طفلة الثورة
سواء كانت مع أخيها ذي الستة أعوام، الذي لا تعيش معه، أم مع والدتها، أم جدتها لأبيها، سواء كانت في البيت أم في ساحة اللعب أم في حديقة الأسماك بالقاهرة، سواء كانت مداعبة أم متبرمة أم تستعد للنوم: تضفي قسمت على محيطها طاقة ودهشة خلال أول عامين من حياتها. دون أن تعي مشاكل القاهرة ـ من اختناق مروري، وتلوث، وتطرف ديني، وعدم استقرار سياسي، فضلًا عن الفقر والفوضى ـ تتطوع صور المدينة لتصبح المكان الذي تحقق فيه غاياتها اللحظية. يتحول كل شيء إلى لعبة تتعلم فيها الكلام، لكن في تلك الأثناء تكتسب الأشياء التي تصفها، والتي عادة ما تكون كئيبة وسودواية، غموضًا ومتعة. [aesop_gallery id="4847"] في يوم الخامس والعشرين من يناير عام 2011 شاهدنا آلاف مؤلفة من الشباب المجرد من الانتماءات يعلن عن وجوده على قيد الحياة على عكس كل التوقعات. ولدنا من جديد كنشطاء، ولبرهة قصيرة قدم لنا ميدان التحرير وعدًا بالمدينة المعاصرة المنشودة على نحوٍ لا معقول: مكان نأمن فيه من المواطنين الشرفاء واعتداءات الجيش على حدٍ سواء، ونتمتع فيه بحرية المعتقد والحق في التظاهر. لقد حلمنا بتلك المدينة، وبعد ما رأينا أشخاص تموت في سبيلها ـ حسب قصتنا الخرافية ـ أصبح من الصعب التخلي عن هذا الحلم. لكن مع حلول يوم 24 نوفمبر 2012، يوم جاءت ابنتنا قسمت إلى الدنيا بجسدها الصغير المبلل وعينيها الواسعتين متطلعة إلى المشاركة، كان التحرير قد نقض عهده لنا. [aesop_gallery id="4851"] أقول "قصة خرافية" لأني لم أعد متأكدًا من الهدف الذي مات من أجله الناس. هل يمكن القول بإنهم ماتوا من أجل الصالح العام، في حين أن ذلك الصالح العام محمل بالتناقضات؟ أصفها بالقصة الخرافية أيضًا لأني أريد أن أنسج الأحداث التي شهدتها في حكاية أرويها على قسمت قبل النوم: طريقة أشرح بها كيف شاركت مع والدتها في أن تؤول الأمور إلى ما هي عليه الآن، ولكي أعتذر بشكل خلاق. على مستوى من المستويات سوف يظل شبح مشاركة ماما وبابا في خلع مبارك يخيم على حياتنا، رغم أنهما لم يغرقا قط في عناد مغيب كسائر نشطاء جيلهما. كما سوف تظل حقيقة أن قسمت جاءت إلى عالمنا في الوقت الذي اتضح فيه أن ذلك الإنجاز التاريخي ما هو إلا منعطف نحو الأسوأ، حيث لم تغير السلطة سوى وجوهها، ليفتح المجال للمزيد من الشعارات والعنف، وليغوص المجتمع في مستويات أدنى من الانحطاط. [aesop_gallery id="4855"] إن مفاهيم مثل كراهية النساء والقبلية والقوة الغاشمة تحظى بشعبية في مصر أكبر من المساواة والنزعة المؤسسية والعقل. وإن القاهرة التي نحلم بها، والتي تشبه قاهرة إسماعيل باشا، خديوي مصر في القرن التاسع عشر، لم تعد موجودة، ولم يعد في إمكاننا حتى العودة إلى القرية الكبيرة ذات الطابع الأشبه بالقرون الوسطى كما عهدناها دائمًا. وسوف تكبر قسمت في مدينة وضيعة ثالثة، أبعد حتى مما تخيلناه. هل كنا حمقى إذن؟ [aesop_gallery id="4859"] خلال الوقت الذي كنتِ تتشكلين فيه في بطن أمك يا حبيبتي عرفنا مدى حماقتنا تمام المعرفة. بعد المظاهرات نرى كل علامات التردي. لم تعد القاهرة آمنة: ما يسمى بالانفلات الأمني أفسح المجال أمام أعمال السرقة وقطع الطريق والاعتداء على الأملاك. ظهرت الميليشيات الزائفة (مثل مجموعات الألتراس من مشجعي كرة القدم) وتفاقم التحرش الجنسي إلى اغتصابات جماعية. واتخذت الانتهاكات القضائية منحىً مشؤومًا. ولعلك تقررين في النهاية مغادرة البلد: وسوف أتركك تغادرين عن طيب خاطر. القصد من كلامي هو أننا عندما رأيناكِ للمرة الأولى يا قسمت كانت قناعاتنا بعدم جدوى السياسة قد قاربت حد الكمال الذي كنت أنتِ عليه. [aesop_gallery id="4867"] وفي حين أن الأشجار الموجودة أمام عمارتنا تأتي لنا بعدد لا نهائي من الناموس داخل البيت، إلا أن العصافير أيضًا تغرد في الصباح الباكر. عندما تنامين ليلًا على الفراش بيننا، متوارية داخل كيس النوم، تبدين كوسادة ثالثة متعامدة على الوسادتين الأخرتين. كثيرًا ما أستيقظ في وقت مبكر جدًا أو أسهر حتى وقت متأخر جدًا، ومع أول ضوء بالنهار استلقي على جانبي وأستمع إلى الطيور وأنا أطالعك. يتأرجح رأسك مثل حبة جريب فروت على حافة كيس النوم فيذكرني بموقفي الهش. فمن الممكن أن تختنقي أو تسحقي أو تتضوري جوعًا ببساطة، وبنفس قدر البساطة يمكن أن أسجن أو يتم تكفيري أو أحرم من دخلي، قد تمحيني ضربة واحدة. نتقاسم نفس قدر العجز أنتِ وأنا. لكن في الوقت ذاته كل منا قابع في بقعته الخاصة، غير خائف في غفلة عن الأهوال. وأعلم وأنا أراقبكِ أنه لن يمضي وقت طويل قبل أن يوقظك الجوع وتصرخي باكية لترضعي من ثدي أمك، لكن عندما يحين ذلك الوقت سوف أكون أنا في رحلتي اليومية عبر المدينة التي تصورتها كثيرًا وأنا في انتظارك. [aesop_gallery id="4863"] والآن وقد أصبحتِ بيننا عليّ أن أفكر في مدينة تبعث على المزيد من السعادة. وبينما نحن هنا في سكون نسبي، نتمتع بما في حوزتنا، ونشاهد الجنون الزاحف دون أن نشعر بالخوف، سوف نراقب ثلاثتنا المشهد من بعيد ونضحك، ونحن نعلم أنه سيكون هناك ما يكفي من المحبة والجمال لنبقى فرحين سويًا مهما حدث. ففي مقابل القاهرة هناك ابنتنا الجميلة جدًا قسمت.
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن

