تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

هل تهدد قضية سلايطة أساتذة الشرق الأوسط في أمريكا؟

بول سدرا
4 دقيقة قراءة

صوَّت مجلس أمناء جامعة إلينوي، يوم 11 سبتمبر، بعدم التصديق على التعاقد مع الأستاذ ستيفن سلايطة (الأمريكي ذو الأصول الفلسطينية)، والذي سبق أن تعاقدت معه الجامعة للانضمام إلى قسم الدراسات الهندية الأمريكية بمدينة أوربانا شامبين الأمريكية.

وانعقد اجتماع مجلس الأمناء هذا عقب جدل استمر ستة أسابيع، منذ أرسلت فيليس وايز، رئيسة جامعة إلينوي في أوربانا شامبين، خطابًا إلى الأستاذ سلايطة أبدت فيه عدم نيتها عرض الموضوع على المجلس للتصديق بالموافقة، لأنها تتوقع أنه سوف يلقى الرفض.

عندما وصلنا هذا الخبر بداية شهر أغسطس الماضي، أثار دهشة كبيرة بيننا في الوسط الأكاديمي. فغالبًا ما تكون موافقة مجلس الأمناء على التعيينات مسألة روتينية، وكثيرًا ما تأتي بعد تولي الشخص الذي تم تعيينه منصبه في الجامعة. كان الأستاذ سلايطة قد استقال بالفعل من منصبه الأكاديمي السابق وانتقل إلى «إلينوي» استعدادًا للفصل الدراسي الجديد، حيث كان من المفترض أن يبدأ التدريس في القسم الجديد. والأمر المدهش في الخبر هو أن رئيسة الجامعة لم تقدم أي سبب في خطابها الأول إلى الأستاذ سلايطة. بل إنها لم تقم بمشاورة رئيس القسم الذي قام بتعيين الأستاذ سلايطة ولم تعلمه بالأمر حتى.

لكن سرعان ما انتشرت روايات تقول إن قرار سحب عرض الوظيفة مرتبط بمجموعة من التغريدات التي كتبها الأستاذ سلايطة أثناء العدوان الاسرائيلي الأخير على غزة. وبعد مرور أسابيع أكدت رئيسة الجامعة تلك الروايات عندما اتهمت الأستاذ سلايطة بأن تغريداته اتسمت بعدم "اللياقة".

أثارت هذه القضية جدلًا واسعًا في الأوساط الأكاديمية في أمريكا الشمالية بشكل عام وداخل جامعة إلينوي في أوربانا شامبين بشكل خاص. ودار هذا الجدل حول عدة تساؤلات؛ هل تحمل تغريدات الأستاذ سلايطة تعصبًا ام إنها كانت بالأحرى تسخر من الادعاءات الإسرائيلية؟ هل هناك علاقة بين شكل أو مضمون تغريدات كتبت خارج الحرم الجامعي وبين أهلية الأستاذ للتدريس؟ أليس من الواجب أن يستشير الإداريين بالجامعة هيئة التدريس في مثل هذه المواضيع الإدارية المهمة؟ وما هو أهم من ذلك، هل ما زالت حماية حرية التعبير بموجب الدستور والتزامات الجامعة بالحرية الأكاديمية ذات أهمية في وقتنا هذا؟

لابد وأن اعترف أن هذا الجدل أثار انزاعجي بشكل خاص على المستوى الشخصي. فمثلي مثل معظم أساتذة الجامعة، أتوجس بشدة من أي انتهاك للحريات الأكاديمية. لكن تلك لم تكن حالة مجردة بالنسبة لي. فالشخص المعني هنا زميل لي في مجال بحثي، دراسات الشرق الأوسط، وقد وجد نفسه فجأة يتعرض للفصل لمجرد التعبير عن رأيه في شأن يشكل اهتمامًا رئيسيًا في حياته. ولم يكن هذا في قاعة المحاضرات، بل كان بعيدًا كل البعد عن حرم الجامعة، في المجال الإلكتروني الافتراضي.

أحيانًا ما أشعر أن انتقاد مهنية زميل لي، شديد الاجتهاد في عمله ويحظى باحترام الجميع، بمثابة إهانة لكل من اتخذ من دراسات الشرق الأوسط مجالًا  للبحث العلمي. وأكاد استشعر تلميحًا بأننا في هذا المجال المثقل بالجدل غير قادرين على الوصول إلى نفس القدر من المهنية الذي يتمتع به زملاؤنا في سائر المجالات؛ لأن مادة بحثنا شديدة الحساسية وتجيش العواطف. عندما يكون لأحدنا صلة قرابة بالشرق الأوسط -مثل في حالة الأستاذ سلايطة الأمريكي من أصل فلسطيني، أو في حالة شخص كندي من أصل مصري مثلي- لا عجب أن يفترض أننا على مسافة "أقرب مما ينبغي" من هذه المادة الحساسة والعاطفية. لا يخفى على أحد العنصرية الضمنية في هذه الافتراضات، وهي غالبًا لا يتم التعبير عنها بشكل مباشر من باب الكياسة، لكنها تتجلى بوضوح في تصرفات القائمين على إصدار القرارات.

لا أظن أنني قد قابلت زميلًا  في مجال دراسات الشرق الأوسط غير معني بالموضوع محل دراسته، بغض النظر عن أصول هويته الوطنية. وإن العمل البحثي الاكاديمي في مجال الشرق الاوسط يتطلب من صاحبه قدرًا من الالتزام، ودراسة لغة صعبة والعيش في بلد بعيد عن موطن سكنه لعدة سنوات. وفي ظل هذه الظروف لا يسع المرء إلا أن يشعر بالارتباط بالأشخاص الذين عاشرهم، والذين التزم بنقل روايتهم. وبصراحة، من يريد مدرسًا غير شغوف بهذا الشكل؟ من يريد مدرسًا غير مكترث بالمادة التي يدرسها وغير منخرط فيها؟

إن الجامعة في نظري مكان لإطلاق العنان لمثل هذا الشغف، وليس لإخماده بكل تأكيد. وإن أفضل الأساتذة، مثل الأستاذ سلايطة، يحرص على إطلاق هذا الشغف ومناقشته ونقده والتمعن فيه أثناء المحاضرات. ولقد أدرك هؤلاء الأساتذة من خلال خبرتهم الحياتية كطلاب علم في الأصل أن الفهم لا يأتي إلا من خلال المناقشة، وليس من خلال فرض فكرة على حساب أخرى.

وفي غمار كل الصراعات والصعوبات التي تواجهها المنطقة التي نعمل على دراستها كعلماء متخصصين في الشرق الأوسط، قد يكون اشتراكنا في الجدل على المستوى العلمي والمستوى العام أيضًا أمرًا ضروريًا أكثر من أي وقت مضى. ولكنا الآن بصدد قضية تهاجم وجودنا كأساتذة في دراسات الشرق الأوسط بالوسط الأكاديمي في أمريكا الشمالية. وإن الدرس الواضح من هذه الواقعة هو أن كل أستاذ بمجال دراسات الشرق الأوسط معرض لاحتمال الفصل، ليس بسبب تصرفاته داخل قاعة المحاضرات فحسب، بل وخارجها أيضًا كما حدث للأستاذ سلايطة.

ويبقى سؤال أخير يراودني: إذا كان الأساتذة المعنيون بنقل رواية الفئة الأقل حظًا وقوةً سيتم فرض رقابة خارجية عليهم، أو في حالٍ أسوأ رقابة ذاتية خوفًا من رد فعل الإدارة، من الذي سوف يساعد الطلبة والعامة على فهم كل الصراعات والصعوبات التي يعاني منها الشرق الأوسط الآن؟

عن الكاتب

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).