تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
قطارات الموت المجاني
بانوراما

قطارات الموت المجاني

Alaa Elkamhawi 2 دقيقة قراءة

الحَاج "عمر عبد الله" يَعمل على مَزلقان "تل اليهودية" الذي يقع على طريق محافظة القليوبية في وردية ليل يوميّة تمتد لـ12 ساعة، من الغروب وحتى الشروق. وكرجل بَلَغ الستين من عمره، فقد تَعَلّم ألا يُصاب بالضَّجَر، وأن يَعتاد رفقة راديو ترانزستور صَغير، ونِباح كلاب تستأنِس الظُّلمَة، وصُفارة القطارات البعيدة التي يُنَظّم مرورها بأقل الإمكانيات المُتاحة. في ستة أيام في الأسبوع، يرى الحاج "عمر" طالب الإبتدائية "مُصطفى"، الذي لم يتجاوز الحادية عشر من عمره، وهو يَمر على طريق السكة الحديد الواصل بين بيته ومَدرسته، ولمرتين أسبوعياً -على الأقل- يَصيح فيه مُحذراً كي لا يسير على شريط القطار، دون أن يعرف أن "مُصطفى" لا يخاف القطارات القادمة من بعيد، ويُفضَّل التلكُّع على قضبانه أكثر من الذهاب إلى بيتٍ لا يُحبه، ومَدرسة يَكرهها. من كانَ يَخاف القطاراتِ في الحَقيقة هو عَم "منصور"، سائِق القطار الذي لَم يعرف مهنة غيرها طوال ثلاثين عاماً، ورغم ذلك فقد أصبح يَشعر بالوَهَن في السنواتِ الأخيرة، يَخافُ من بَصره الذي ضَعِف، ومن القضبان التي لانَ حَديدها، من المزلقانات التي لا تَعمل، ومن تهور سائق أتوبيس أو ميكروباص، من غَفوة للحاج "عمر" ومن غَفلة أي عامل مَزلقان غَيره، وهو يَخاف - أكثر من أي شيء- من تلك الحوادث المتكررة التي يَسمع عنها، لذلك يُكرر دعاء الركوبِ والسَّفر سبع مرَّات في كل رحلة له على الطريق، ويَطلب من الله - فقط- أن يُوصله إلى مَعاشه بسلام، ووقتها لن يُغادر بَيته حتى يَموت. وعلى الرغم من أن "ايهاب" لا يُفكر كثيراً في حوادث القطارات، إلا أنه مثل عم "عزت" -الذي يُصادف أنه يركب معه أحياناً- لم يعد يُحب طريق السكة الحديد. أصبحت ترتبط معه بوقوفه لساعاتٍ طَويلة في زحام لا يحتمل من أجل زيارة أهله في نهاية كل أسبوع، بعد أن تُضنيه الغربة في المَدينة الواسعة. لازال يَذكر تلك المرة التي اضطر فيها للسفر فوق سطح القطار، أو الأخرى التي لم يَجد فيها سوى أرضية الحَمّام ليُريح قدمه قليلاً بعد أن أتعبه الوقوف وأرهقه التزاحم في الظُّلمة التامة داخل كل عربة قطار عند حلول الليل، لأن القطارات التي يَركبها لا تعرف النور. ومع الحاج عمر، وعم منصور، ومصطفى، وايهاب، هناك الآلاف اللذين تَرتبط حياتهم اليوميَّة بالسكة الحديد، حيث حكايات السَّفر والقهر والترحال، ومئات الحوادث على مدى 21 عاماً، ثلاثمائة وسبعين راكباً في احتراق قطار الصعيد عام 2002، أو 48 طفلاً في أتوبيس المدرسة الذي اصطدم قطار أسيوط عام 2012، وبينهما سلسلة قتل مجاني أودت بحياة الآلاف على قضبان السكك الحديدية.

عن الكاتب

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن