحلات تابعة له. كما أشار التقرير إلى رجل الأعمال أحمد العزبي، مالك صيدليات «العزبي»، الذي تم توقيفه وتهديده بتحريك قضايا ضده، قبل أن يرضخ لعروض الشراكة مع صندوق مصر السيادي لإنشاء شركة جديدة بين الطرفين، والذي أصبح صندوق مصر السيادي يمتلك 49% من أسهم هذه الشركة الجديدة، مع قيام العزبي بدفع تبرع كبير لإحدى الجهات الحكومية.
ولفت التقرير إلى واقعة استهداف رجل الأعمال صفوان ثابت، مالك مجموعة شركات «جهينة»، وابنه سيف ثابت، باعتبارها القضية الأكبر من حيث الصدى الإعلامي والحقوقي، مشيرًا إلى أن القضية بدأت بالتحفظ على أموال صفوان وعائلته الشخصية. وبرغم ذلك، استمرت شراكته مع الدولة وتبرعاته لصناديقها السيادية، إلا أن رفضه دمج أحد مصانعه مع أحد مصانع الدولة المراد إنشاؤها في قطاع الألبان، ورفضه لشراء شركات غذائية مملوكة للدولة تعاني من خسائر مالية بعد طلب من أحد الوزراء، انتهى بالقبض على صفوان وتوجيه اتهامات له بتمويل كيانات إرهابية، والإضرار بالاقتصاد.
وقالت المنظمة الحقوقية المتواجدة خارج البلاد إن استهداف رجال الأعمال واتهامهم باتهامات سيئة السمعة مثل الانضمام إلى جماعات إرهابية وتمويل الكيانات الإرهابية لم يستند سوى إلى تحريات ومعلومات جهاز الأمن الوطني، يصدر على إثرها قرارات بالتحفظ على أموالهم وأصولهم، إلى جانب وضعهم في قضايا اتهام.
ودلل التقرير بعدد من القضايا، منها القضية رقم 930 لسنة 2019 والمعروفة بـ«تحالف الأمل»، والتي شملت رجل الأعمال مصطفى عبد المعز، وانتهت بالتحفظ على 19 شركة، بلغت قيمتها 250 مليون جنيه مصري. وكذلك القضية رقم 865 لسنة 2020 حصر أمن دولة عليا، وهي القضية التي ضمت عددًا من رجال الأعمال منهم ثابت، وشقيقه محمد ثابت، ونجله سيف، ورجل الأعمال سيد السويركي مالك مجموعة محلات التوحيد والنور وآخرين. وكذلك القضية رقم 984 لسنة 2021 حصر أمن دولة عليا، والتي انتهت لإدراج 58 شخصًا، منهم عدد بارز من رجال الأعمال، وبالتبعية إدراج الشركات التابعة لهم، وهم عبد الرحمن سعودى، وعبد الخالق عبد العزيز قريطم، وحسام محمد تاج الدين، وعمر أحمد فتحي.
وفيما يتعلق باستهداف السلطة لرجال الأعمال وأصحاب الشركات الصغيرة والمتوسطة في مجالات مختلفة، رصدت الجبهة المصرية لحقوق الإنسان تعرض بعض الشركات العاملة في قطاع العقارات في مدينة القاهرة الجديدة، التي تشمل مناطق التجمع الأول، والتجمع الثالث، والتجمع الخامس، والشروق، وبدر، إلى تعقب أمنى واضح وتهديدات مستمرة بالضم على قوائم الإرهاب، ما انتهى إلى التحفظ على أموال 18 شركة استثمار عقاري سنة 2018.
وقالت الجبهة في تقريرها إنها سجلت عددًا من الشهادات لعاملين في هذا القطاع من أصحاب شركات وموظفين ممن تعرضت شركاتهم لمداهمات وتجميد أصول واستيلاء على الأموال، ووضعهم في قضايا بتهم الإرهاب وتمويله، وهي الملاحقات والاتهامات التي قام بها قطاع الأمن الوطني.
وبحسب التقرير، ورد في هذه الشهادات تنقل الأمن من شركة استثمار عقاري إلى أخرى في سبيل جمع المعلومات عن الشركات عن طريق مداهمة المقرات، والقبض على المدراء والعاملين فيها بشكل عشوائي، حتى أصبح هذا النمط ثابتًا ومتكررًا.
وبحسب شهادات العاملين في الشركات التي تم استهدافها، امتد القبض إلى الوسطاء العقاريين، باعتبار أن لهم علاقات واسعة وطيدة مع الشركات، وبالتالي فهم يمثلون مصدرًا قيمًا للمعلومات بالنسبة إلى الأمن. وأدت هذه الممارسات في نهاية الأمر إلى تصفية معظم هذه الشركات لأعمالها.
وقال التقرير إن استهداف القطاع العقاري تحمل العملاء القدر الأكبر من خسائره، حيث أدت قرارات التحفظ على مجموعة كبيرة من الشركات، ومداهمات الأمن المتكررة لشركات أخرى إلى توقف أعمال هذه الشركات على حساب العملاء الذين وجدوا أنفسهم قد سددوا مبالغ مالية كبيرة تحت حساب الوحدات التي تعاقدوا عليها، لكنهم لم يتمكنوا من استلامها لعدم تنفيذ المشاريع.
النوع الثالث من استهداف مجتمع الأعمال، بحسب التقرير، هو الناتج عن توسيع دائرة الاشتباه لتمتد إلى المتعاملين مع الشركات أو الأفراد المتحفظ على أموالهم في أوقات سابقة على التحفظ، ما فتح الباب أمام التعقب لأي من الشركات ورجال الأعمال عن أنشطتهم وتعاونهم في مراحل سابقة مع شركات باتت تحت تصنيف الإرهاب، أي أن عقابهم قد يكون بأثر رجعي.
وفيما يخص شركات الأفراد والشركات المساهمة، رصد التقرير تقاعس وحدة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب المصرية بالبنك المركزي، المعنية بنشر تحديثات قوائم الإدراج للإرهابيين والكيانات الإرهابية والشخصيات الاعتبارية بشكل شهري، عن نشر أسماء مئات الشركات الخاصة والأفراد المساهمة المدرجة على قوائم الإرهاب منذ سنوات والمتحفظ على أموالها.
ودلل التقرير بأن الوحدة تحدث أعداد المدرجين على قائمة الإرهاب من الأفراد بشكل دوري، حتى أنها خفضت أعدادهم إلى 4408 أشخاص، في شهر أغسطس 2024، ثم إلى 3691 شخصًا بحلول شهر ديسمبر الماضي، وذلك على عكس قائمة «الكيانات الإرهابية» التي ظلت كما هي دون تحديث لتشمل تسعة كيانات، وهي التنظيمات السياسية الإسلامية مثل جماعة الإخوان المسلمين والتنظيمات المسلحة مثل «داعش»، و«قائمة الشخصيات الاعتبارية» التي تضم ست شركات فقط، وهي (شركة أسباير برودكاشين هاوس، شركة دلتا التعمير للاستثمار العقاري، شركة مصر نت، شركة أبيتو للبرمجيات، شركة جراند للاستيراد، وجمعية نور الخيرية).
وأوضح التقرير أن الفجوة بين تضمن هذه القوائم «الرسمية» لست شركات فقط في مقابل أعداد الشركات التي يصل عددها إلى المئات، والتي تتضمنها التغطيات الإخبارية الرسمية والقانونية القضائية، تؤكد غياب الشفافية والمحاسبية حول هذا الملف.
وبحسب تقرير الجبهة المصرية لحقوق الإنسان، ظهر التحدي الأكبر أمام سياسة الاستيلاء على الشركات في حالة شركات المساهمة وشركات التوصية بالأسهم، والتي منحها قانون الشركات شخصية اعتبارية وقانونية مستقلة تمامًا عن شخصيات مؤسسيها أو المساهمين فيها، وبالتالي من المفترض قانونًا عدم المساس بكيان الشركة أو ممتلكاتها أو أصولها أو التدخل في إدارتها بسبب ما يُتهم به أو يرتكبه أحد مؤسسيها أو الشركاء أو المساهمين فيها، الذين تقتصر مسؤوليتهم وعلاقتهم جميعًا بالشركة بمقدار ما قدموه من حصة في رأس المال أو ما اكتتبوا فيه أو حملوه من أسهم.
وقال التقرير إنه إزاء شركات المساهمة، يعمد الأمن إلى الضغط على مالكي الأسهم في سبيل التنازل عن ممتلكاتهم لصعوبة إدراجها بالكلية في حالة وجود شركاء آخرين يصعب معهم تضمينهم وضع الشركة بالكلية على قوائم الإدراج. وذكر التقرير أن تتبع الأخبار يكشف عن الاستيلاء على عدد كبير من الشركات، بما فيها شركات الأموال التي تأخذ شكل شركات المساهمة والمسؤولية المحدودة، ما يطرح بقوة سيناريو الاستيلاء على هذه الشركات بالمخالفة لقوانين تنظيم الشركات والمعمول بها دوليًا في هذا السياق.
ويمتد ضرر تدخل السلطات بالتحفظ والاستيلاء على الأسهم التي يملكها الأشخاص المدرجون في الشركات بأكملها من هذه الإجراءات، خاصة لما يعنيه ذلك من إمكانية التدخل في الإدارة والقرار في هذه الشركات نيابة عن الشخص المدرج، نظرًا لامتلاك أسهمه بما يسمح بالإدارة بالنيابة عنه. كما أن الاستيلاء على أسهم شخص في شركة بعينها يعني بالتبعية امتداد التجميد والتحفظ على جميع الشركات والأموال التي قد ترتبط به بأي صورة من الصور. كما أن الارتباط بشخص سبق إدراجه لا يحول دون وضع الشركاء والمتعاملين في دائرة الشبهات للتبين من عدم «تورطهم» معه في أي أنشطة لا ترضى عنها الأجهزة الأمنية.
وشدد التقرير على أن تزايد وضع رجال الأعمال على قوائم الإدراج، وبالتبعية التحفظ على أسهمهم في الشركات المملوكة لهم أو المشاركين في ملكيتها، يوضح هيمنة الأمن في النهاية على مشهد الأعمال والاستثمار المحلي في مصر باختراقه الشركات كافة، وهو ما يعد نذيرًا بالاستيلاء الكامل عليها لاحقًا.
وبين أبرز الانتهاكات التي يتعرض لها مجتمع الأعمال، رصد التقرير ظاهرة الاستيلاء على الأصول والأموال أثناء المداهمات، لافتًا إلى أن واقع المداهمات الأمنية ووقائعها يحوي الكثير من الشهادات والتوثيقات حول الانتهاكات، التي تمتد إلى حد الاستيلاء على الأموال والممتلكات والأصول المتوفرة في محل المداهمة. وفي حالة رجال الأعمال وأصحاب الشركات، تتضاعف المسألة، حيث إن الاستيلاء على هذه الأموال والموارد عادة ما يكون ضخمًا، وهو ما يمثل في كثير من الأحيان جزءًا معتبرا من رأسمال هذه الفئات وشرطًا أساسيًا لقدرتها على الاستمرار في العمل. وأجمعت الشهادات، بحسب التقرير، على ميل قوات المداهمات للاستيلاء على كافة الأموال والأصول المالية والعينية دون أن تظهر هذه الأموال والأصول لاحقًا أمام جهات التحقيق، ودون أن يُمكنوا منها.
ولفت التقرير إلى تفاقم الوضع في حالة الشركات الصغيرة ذات رؤوس الأموال الصغيرة، والتي خضع بعضها لسلسلة طويلة من الاستنزاف بسبب هذه المداهمات الأمنية والتهديد بوضعها تحت طائلة قوائم الإدراج والتحفظ على الأموال، ما يعني إخراجها من السوق وتصفيتها في النهاية لعدم قدرتها على الصمود ماليًا، ولعدم امتلاكها بدائل للتأقلم مع هذا الوضع كما في حالة الشركات الأكبر.
في مواجهة السياسة الأمنية تجاه قطاع الأعمال والاستثمار، رصد التقرير ردود أفعال وطرق الشركات في التأقلم التي تنوعت بين بيع رجال الأعمال الكبار حصص شركاتهم لشركات أجنبية أو مؤسسات في الخارج، مع الاكتفاء بالمشاركة في الحصة في الشركة الموجودة في مصر. كانت شركة «النساجون الشرقيون» هي المثال الأبرز على هذه الخطوة خشية من وقوعها تحت طائلة الأمن. فيما لجأ أصحاب الشركات المتوسطة والأقل حجمًا إلى تقليل حجم نشاطها التجاري، وصولًا لتصفية الأعمال وإغلاق الشركات وتسريح العاملين، مع تكرار المداهمات والتهديدات الأمنية، ومصادرة عدد من الأصول بالفعل، بعد فشل محاولات التأقلم. وانتهى ذلك بالبعض للعزم على استئناف العمل في الخارج، في حالة ممن حظوا على إفراج وإخلاء سبيل أو براءة.
كذلك كان تداول أي خبر أو معلومة عن مداهمة الأمن لإحدى الشركات أو القبض على أي مدير أو مستثمر عقاري على علاقة بها كافيًا لامتناع غيرها من الشركات والموردين والمقاولين والعملاء من التعامل معها خشيةً من أن تطالهم يد الأمن.
وبحسب التقرير، زاد من تعقيد هذه الأزمة تعامل الأمن ولجنة التحفظ مع أموال العملاء التي تم ضبطها في المقرات أو الحسابات البنكية للشركات وكأنها من غنائم وثمار الحرب على الإرهاب، دون فحص لمصادر هذه الأموال وأصحابها، وكيفية تعويضهم عنها من المواطنين العاديين، ممن لا يتحملون جريرة في هذه الحرب الأمنية.
وبدأت السلطة في مصر إجراءات التحفظ على أموال جماعة الإخوان وما تعتبره جماعات إرهابية، في سبتمبر 2013، بعدما أصدرت محكمة اﻷمور المستعجلة حكمًا بحظر نشاط جماعة «الإخوان المسلمين» في مصر، والتحفظ على ممتلكاتها.
وفي أكتوبر من العام نفسه، أصدر رئيس الوزراء آنذاك، حازم الببلاوي، القرار رقم 1141 لسنة 2013 بتشكيل «لجنة ﻹدارة أموال جماعة اﻹخوان المسلمين»، وذلك استنادًا على «حكم الأمور المستعجلة»، وذلك قبل التحول إلى تقنين تلك الإجراءات عبر إصدار قانون تنظيم قوائم الإرهاب والكيانات الإرهابية في فبراير 2015، وتعديله في أبريل 2018 ليمنح النيابة العامة سلطة إدراج الأشخاص أو الجماعات على قوائم الإرهابيين والكيانات الإرهابية بعد عرض الأمر على محكمة الجنايات وإصدارها قرارًا مسببًا خلال سبعة أيام من تاريخ تقديم الطلب لها، مستوفيًا المستندات اللازمة. ويُنشَر قرار الإدراج في الجريدة الرسمية، ليواجه الشخص/الجماعة المدرج على قائمة الإرهاب، في اليوم التالي، الآثار المترتبة على الإدراج، وأهمها تجميد الأموال المملوكة للشخص أو للكيان، على أن يعهد أمر الأموال المجمدة بعد ذلك إلى لجنة التحفظ والإدارة والتصرف في أموال الجماعات الإرهابية والإرهابيين، لتقوم اللجنة باختصاصاتها التي تبدأ بحصر تلك الأموال، ثم تطالب محكمة الأمور المستعجلة بالتصرف فيها، بنقل تبعيتها للخزانة العامة للدولة.
وصدّق الرئيس عبدالفتاح السيسي، في مارس 2020، على تعديلات جديدة على القانون نفسه، تتضمن التوسع في مصادرة وتجميد أصول وأموال وممتلكات المدرجين على قوائم الإرهاب والإرهابيين، حتى ولو لم يثبت استخدامها في أي نشاط إرهابي.
تقارير ذات صلة
مشروع قانون لـ «تنظيم كاميرات المراقبة»: لا خصوصية في الفضاء العام
إلى أي درجة مباح للدولة مراقبة الفضاء العام طوال الوقت؟ وما ضمانات خضوع «الجهات» التي تتابع شاشات الرصد للمحاسبة؟
الصحافة والإعلام في ظل «الطوارئ».. انتهاكات مستمرة تحت غطاء قانوني
المادة 71 من الدستور: «يحظر بأي وجه فرض رقابة على الصحف ووسائل الإعلام المصرية أو مصادرتها أو وقفها أو إغلاقها»
شهادات: ملخص ما جرى في «برج العرب»
شهادات أهالي المعتقلين في سجن برج العرب عما جرى معهم خلال الأيام الماضية أثناء محاولة زيارة ذويهم.
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن