«ياما في السجن» | أهلًا بكم في التشريفة
«ياما في السجن» هي سلسلة نصوص يكتبها، عبدالرحمن الجندي، بالتركيز على جوانب مختلفة عن تجربة السجن، التي استغرقت من حياته أكثر من ست سنوات، بدأها في 6 أكتوبر 2013، حين كان في السابعة عشر من عمره، وحتى خروجه في 13 يناير 2020.
المحرر
الساعة الثانية عصرًا، والشمس تصب غضبًا جمًّا على سيارة الترحيلات، جدران صندوقها الحديدية أصبحت كمشواة تشوي أجسادنا ونحن أحياء. مضت ساعات منذ أُغلق الباب علينا. أحاول عبثًا مسح العرق الذي يسيل من رأسي بيدٍ يتيمة، وأنتهي إلى تركه يائسًا ليواصل الهطول. تذكرت أنّي قرأت سابقًا أن البريطانيين يطلقون على سيارة الترحيلات «صندوق العرق».
تحرقني عيناي عند دخول قطرات العرق فيهما، ويلذعني طعم الملح وهو يذوب على لساني. تجتاحني رائحة نتنة، خليط من العرق والبول، البول الذي يدور مع رجرجة السيارة مهددًا بالانسكاب في الزجاجات البلاستيكية التي لم تغلق بإحكام، والتي مُلئت مِمَن كلفوا أنفسهم عناء مِلئها، ويلتمع ما تبقى منه على الأرض بجوار قدمي.
ترتجّ العربة فجأة فيهوى الواقفون فوق الجالسين أو على بعضهم البعض. كان عدد منهم شابًا على أطراف أصابعه، ملصقًا وجهه على الشبك الحديدي الذي يغطي النوافذ الصغيرة المحددة بالقضبان، يحاولون جاهدين قنص أي شذراتٍ من العالم الخارجي.
نصل أخيرًا، ويتناهى إلى مسامعنا الصياح القادم من الخارج. صراخ عنيف، سباب بشع، أسواط تشق الجو، وأصوات لكمات مكتومة جراء ارتطام قبضات بأجزاء جسدية مختلفة.
حفلات الاستقبال هي حدث دوره الترحيب بالأشخاص في محيطاتهم الجديدة، أو بالاحتفال بعودتهم بعد طول غياب.
هي تحية احتفالية، طريقة لكسر الحواجز بين الشخص وبيئته الغريبة ورفاقه الجدد. قل هي مقدمة، طقس دخول، أو لحظة بداية.
أحول تركيزي إلى عد حبات العرق المتجمع تحت ذقني ساقطًا على هيئة نقاط على الأرض. نقطة، اثنتان، ثلاثة.
لا أتذكر تحديدًا عند أي رقم هدأت الأصوات بالخارج. انفتح الباب على مصرعيه بصوت مجلجل.
كان الانتقال من الصمت التام إلى عاصفة الصراخ الهستيري لحظيًا. شعرت بطبلتي أذني تنبضان في ألم من الصخب الشديد. طرق عنيف على جسد السيارة من الخارج، سيل عارم من السباب والإهانات، وصراخ رفاقنا وهم يُسحلون على وجوههم من الباب بأذرع لا نرى أجسادها.
خفتت الصدمة تدريجيًا مع اقترابي من الباب المفتوح، ليحل محلها الذعر.
ألمح زاوية من المشهد في الخارج، فأرى أصدقائي يهوون من علِ ليقابلوا طين الأرض بوجوههم، يحاولون النهوض فتضعف أجسادهم عن حملهم تحت وطأة الركلات والأسواط التي لا تنتهي. يحاولون مع كلبشتهم أزواجًا أن يظلوا باليد الحرة متمسكين بأكياسهم التي تحوي ممتلكاتهم الضئيلة، فيكشفون بذلك أوجههم وأجسادهم للاعتداء المنهال.
صفان طويلان متقابلان من العساكر يمتدان من باب سيارة الترحيلات التي نُنتشل منها، لينتهيا عند بوابة السجن. هذه هي تشريفتنا التي ينبغي أن نمر خلالها لنصل لمقرنا المنشود. للحظة مجنونة أكاد أضحك على هذا العبث. ياله من عرض! العصي، الأسواط، الجنازير، الأحزمة، والقبضات المتحفزة. افتتاح عظيم لا ينقصه سوى السجادة الحمراء. مسرح هزلي للقسوة.
في الحقيقة يبدو المشهد أقرب للعبة من ألعاب الفيديو. تقفز هنا، تقرفص هناك، تتفادى سوطًا بكتفك لترتطم على وجهك لكمة من الناحية المقابلة. تهوى إلى الأرض فيُشبع زميل كلبشك ضربًا لإعاقتك إياه عن استكمال ركضه، فتُدهسان من رفاقكما الهارعين من الخلف خلال المعمعة، ملقين نظرات الاعتذار لكل من سقط من الرفاق.
تأخذ غريزة البقاء لجام السيطرة، وتردد على العقل فكرة لحظية: «نَفَسي.. نَفَسي»
أسحب نفسًا أخيرًا أملأ به صدري. وينغرس وجهي في الطين.
هل تعلم أنه بعد قسط ما من الضرب، يتوقف الألم؟
أحاول في البداية حماية وجهي متخليًا عن أغراضي المتساقطة، ثم أحاول الموازنة بين التمسك بما أستطيع، ومفاداة أكبر قدرٍ ممكن من الضربات. في النهاية، أطير ساحبًا رفيق الكلبش معي عند تخلفه، غير عابئ باللكمات والأحذية والأسواط المنهالة من جميع الجوانب. وجهتي بوابة السجن ولا أرى سواها.
أمر مذهل حقيقةً، كيف تمكنوا من تحويل بوابة السجن، رمز كل ما هو مرعب في الحياة، إلى شيء نشتهيه بهذا القدر؟ شيء نهفو للمرور خلاله؟
هذا تصميم متقن.
هذه حفلة الاستقبال، وفيها يتم تأهيلك. تتعرف على قواعد مكانك الجديد، وعلاقات القوى المتحكمة فيه، ومكانك المحدد في كل هذا.
هنا ترسو قوانين اللعبة.
يُنزع كل ما يجعل منك إنسانًا. تُضرب وتُلعن وتُعذب؛ لتستوعب تمام الاستيعاب أن أبسط تبعات كونك إنسانًا لا تحمل وزنًا هنا. يتوقف الخير وجلًا على عتبة هذا الجحيم ممنوعًا من الخطو داخله، ينزع كفه من يدك لتدلف من البوابة وحيدًا.
حتى اسمك، أبسط مُعرِّف إنساني لك، يُسلب منك، فلا تُنادى إلا بـ«يا مسجون».
تتجرد من ثيابك، نازعًا قطعة تلو الأخرى، حتى لا يتبقى ما يُنتزع. تخوض الأيدي في جسدك وتنتهكه باستحقاق فتهمس لك كل لمسة «أنت الآن ملكنا».
تخفض رأسك للحلاقة، تشعر بالشفرات الباردة تجز في رأسك قاطعة طرقًا وأخاديد غير متساوية، مشوهة رأسك الصلعاء عن عمد، فلا تجد كرامة متبقية لتعيد رفعها.
هذا ليس عبثًا. هذا تصميم متقن. تصميم يثير ابتهاجهم.
يملؤهم الانتشاء بالسيطرة والتحكم المطلقين. أن يشاهدوك تتردد بين جذب حقيبتك وحماية وجهك لثوانٍ، فيعاقبوك بتلذذ على لحظة ترددك.
لو كانت قهقهاتهم لونًا، لكان أصفر بلون القيء.
لو كانت قهقهاتهم حيوانًا، لكانت ضباعًا سائلة اللعاب.
لو كانت قهقهاتهم سلاحًا، لكان طعنة غدرٍ منغرسة في الظهر.
أتمنى لو كنتُ أستطيع الزعم بأني وقفت وقاومت ذلك اليوم. أتمنى لو تمكنت أن أقول إنهم عندما أخذوا صديقي وضربوا رأسه بالحائط الإسمنتي حتى شعرت برأسي تتحطم، أنى اعترضت. أتمنى لو قلت أنى لم أنثنِ. لم أنكسر.
لكنى لا أستطيع.
سيأتي وقتي. سأنضج بما يكفي لأقف مرفوع الرأس وأتكلم، لأدرك أن بعض الأشياء أهم من مجرد النجاة. بعض الأشياء تستحق أن تموت لأجلها. لكني كنتُ في الثامنة عشرة من عمري، وفي حفلة الاستقبال، كنت جبانًا.
تتجلى المقاومة بشتى الأشكال والألوان. تجري كالنار في الشرايين وتحول منظورك لكل ما حولك.
في ذلك اليوم، لم أقف، ولم أقاوم. لم أصرخ ولم أبادلهم الصفعات.
لم أمتلك إلا فعل مقاومة تافه يتيم. الكراهية.
صببت كراهيتي عليهم بكل ذرة في كياني. قررت أن أنحي خوفي، وأبدله تقززًا مشوبًا بالاحتقار، وبغضًا مقيتًا.
اتخذت من تلك المشاعر وقودًا أتغذى عليه ليبقيني ماضيًا في ما يأتي من أيام.
ربما قاموا بكسري، بإهانتي، بتعذيبي، وتجريدي من كل ما أملك.
ربما امتلكوا كل الهيمنة والقوة.
ولكني بالمقابل امتلكت كرهي، كأمطار حامضية تهطل على صحراء جرداء، سامة، لكنها تطفئ اللهيب. وبلا بديل آدمي، ستتجرعها لتبقى على قيد الحياة.
أنا جثة تجوب الطرقات. أنا طيف شفاف. أمر على نسخ من أبواب الزنازين المتطابقة. يُزَجُّ بي في واحدة، ويصفع الباب من ورائي. أحدق فلا أرى. كأن على عيني غشاوة. انقضت حفلة الاستقبال، وأنا الآن أعيش داخل رأسي.
وأنا في رأسي هادئ.
فما دام قلبي متفجرًا ببغضهم بلا خوف، يخسرون، وأنتصر.
آراء أخرى
مدخل شخصي للفجر في الخصومة
«الآن علينا أن نسأل أنفسنا بجدية، كيف نحمي أجساد أبنائنا من ميراث السجون هذا؟»
وطن يُبنى بالتعذيب: عشرون عامًا من تكذيب «الادعاءات»
«رغم تقارير الأمم المتحدة وتقارير المنظمات المصرية غير الحكومية، لا تعترف الحكومة بممارستها التعذيب»
يوميات السجن – الحياة العادية للمسجون العادي (الحلقة 5 والأخيرة)
«كان هذا بعضًا من يومياتى في السجن، أردت بها أن أحكي لمن هم خارج الأسوار عن شكل حياتنا بالداخل»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد