ولماذا فُك أسر الجهاديين؟!
تحت عنوان "من فك أسر الجهاديين؟!" كتب الصديق حسام بهجت تحقيق جاد للغاية وبالغ الأهمية ، رصد فيه المحطات التى أُفرج فيها عن أعضاء التنظيمات الجهادية بعد فبراير ٢٠١١، وكشف بالمعلومات والأدلة أن المجلس العسكري قد أفرج عن ٨٠٠ سجين إسلامى بينما لم يفرج مرسى إلا عن ٢٧ سجين إسلامي.
وبينما تحمل الأجهزة الأمنية مسؤلية كل الأحداث الإرهابية التي تقع لقرارات مرسي بالإفراج عن أعضاء التنظيمات الإسلامية، أثبت التقرير أن عدد من أفرج عنهم مرسى لا يتجاوز ٣٪ ممن تم الإفراج عنهم.
وبعد السؤال المهم الذي طرحه التقرير حول "من فك أسر الجهاديين؟" يبقى سؤال لا يقل أهمية وهو "ولماذا فُك أسر الجهاديين؟"، ولدي فى هذا الصدد بعض التعليقات.
أولا: إن اعتبار إفراج المجلس العسكرى عن الجهاديين هو محاولة للبرهنة من الدولة على أن هناك مرحلة جديدة أمراً صحيحا، ولكن هذه المرحلة الجديدة لم تكن "عربون محبة" للثورة، لأن حينها كان شباب الثورة يحاكمون عسكرياً ويقتلون في الشوراع ويتعرضون للتعذيب، فهو في الحقيقة عربون محبة للإسلاميين الذين تحولوا للشريك الأساسي للمجلس العسكري في المرحلة الانتقالية الأولى.
وربما يتحول تعليق الأستاذ منتصر الزيات المحامي الإسلامي البارز مشيراً إلى أن إطلاق سراح المعتقلين الإسلاميين يجب فهمه في إطار التناغم بين المجلس العسكري والحركات الإسلامية في تلك المرحلة، هو الأدق في هذا السياق لأنه يكشف أن هذا الإفراج لم يكن إظهارا للنوايا الحسنة، بل صفقة مع المجلس العسكري فى مقابل أن يتحول التيار الإسلامي لظهير شعبي للمجلس العسكرى يدعمه ويعينه.
ثانيا: كان تنظيم الإخوان المسلمين بالطبع في قلب هذه الصفقة، فهو المفاوض والشريك الأساسي في صياغة خارطة طريق ٢٠١١، وهذا يعني عمليا أن التحالف الإخواني الجهادي بدأ مبكرا جدا، فالإفراج عن الجهاديين كان برضاهم أو دعمهم بل أدعي أنه كان مطلبا أساسيا للإخوان المسلمين، وهذا يعني أنه بدوره عربون محبة من الإخوان للجهاديين في سياق مجموعة تفاهمات تعكس استراتجية الإخوان في إدارة الصراع وترتيب المشهد وتجهيز أدوات الحكم.
وربما ظهر هذا جليا فيما بعد وتحديداً في الطريقه التي أدار بها الإخوان عملية الإفراج عن الجنود المصريين في مايو ٢٠١٣، فلقد اختار الإخوان منذ اللحظة الأولى التفاوض بعد أن صرح مرسي بوضوح "أن الحسم بالقوة يزيد الأمور تعقيدا ويدخلنا في أمور لا يمكن تداركها بسهولة!"، كما اتضح هذا بالطبع في الحضور الجهادي والسلفى الكثيف فى كل المؤتمرات الرئاسية وكل الفاعليات السياسية الإخوانية في عهد مرسي.
ثالثا: إن الصفقة التي بمقتضاها أفرج المجلس العسكرى عن الجهاديين تلبية لطلب تنظيم الإخوان لم تكن بعيدة بأى حال من الأحوال عن الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبى، بل ربما هو نتيجة تفاهمات بين الإخوان ودوائر الحكم الغربية، فتمكين الإخوان المسلمين من الحكم في مصر والمنطقة هو نقاش يدور فى دوائر الحكم الغربية منذ عقود، ومع تصاعد النقاش العام الغربي عن الإرهاب، كان سيناريو تمكين التنظيمات الإسلامية الأكثر اعتدالا من الحكم في الوطن العربى ودعمهم في استيعاب التيارات الجهادية سيناريو تتبناه أجنحه قوية داخل النخب الحاكمة والدوائر الأكاديمية والرأى العام الغربي.
رابعاً: علاقه التنظيمات "المعتدلة" مع الجهاديين في العقود الأخيرة ظلت تترواح بين التحالف والصراع، فموقف حماس -علي سبيل المثال لا الحصر- العدواني ضد جند أنصار الله، والتحالف مع جيش الإسلام يكشف أن التحالف بين التنظيمات الإخوانية والتنظيمات الجهادية أمر لا يخضع لاستراتيجية سياسيه لها جذور أيديولوجية بل يخضع فقط لضرورات السياسه.
إن التنظيمات الإخوانية كانت قد سوقت للغرب قدرتها على استيعاب الجهاديين "بالحب" وكان هذا في حقيقته هو تكتيك لاستدعاء السلفية الجهادية واستخدامهم في الصراع السياسي مع الخصوم السياسين بل كأحد أدوات للحكم، ولم يكن هذا استيعاب آمن أو محاولة لإدماج هؤلاء في العملية السياسية بل كان تحالفا لخوض "الحرب" مع القوى اليسارية والليبرالية وربما المجتمع.
وتواطؤ الغرب مع هذاالتحاف التكتيكي تواطؤ ينم عن رهان بالغ الرعونة، وينم عن أن الغرب لم يتعلم من كل تجاربه مع الجهاديين، وينم في الحقيقه عن نظره استشراقية متجذره للمنطقة فبينما ضغطت ميركل والإدارة الأمريكية على الحكومة اليونانية لقمع الحركة الفاشية المتصاعدة والقبض على قيادات "الجولدن دون" في اليونان في سياق الأزمة الاقتصادية، كانوا يباركون الاستيعاب "بالحب" في الشرق الأوسط، وقد يكون من اللافت للنظر هذا التسامح الغربى الغريب مع حصار السفاره الأمريكية في سياق الفيلم المسىء للرسول في خريف ٢٠١٢، الحصار الذي دعى له قيادات الإخوان علنا! فربما كان تقديرهم أن حصار السفارات في العواصم العربية أفضل من تفجير مترو الأنفاق في العواصم الغربية.
خامساً: إن من يتابع التغير في لهجة راشد الغنوشى، زعيم حركة النهضة التونيسية، فى الحديث عن السلفية الجهادية، يلاحظ تقلب خطابه من ضرورة استيعاب هذه التيارات السلفية بالحب إلى الإدانة الصريحة لها، مما يوضح أن التكتيك قد تبدل تماما بعد أن فشلت التجربه الأم في مصر، وهو ما أعطى فرصة للوصول إلى توافق في تونس.
سادسا: أنا هنا بالطبع لا أعفى المجلس العسكري من مسؤليته بل أراه شريكا أساسيا في التحالف مع الإرهاب، فالدولة المصرية قد اختارت الإرهاب وخضعت لضغطه في حين حاربت الثورة، فالدولة المصرية كانت ترى في الإرهاب ما هو أقل خطورة عليها من الثورة، فالتحالف الإخواني الجهادي لم يكن مفاجأة للدولة، بل كانت الدولة شريكه فيه كما أوضح التقرير.
اختارات الدولة التحالف مع أسوأ ما في المجتمع للتخلص من أجمل ما فيه، والآن تستفيد الدولة من جديد من المواجهة مع الإرهاب في إعادة إنتاج الدولة البوليسية بعد أن استغلت الحراك الشعبي الذي ناضل طوال عام حكم مرسي ووصل ذروته في الثلاثين من يونيو، هذا التحرك الذي كان بالأساس لرفض تحالف الدولة مع الإرهاب، فالعسكر قد اختاروا الإرهاب حليفا آمنا تارة، ومعارضا مثاليا لتبرير التوحش الأمني والانقضاض على كل مكتسبات الثورة تارة أخرى، فكل شىء ممكن... إلا الثورة.
آراء أخرى
آليات التلاعب والإقناع في خطاب الإعلام والسلطة
«بقدر ما كان نجاح المرشح القادم رأسًا من المؤسسة العسكرية أمرًا متوقعًا، فإنه ظل أيضًا باعِثًا على الجدل والتأمل والدراسة»
التدبير والتفجير فى ثورة يناير
«فى سياق الجهد الضاري -ولكن العبثى- لنفى صفة الثورة عن مشهد يناير 2011، أو لتسفيه القائلين بثورية المشهد، ظهرت مؤخرًا مقولة جديدة تقرر صراحة، أو تغمز…»
فكرة فوق الشجرة
«طرقت الفكرة باب المؤسسة طالبة مأوى من عتي الزمان، فإذا بالمؤسسة تطلب منها ترك عباءتها الملونة خارج الأسوار إذا أرادت الأمان، فما كان من الفكرة إلا…»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد