أصحاب مزارع الأسماك بين ضغوط الدولة ومنافسة «الوطنية».. لموا الشبك
في روتين يومي، اعتاد عليه منذ أن ورث المزرعة السمكية عن والده، وقف حسن* (37 سنة)، أمام مجموعة من الأحواض، في ليلة باردة في ديسمبر الماضي، يراقب حركة الأسماك في المياه. حياة حسن كانت مرسومة سلفًا منذ الميلاد، مشتبكة مع الأسماك والأعلاف والأحواض. «أسرتي كلها اشتغلت في مجال الاستزراع السمكي، وأنا ولدت وعشت حياتي في الأرض دي»، يقول حسن مستعيدًا ذكريات شبابه وطفولته في هذا المكان.
تمكن حسن، خلال سنوات عمله الأولى في مجال الاستزراع السمكي، من توفير حياة ميسورة لأسرته المكوّنة منه وزوجته وابن وابنة، وشجّعته على ذلك قلة أعداد المزارع السمكية داخل محافظة دمياط. «كان فيه تشجيع من الدولة على الاستثمار في المجال ده، وأعداد المزارع كانت محدودة في الشرق الأوسط كله مش مصر بس، علشان كده كان استثمار مربح في البداية»، يقول حسن مشيرًا نحو مزرعته. «الأرض في البداية كانت بور، والدي جهزها لتكون صالحة للاستزراع، وفي سنة 1983 مع إنشاء هيئة الثروة السمكية، حصل نظام تعاقد بين والدي والهيئة على الأرض بقيمة إيجارية تزيد 5 % كل سنة».
ظل حسن يعتقد، حتى فترة قريبة، أن المهنة التي ورثها منذ 22 سنة لن ينتزعها أحد منه إلا الموت. لكن من عام 2018 عند صدور قرار من هيئة الثروة السمكية برفع القيمة الإيجارية للفدان الواحد من المزرعة السمكية من 300 جنيه إلى ثلاثة آلاف جنيه، استشعر الشاب أن اعتقاده يبدو خاطئًا، خاصة أنه جاء هذا بعد سنوات ثلاث فقط من ظهور منافس جديد له مزايا حصرية عن باقي المنافسين في السوق، وهو الشركة الوطنية للثروة السمكية والأحياء المائية، المملوكة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية التابع للقوات المسلحة عام 2015.
التحديات الجديدة لا تواجه حسن فقط ولكن كل أصحاب المزارع السمكية، وتهدد أعمالهم، خاصة مع اللاعب الجديد في السوق التابع للقوات المسلحة، وما صاحبه من ظروف منافسة غير عادلة في ظل تمتع ذلك اللاعب بمميزات هائلة. «فوجئنا في بداية 2018 بقرار [...] زيادة الإيجار عشرة أضعاف، وفي حالة عدم الدفع يتم الحجز على الأرض أو الإزالة أو سجن المستأجر»، يقول حسن، «كل اللي أتمناه إني أحصل على نصف الدعم اللي الشركة الوطنية بتحصل عليه، وخصوصًا بعد رفع القيمة الإيجارية علينا وارتفاع أسعار الأعلاف والكهرباء».

الاستزراع السمكي هو عملية تربية الأسماك بأنواعها المختلفة سواء أسماك المياه المالحة أو العذبة في مساحات محدودة سواء أحواض تربية أو أقفاص، وتعتمد العملية على ركيزتين أساسيتين هما المياه والموقع، كما تلعب الحرارة دورًا مؤثرًا في العمليات الحيوية للأسماك مثل عمليات التمثيل الغذائي، والتكاثر وبخاصة عملية التبويض. وتعيش الأسماك في درجات الحرارة معينة، وذلك بحسب نوعها ومراحل النمو التي توجد فيها.
تنقسم الأسماك حسب تحملها لدرجة حرارة الماء إلى أسماك المياه الباردة، التي تتزاوج عند درجة حرارة 15 درجة مئوية أو أقل، وأسماك المياه الدافئة التي تتزاوج عند درجة حرارة أعلى من 16 مئوية. فأسماك البلطي تحتاج للعيش درجات حرارة تتراوح بين 20-30 درجة مئوية، وتتوقف عن التغذية في حالة انخفاض درجة الحرارة إلى 16 درجة مئوية، وتصبح معرضة للموت في عشر درجة مئوية.
إحدى أهم المشكلات التي يتعرض لها السمك هي نقص الأكسجين، ما يؤدي إلى نفوقها خاصة أثناء الليل. ولهذا يجب اختيار الموقع المناسب للمزرعة السمكية، بحيث تكون قريبة من مصدر مياه، وبعيدة عن المخلفات الزراعية.
تختلف دورة إنتاج الأسماك من نوع إلى آخر. على سبيل المثال، تنتشر أسماك اللوت فى منطقة مثلث الديبة بمحافظة دمياط. وأفضل معدلات للنمو في المزارع السمكية بمتوسط ثلاثة جرامات يوميًا ويصل وزنها إلى حوالى 1.5 كيلوجرام فى موسم تربية 10-12 شهرًا. أما أسماك القاروص تصل للحجم التسويقى في مدة 18 – 20 شهرًا، وتتراوح مدة تربية أسماك الوقار بين 10-12 شهرًا ليصل حجمها أكبر من 1 كجم. أما البلطي، فتكون مدة الاستزراع من 6-7 أشهر من أبريل إلى أكتوبر بمعدل نمو يومي 1.5 جرام.
تبلغ إنتاجية مصر من الأسماك مليون و920 ألف طن سنويًا، منها 80% من الاستزراع السمكي. ويغطي الإنتاج 79% من السوق المحلي، وتستورد مصر من الخارج ما يقارب من 500 ألف طن سمك. وبحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، تخطت قيمة الإنتاج السمكي في مصر ربع تريليون جنيه خلال السنوات العشر الماضية، كما جاء في تقرير نشرته جريدة «المال» في مارس الماضي. وسجلت قيمة الواردات المصرية من الأسماك 841.9 مليون دولار خلال الـ11 شهرًا الأولى من عام 2020 مقابل 905.1 مليون دولار عن نفس الفترة من عام 2019، بنسبة انخفاض قدرها 7%.

منذ الثمانينيات، وحتى أعوام قليلة مضت، تشرف الهيئة العامة للثروة السمكية على هذه الصناعة بشكل فعلي. تأسست الهيئة بقانون صدر عام 1983، وتتبع وزير الزراعة، وتهدف إلى تنمية الاقتصاد القومي في مجال الثروة السمكية وإجراء البحوث الخاصة بزيادة الإنتاج وإقامة المشروعات التجريبية والنموذجية، ووضع برامج التدريب والإرشاد، وكذلك توفير العمالة الفنية اللازمة في مجال الاستزراع السمكي، وتخطيط مشروعات الثروة السمكية وتنفيذها.
بحسب قانون تنظيم تأجير المزارع لعام 1983، يُسمح للعاملين في مجال الاستزراع السمكي بتأجير المزارع والمفرخات السمكية الخاضعة لولاية الهيئة العامة لتنمية الثروة السمكية. ويتم تحرير عقد وتحديد القيمة الإيجارية أو مقابل انتفاع أو الاستغلال عن كل مدة، وتزداد القيمة سنويًا بنسبة 5%.
يشير هشام محمد، صاحب مفرخ سمكي بالإسكندرية، إلى أن دور الهيئة يكمن في تأجير الأراضي التابعة لها إلى المزارعين وإمدادهم بـ«الزريعة السمكية»، وهي الأسماك الصغيرة عمرها أقل من شهر. «الهيئة في فترة الثمانينيات والتسعينيات كانت تدعمنا بشكل كبير عن طريق الإشراف على المزارع، وتأجير الأراضي بأسعار مناسبة للغاية».
يتفق عدد من خبراء الاستزراع على أن جهودًا حثيثة بدأت قبل أعوام قليلة لتنحية «الهيئة العامة»، المسؤول الأول عن الثروة السمكية والاستزراع السمكي في مصر، عن مسؤولياتها.
في أغسطس 2015، قررت وزارة التخطيط تخفيض ميزانية هيئة تنمية الثروة السمكية للسنة المالية 2015/2014 من 160 مليون جنيه إلى 120 مليون جنيه، ضمن تقليص كبير لميزانية وزارة الزراعة كلها، وكانت نتيجة ذلك القرار سلبية للغاية على المزارع السمكية، بحسب مسؤول في هيئة الثروة السمكية، فضّل عدم ذكر اسمه، مضيفًا أن تخفيض الميزانية أدى إلى انخفاض كبير في إنتاج المزارع التابعة للهيئة من الأسماك وإعاقة دورها الحقيقي في تنمية المزارع السمكية وقطاع الاستزراع السمكي بشكل عام.
وفي 27 أغسطس 2019، قدمت الحكومة إلى مجلس النواب مشروع قانون حماية وتنمية البحيرات والثروة السمكية. وطبقًا للمشروع المقدم، يتأسس جهاز جديد يسمى «جهاز حماية وتنمية البحيرات والثروة السمكية»، ويتولى تنظيم استغلال مناطق الصيد، والمرابي، والمزارع السمكية بالبحيرات ومناطق الاستزراع السمكي، والعمل على صيانتها وتنميتها وتطهير فتحاتها ومنافذها، ووضع خطط لتنفيذ احتياجات المحافظات من مشروعات الاستزراع السمكي بجانب وضع التصميمات الخاصة بمشروعات الاستزراع السمكية.
وعلى الرغم من أن مناقشة القانون ما زالت مستمرة حتى الآن، يشير بعض خبراء الاستزراع السمكي إلى استمرار محاولات تهميش «الهيئة العامة». في 26 ديسمبر الماضي، نشرت الصفحة الرسمية للمتحدث الرسمي لرئاسة الجمهورية تفاصيل اجتماع الرئيس عبدالفتاح السيسي مع الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، والسيد القصير، وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، واللواء محمد أمين، مستشار رئيس الجمهورية للشؤون المالية، والفريق أسامة ربيع، رئيس هيئة قناة السويس، واللواء حمدي بدين، رئيس الشركة الوطنية للثروة السمكية. وجاء الاجتماع بعد أسابيع قليل من قرار أصدره الرئيس بتخصيص قرابة مليون فدان في منطقة توشكى لصالح جهاز مشروعات الخدمة الوطنية للاستزراع السمكي.
رغم حضور وزير الزراعة التابعة له الهيئة إلا محمد شهاب الباحث في مجال الاستزراع السمكي يرى أن «أهم عنصر والمسؤول قانونًا عن الثروة السمكية والاستزراع السمكي في مصر لم يكن حاضرًا وهو رئيس الهيئة العامة لتنمية الثروة السمكية أو أي من أعضائها، وذلك يعد استكمالًا لسياسة تقليص دور هيئة الثروة السمكية التي تتبعها الدولة في الفترة الأخيرة»، مشيرًا بالوقت نفسه إلى أن رئيس «الهيئة العامة» وأعضائها لم يكونوا على علم بقرار تخصيص توشكى.
وفي مقابل التهميش الذي تتعرض له «الهيئة العامة»، برزت الشركة الوطنية للثروة السمكية المملوكة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية، التابع للقوات المسلحة. «الشركة الوطنية للاستزراع السمكي أصبحت أقوى [من الهيئة العامة]، كما أن هناك مسؤولين داخل وزارة الزراعة وهيئة الثروة السمكية لديهم يقين بأن هناك جهات أخرى أصبحت هي المسؤولة عن قطاع الثروة السمكية في مصر»، بحسب تعبير أحمد الشراكي، المهندس السابق بهيئة الثروة السمكية وصاحب أحد المزارع السمكية.

تأسست الشركة الوطنية للثروة السمكية بقرار من رئيس الوزراء في نوفمبر 2014، بحسب موقعها الرسمي، وتعمل في عدد من المشاريع. وكشف رئيس مجلس إدارتها أن إجمالي الإنتاج المتوقع من مشروعات الشركة يبلغ 60 ألف طن، منها 28 ألف طن أسماك مياه مالحة، و32 ألف طن أسماك مياه عذبة، وذلك في كلمة له بحضور السيسي خلال افتتاح عدد من المشروعات في نوفمبر 2017.
خلال السنوات الأخيرة، أصبحت قرارات تخصيص قطعة من الأراضي المملوكة للدولة لصالح جهاز مشروعات الخدمة الوطنية لاستخدامها في الاستزراع والاستثمار السمكي، أخبارًا معتادة، آخرها كان قرار المليون فدان في توشكى.
ففي أغسطس 2016، أصدر السيسي قرارًا جمهوريًا بإعادة تخصيص مساحة 490.80 فدان نقلاً من الأراضي المخصصة للأنشطة السياحية بمنطقة العين السخنة لاستخدامها في مشروعات الاستزراع السمكي. كما نشرت الجريدة الرسمية، في عام 2016، عددًا من القرارات الجمهورية؛ منها الموافقة على إعادة تخصيص مساحة 2815.14 فدان من الأراضي المملوكة للدولة بمنطقة غليون بمحافظة كفر الشيخ لصالح جهاز مشروعات الخدمة الوطنية بالقوات المسلحة لاستخدامها في مشروعات الاستزراع السمكي، وهي بذلك تمثل مرحلة جديدة من المشروع.
في 18 نوفمبر 2017، افتتح الرئيس عبدالفتاح السيسي، المرحلة الأولى من مشروع «بركة غليون» للاستزراع السمكي، والمقام على مساحة 4100 فدان، بتكلفة مليار و700 مليون جنيه. وبحسب اللواء السيد نصر محافظ كفر الشيخ الأسبق، يضم المشروع مركزين للتدريب والأبحاث والتطوير، ومنطقة تفريخ بمساحة 18.50 فدان، بطاقة 2 مليار وحدة زريعة جمبري، و20 مليونًا زريعة من الأسماك البحرية، وبركة صرف بمساحة 119 فدانًا، ومنطقة صناعية بمساحة 55 فدانًا.
بحسب مصدرين أحدهما أكاديمي والآخر صاحب مزرعة، فضل الاثنان عدم ذكر اسميهما، فإن فكرة مشروع غليون كانت في الأساس لمجموعة من خبراء الاستزراع السمكي وأساتذة في الجامعة ومراكز البحوث الزراعية، قبل أن يتم تسليمها إلى هيئة الثروة السمكية التي سلمتها بدورها إلى اللواء حمدي بدين. والمشروع كان عبارة عن إنشاء مزرعة تعاونية مع شركة تمتلك خدمات الإنتاج في الاستزراع السمكي، ويكون تمويل المشروع من الاتحاد الأوروبي عن طريق الصندوق الاجتماعي، فيما الهدف الرئيسي للمشروع هو خدمة جميع المزارع السمكية على مستوى الجمهورية، والإنتاج الخاص بمزرعة المشروع يكون لأنواع أسماك غير منافسة في السوق المحلية، ويؤكد المصدران أن «إنتاج مشروع غليون ضعيف للغاية بالنسبة إلى حجم المصروفات والمساحة».
يوضح أحد أساتذة الهندسة الزراعية وخبير استزراع سمكي، لـ «مدى مصر» مشترطًا عدم الكشف عن اسمه، أن «الاستياء في القطاع الخاص من منافسة مزارع الدولة بشكل عام ليست بسبب إنتاجها الضخم، ولكن السبب الحقيقي هو أن مزارع الدولة تنتج بأقل تكلفة بجانب توافر الطاقة بها بصورة كبيرة فيها، وبالتالي لا يكون أصحاب المزارع الصغيرة قادرين على منافستها في البيع بنفس الأسعار».
