تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

هل الإسلام مشكلة؟

تامر وجيه
6 دقيقة قراءة

هل فعلت الجريمة الإرهابية ضد صحفيي «شارلي إبدو» شيئًا غير أنها أضافت بقعة دم أخرى إلى ساحة حرب مضرجة أصلًا بالدماء؟

نعم بالتأكيد، لقد أعطت من يرون الإسلام ـ وليس العربدة الإمبريالية أو الإفقار النيوليبرالي أو العنصرية الجامحة ـ مشكلة العالم الأولى، وربما الوحيدة، ذرائع جديدة تساعدهم في مهمتهم المقدسة المتلخصة في نشر رايات حروب القرن الحادي والعشرين الصليبية.

فمتى أصبح الإسلام "مشكلة العالم"؟

لا تجهد نفسك في التفكير. الإجابة جاهزة. فمن يدقون طبول الحرب يجدون الآن ملايين الآذان الصاغية حين يقولون إنه، أي الإسلام، أصبح "المشكلة" حين أصبح موجودًا، أي منذ أكثر من ألف وأربعمائة عامًا بالتمام والكمال.

وفي المقابل، وكوجه آخر للعملة الرديئة نفسها، فإن ملايين آخرين سيرددون بحماسة لا تقل أن الإسلام، وليس غيره، كان وما زال هو "الحل" الوحيد لكل وأي ومشكلة.

هذا المنطق القطعي البائس، البائس بالضبط بسبب قطعيته، يحتاج إلى تفكيك. والتفكيك هنا ليس مجاله الفكر فقط، بل التاريخ، أي الفعل الإنساني الذي يمكنه ـ نظن ـ أن يدير الدفة ويغير المسارات، علنا ننقذ أنفسنا من السقوط في الهاوية التي نتحرك بثبات، وبلا وجل، صوبها.

***

الإنكار لا يجدي! الإسلام بالفعل له خصوصية. الوجه الأهم لهذه الخصوصية هو أن هذا الدين قد فرّخ في عصرنا أكثر الأصوليات الدينية "عولمة". فقد تكفل كل من النفط وإسرائيل، كمكونات رئيسية في المركب الإمبريالي المعاصر، بتحويل الأصولية الإسلامية، على خلاف الأصوليات الدينية الأخرى، إلى ظاهرة متمددة عالميًا، أي إلى عنصر أصيل في السياسة الدولية في عصر ما بعد الحرب الباردة.

وفي حين أنه قد يخطر على بالك أن العقلانية الليبرالية التقليدية قادرة، رغم محدوديتها، على استقصاء أسباب ومغزى استبدال "الخطر" الإسلامي في العصر الحالي بـ"الخطر" الشيوعي/القومي/الناصري في عصر القطبية الثنائية في سياقه السياسي التاريخي، أي قادرة على إدراك الأصولية الإسلامية، أو الخصوصية الإسلامية، كظاهرة واقعية لها أسبابها وسياقها في مجرى الصراع البشري الحي، بينما قد  يخطر على بالك أن ذلك ممكن، بل وطبيعي، إلا أن ما حدث فعلًا هو أن الليبرالية التقليدية، في عصر النيوليبرالية، فقدت عقلها وتحولت إلى أصولية منافسة لا ترى في الإسلام إلا "جوهرًا" شريرًا لا يمكن إصلاحه، ولا ترى في الإسلاميين إلا "شياطين" متشابهة لا يفسر وجودها إلا اضطرابات دماغية انتشرت، بقدرة قادر، في رؤوس سكان هذه البقعة التعيسة من العالم المسماة الشرق الأوسط.

العلمانية السائدة والإسلامية المهيمنة كلاهما تريان أن أصل المسألة الإسلامية يكمن في الطبيعة الجوهرية للإسلام ـ في بنية العقيدة، في النص المقدس، أو ما شابه ـ التي تجعله مختلفا عن أي دين آخر، والتي لا تتغير بالزمان أو المكان، أو بتجدد التجربة التاريخية للمسلمين.

لكن لو كان ذلك كذلك ـ أي لو كان الإسلام بالفعل مفارقًا للتاريخ الحي للبشر، لو كان ثابتًا غير متحول ـ لاستتبع هذا بالضرورة نتائج كارثية.

فمن وجهة نظر العلمانية المتشددة ـ التي ترى الجوهر الإسلامي فاسدًا وغير إنساني ـ سيكون الحل الأكثر منطقية هو حرب صليبية جديدة، هذه المرة باسم العلمانية بدلًا عن اسم المسيح. حرب هدفها هزيمة هذا الشر المتأصل الذي لا يمكن انتزاعه إلا بالقوة وبالجملة ضد 15% من سكان الكوكب.

ومن وجهة نظر الأصولية الإسلامية المتشددة، فإن الخير الإسلامي المتأصل سيكون عليه، إن عاجلًا أو آجلًا، خوض حرب فتوحات جديدة ضد الشر الصليبي (أو العلماني).

هذا بالضبط هو ما فكر فيه الأمريكي المحافظ صمويل هنتنجتون عندما كتب قبل أكثر من عشرين عاما كتابه «صراع الحضارات».

***

الحقيقة أن وجود علمانيين وإسلاميين متعطشون لقتل الآخر ليس المشكلة. هذا "شر" موجود في كل الأديان والمعتقدات، الأرضي منها والسماوي. المشكلة في سيطرة منطق التعطش للقتل على ما عداه؛ المشكلة في انحدار الإنسانية شيئًا فشيء ناحية اعتبار أن صراع الهويات هو لب المعركة الدائرة في العالم اليوم.

هذه مشكلة لا يمكن تحليلها وحلها من داخل المنطق الهوياتي ذاته. أقصد أن من ينزلق إلى قبول المنطق الهوياتي لن يكون مؤهلًا لفهم ما يحدث وطرح إمكانيات حله. فإن أنت قبلت هذا المنطق ـ منطق أن جوهر الصراع الدائر هوياتي ـ فأقصى ما يمكنك الدعوة له بناء على هذه الرؤية هو إما "تدجين الهويات"، أي البحث عن سبل للتعايش السلمي بينها دون تفكيك المنطق الهوياتي ذاته، أو "تأميم الهويات"، أي البحث عن سبل سيطرة هوية واحدة ما ـ قطعًا الهوية التي تراها أنت خيرًا مطلقًا ـ على مجمل الوعي والتجربة الإنسانيتين.

وهذا بالضبط أصل مأساة غالبية أشكال العلمانية المعاصرة، بالذات تلك المهيمنة في عالمنا العربي الإسلامي. ففي عالم ينزلق نحو الهوياتية، أي نحو نفي التاريخية والتحول، نحو اختزال الوجود في الفكر، والفكر في الهوية، تطرح تلك العلمانية نفسها من الناحية الشكلية كحل لإشكالية الهوياتية، باعتبارها تؤسس لتنظيم اجتماعي يدع ما لقيصر لقيصر وما لله لله.

لكن المفارقة أن منطق تلك العلمانية السائدة يستبطن الهوياتية، برفضه إحلال أزمة التشدد الإسلامي الأصولي، وأزمة المجتمعات الإسلامية، في التاريخ. فلما تطرح العلمانية السائدة أن المشكلة في النص ذاته، ذلك النص الذي يتجاوز التجربة المعاشة ويختلف جوهريًا عن أي نص آخر، أو لما تطرح أن النص في جوهره علماني بشكل أو بآخر، أي تطرح أن "هذا ليس هو الإسلام الصحيح"، فهي بالتعريف تنزلق إلى منطق الهوياتية وتصبح جزءًا من المشكلة وليس حلًا لها. بتعبير آخر: طرح المسألة من وجهة نظر العلمانية السائدة بصفتها مشكلة "ما هو الإسلام الحقيقي؟" (شرًا أو خيرًا) يجعل تلك العلمانية مجرد طرف هوياتي في الصراع بين الفسطاطين.

جذور العلمانية الهوياتية السائدة في المجتمعات الإسلامية ترجع في ظننا إلى ارتباط قطاع كبير من الإنتليجنسيا العلمانية العربية والشرق الأوسطية برؤى للعالم ذات طابع ليبرالي أو ستاليني، وتلك رؤى فكرية تجسد مشاريع سياسية تتبنى منظور الهندسة الاجتماعية الفوقية البرجوازية أو البرجوازية الصغيرة. بتعبير آخر: العلمانية الهوياتية في الفكر هي الوجه الآخر لمشاريع التغيير السياسي البرجوازي/البرجوازي الصغير من أعلى في السياسة.

أحد تعريفات الهوياتية هو الافتقار إلى النظرة التاريخية أو قصورها؛ النظر إلى العالم بوصفه جوهرًا أو فكرة أو هوية متحققة أو مفتقدة، وليس بوصفه تاريخًا منفتحًا من الفعل الإنساني في سياقات تصنعنا ونصنعها. هذه النظرة تجسد رؤى العالم لدى الطبقات السائدة، أو الطبقات التي لا تمتلك مشروعا تحرريًا شاملًا، وهي قد التصقت بالتنوير العربي والإسلامي لأن مشاريعه التغييرية مجهضة وذات طابع فوقي.

بانفتاح العلمانية على التاريخ، وبقبولها لتاريخية كل الصيغ الفكرية، بما فيها صيغتها هي نفسها، فإنها ستبدأ في طرح نفسها ليس كهوية مقابل هويات، بل كإمكانية تاريخية تطرحها الإنسانية بفضل الحداثة وكاستجابة لتناقضاتها. وهذا ما سيضطرها إلى البحث عن حامل اجتماعي لمشروعها الإنساني. فلا وجود حي للفكر إن لم يتحول إلى وعي جماهيري. ومن ثم فإن العلمانية التي نقترحها ستتخلى عن الفوقية وتتوقف عن المسعى الفاشل لاقتلاع الهوية المطلقة، أصل الشر ومكمنه، وستبدأ في خوض معركة أخرى: معركة إكساب قوى التحرر ـ الإنسانية، الواقعية، الملموسة في التاريخ ـ سلاحًا فكريًا للتعبير عن مضمون مشروعها الممكن تاريخيًا.

لن تكتسب العلمانية روحًا لا هوياتية إلا إذا امتزج مشروعها الفكري بمشروع اجتماعي إنساني يتطلبها كمكون من مكوناته. وهذا ليس معناه أبدًا اختزال معركة التنوير في الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وإنما معناه خوض المعركة الفكرية في ساحة إنسانية حقيقية، ساحة القوى الاجتماعية المتصارعة التي تحتاج إحداها ـ وبإلحاح ـ إلى تغيير هذا العالم البائس، ولن تنجح في هذا إلا إذا طرحت نفسها ليس كممثل لنفسها فقط، بل كممثل وقائد لكل القوى المضطهدة والمظلومة في العالم، وهو ما يعني بالبداهة علمانية تضمن لكل الهويات والمرجعيات الحرية والتعايش والتعاون في عالم تصبح حرية الفرد والجماعة الفرعية فيه شرطًا لحرية المجموع، والعكس بالعكس.

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
عبد العظيم حماد

العلمانية السياسية في عصر الخلفاء الراشدين

«البعض يسمونها "العلمانية المعتدلة"، ويقصدون بها عدم مناهضة السلطة السياسية للدين، مقابل ألا تكون الدولة دينية، ومن هؤلاء حزب العدالة والتنمية التركي وحركة النهضة التونسية، والحزب…»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).