يعتبر محمود سالم، الرئيس السابق للإدارة المركزية للإنتاج والتشغيل بالهيئة العامة للثروة السمكية، أن المنافسة بين أصحاب مزارع القطاع الخاص ومزارع الشركة الوطنية غير عادلة، بل تكاد تكون «معدومة» حسب وصفه، وذلك لعدة أسباب منها يسردها قائلًا إن «الشركة الوطنية تقريبًا ليست لديها تكاليف إنتاج تذكر، خاصة أنها تمتلك مصانع تنتج لها الأعلاف بشكل خاص». هناك سبب آخر لم يذكره سالم وهو أن الشركة الوطنية تتمتع بإعفاء ضريبة الدخل (مادة 47 من قانون الضريبة على الدخل)، وضريبة القيمة المضافة (مادة 28 من قانون ضريبة القيمة المضافة).
ورغم أن نسبة إنتاج «الشركة الوطنية» لا تزال محدودة مقارنة بحجم الإنتاج الكلي، إلا أن تأثيرها أصبح ملموسًا بالنسبة لصغار المستثمرين. بمعادلة حسابية بسيطة، يحاول حسن أن يشرح كيف تبدَّلت سوق الأسماك بعد دخول الشركة الوطنية. «الوطنية بتبيع أرخص مني بسبب أنها مش بتتحمل تكاليف إنتاج تقريبًا، وتتفوق عليّ في جميع مستلزمات الصناعة ومنها أن مزارعهم فيها مياه عذبة ومالحة، وطلمبات ضخ للمياه، بجانب توافر الكهرباء، وعدم دفع إيجار سنوي، كما تمتلك مصانع الأعلاف خاصة»، يقول حسن.
يتابع حسن أن معظم التجار يفضّلون الشراء من الشركة الوطنية بسبب أسعارها المنخفضة، «وبالتالي نتعرض إلى خسائر كبيرة بسبب انخفاض الأسعار في السوق».
يضطر حسن أحيانًا إلى محاولة تقليل أسعار الأسماك والجمبري حتى يجاري الأسعار التنافسية التي تطرحها الشركة الوطنية. «في حالة خفض الأسعار عند البيع للتجار، حجم الخسارة قد يصل إلى 30 ألف جنيه في دورة إنتاج الجمبري الواحدة، وكذلك في أسماك الدنيس والقاروص».
بحسب هشام محمد، صاحب مفرخ سمكي في الإسكندرية، فإن اللواء حمدي بدين أكد خلال جلسة مشتركة جمعتهما في أبريل 2019 لمناقشة مشروع «غليون» أن مزارع الوطنية أُنشأت بغرض التصدير إلى الخارج. لكن، طبقًا لتقديره، فإن تحقيق هذا الغرض صعب. «لا يوجد مزرعة سمكية في مصر تصدر إلى أوروبا نظراً لعدم الحصول على شهادات الجودة المطلوبة لتصدير الأسماك إلى دول الاتحاد الأوروبي، وذلك لأن القانون المصري يجرم استخدام المياه العذبة في المزراع السمكية، ولذلك معظم المزارع السمكية تعتمد على مياه المصارف»، يقول محمد، «كنا نصدر إلى دول الخليج بشكل كبير ولكن بعد فرض ضريبة تصل إلى 12 ألف جنيه على طن الأسماك الواحد، توقف التصدير، وحتى بعد إلغاء القرار في 2017، لم تعد دول الخليج تستورد من المزارع السمكية نتيجة أنها اعتمدت على أسواق أخرى ومنها الصين وإندونيسيا وبأسعار أرخص».

الضغوط التنافسية الكبيرة التي تسببت فيها الشركة الوطنية لم تكن آخر المصاعب التي واجهت مزارعي القطاع الخاص. فقد أصدرت «الهيئة العامة» قرارًا في 2018 برفع القيمة الإيجارية للفدان الواحد من 300 و400 جنيه إلى 7700 ثم خفضت لثلاثة آلاف جنيه، مما أدى إلى نشوب أزمة بين الهيئة وأصحاب المزارع، بحسب سالم، الذي يضيف أنه «في الفترة الأخيرة، الدولة أصدرت عدة قرارات صادمة لأصحاب المزارع، ومنها ارتفاع أسعار الإيجارات للمزارع، نتيجة لذلك أصبح البعض منهم يفضّل أن يهجر المهنة نهائيًا».
صلاح الرودي (40 سنة)، أحد هؤلاء، والذي عمل لسنوات طويلة في مجال الاستزراع السمكي في قرية الديبة على أطراف محافظة بورسعيد، والتي يعتمد معظم سكانها على صيد الأسماك وبيعها أو إنشاء المزارع السمكية.
في بداية عمل الرودي في الاستزراع السمكي، كانت نسبة الربح على دورة الإنتاج الواحدة في أسماك الدنيس والقاروص تصل إلى 35%. لكن اعتبارًا من عام 2018، بعد ارتفاع أسعار العلف والطاقة والقيمة الإيجارية للأرض، تعرض إلى خسائر مالية ضخمة وتراكمت مديونياته. «أول قيمة إيجارية للأرض كانت 265 جنيهًا للفدان الواحد، لكن بداية من سنة 2018 صدر قرار بارتفاع الإيجار إلى ثلاثة آلاف جنيه، علشان كده قررت أسيب الأرض».
يقول الرودي: «بلغت الهيئة إني متنازل عن الأرض ومصاريف تجهيزها، اتقالي لازم تدفع المديونيات اللي عليك من 2018 حتى لو موقف الاستزراع فيها»، ويضيف أن «دورة الاستزراع السمكي في أسماك الدنيس والقاروص مدتها من سنتين إلى ثلاث سنوات، مستحيل كنت أقدر أدفع الإيجار بعد ما ارتفع إلى أضعاف».
اضطر الرودي يبحث عن مهنة بديلة عن الاستزراع السمكي تعينه على الوفاء بمتطلبات الحياة الأساسية له ولأسرته. «بقيت اشتغل سمسار أجهزة كهربائية بشتري جهاز وأبيعه للجيران في المنطقة بفرق مالي بسيط، ومفيش حل غير ده، أنا عندي طفلين في مدارس خاصة ومش عارف السنة اللي جاية هدفع مصاريفهم إزاي».
بعد صدور قرار جمهوري قبل عامين باعتبار جميع البحيرات الشمالية مناطق حدودية، هددت الهيئة أصحاب المزارع بتحويلهم إلى النيابة العسكرية في حالة عدم سداد مبلغ ثلاثة آلاف جنيه إيجار الفدان، بحسب صلاح سيد، الرئيس الأسبق للإدارة المركزية للإنتاج والتشغيل في هيئة الثروة السمكية.
لم يكن الرودي يعلم أن تفكيره في مشروع الاستزراع السمكي من أجل تحقيق مكسب مالي تعيش أسرته من خلاله حياة ميسورة سيقوده إلى الحبس بعد تراكم مديونياته وعجزه عن سداد القيمة الإيجارية للأرض. ففي ديسمبر 2018، فوجئ أنه يواجه ثلاث قضايا عسكرية خاصة بتراكم المديونيات منذ شهر مايو 2018، رغم أن المزرعة كانت مهجورة. «بقيت أخاف أمشي من غير ورق معارضة القضية علشان ميتقبضش علي في أي كمين»، يقول.

وعلى الرغم من إصدار قرار من الحكومة بجدولة المديونية المتراكمة من الإيجار، يفكر حسن، مثل الرودي، في التخلي عن مشروعه. «أنا صارف عليها [المزرعة] دم قلبي والدولة لم تدعمني بجنيه واحد»، يقول، «لو الدولة عايزة تاخد مني الأرض وتعوضني عن المصاريف اللي دفعتها في تجهيزها أنا مستعد أسيبها من بكرة».
*(اسم مستعار)
تقارير ذات صلة
السبت 14 سبتمبر: تأجيل تظلمات «المجتمع المدني» إلى 17 نوفمبر المقبل | السيسي متحدثًا عن محمد علي: «أنا عامل قصور رئاسية وهعمل»
«ينفع النهارده يبقى القصور الموجودة في مصر تبقى بتاعت محمد علي وبس؟»
بعد عام من دخول مصانع جهاز الخدمة الوطنية للقطاع.. ماذا يحدث في سوق الأسمنت؟
تصاعدت شكاوى مصانع الأسمنت مؤخرًا من الأوضاع التي وصل إليها القطاع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن