نعم؟!
لو كان هناك موقف أكثر تجاهلا من "المقاطعة" وفي الوقت نفسه أكثر ازدراء من "إبطال الصوت" لاتخذته بخصوص الاستفتاء على الدستور.
البعض اتخذ موقفه العملي العقلاني المتوازن من الاستفتاء على الدستور كالآتي: بالرغم من بعض العيوب والنواقص التي لا يمكن معالجتها حاليا نظرا لتوزان القوى (امتيازات الجيش)، وللطائفية التي في القلب من هذا المجتمع (الحريات الدينية)، فإنه يجب القبول بهذه النواقص وغيرها من أجل دعم "المسار السياسي".
موقفي لا علاقة له بنصوص الدستور المكتوبة، ولا علاقة له بالديباجة البلهاء، لصاحبها الشاعر الكبير سيد حجاب، التي كلما مررت عليها تذكرت سيّد عصب في فيلم "الساحر" ومحمود عبد العزيز يحاول أن ينصحه: "بواسيرك يا سّيد!"
وموقفي لا علاقة له أيضا بمتن نصوص هذا الدستور منفصلة عن اتجاه المسار السياسي ، فنصوص هذا الدستور ليست سيئة للغاية، بل هي جيدة بالفعل في الكثير من الجوانب، وصحيح أنه لا يمكن القفز فوق بعض توازنات القوى في أوقات التسويات السياسية، وكان يمكن أن أفكر في "عصر الليمون" على هذه النصوص إن كانت الأمور تسير في "مسار سياسي آخر" أقل عفنا.
ولكني لا أجد في هذه اللحظة ليمونا يكفي لكبح رائحة العفن المتصاعدة من المسار السياسي بأكلمه، ولا أجد تعبيرا عن مشاعري تجاه هذا المسار السياسي إلا كلمات عمرو أديب - للأسف - التي قالها عن مشروع الإخوان ولكنها تنطبق الآن على مشروع خصومهم: "مساركم فاشل وابن ستين كلب".
موقفي من انقلاب ٣ يوليو ٢٠١٣ هو نفس موقفي من حركة الجيش المباركة في ٢٣ يوليو ١٩٥٢ وحركة المجلس العسكري "القرعة" في ١١ فبراير ٢٠١١ ، لست مغفلا لأدافع عن شرعية آخر ملوك مصر ولا عن شرعية أول طلعة جوية ، ولا عن شرعية السلطوية الإسلاميةـ وفي الوقت نفسه لا يمكن أتوقع خيرا من "حركات" الجيش الذي كان العمود الفقري التاريخي لهذه الدولة وهو العمود الفقري المعاصر لأزمتها، وقيادته الحكيمة كانت هي القلب الصلب للمسار السياسي الفاشل السابق والأسبق والقادم إن شاء الله.
ولكن دائما كان موقفي: لا تبك على العفن المسكوب، وهيا بنا ننظر إلى الجزء المملوء من صفيحة الزبالة. تحتاج صفيحة الزبالة إلى انقلابات وهزات أقوى وأعمق لكي تلقي بمزيد من العفن الباقي المستقر في جوفها.
ولكن بدلا من ذلك فإن موجة عفنة كرست لانقلاب "الرجل الواحد"، أو "الدكر" الواحد. على أمل أن يتوقف اهتزاز المزبلة وتستقر أحوالها على ما هي عليه من العفن. وتدريجيا تبخر وزن "الجناح الديمقراطي" في الحكومة، ولا يمكننا الآن إلا أن نتحدث عن وجود جناح "غير إجرامي" في الحكومة يحاول أن يفكر في الابتعاد عن ممارسة الجريمة التي يندفع إليها الجناح الإجرامي.
وبعيدا عن الأخلاق والتقوى، فإن المشكلة الأكبر أن الجريمة الغبية غالبا لا تفيد، وفحولة "الدكر الأوحد" لا تكفي كل هؤلاء الممحونين.
لا أعتقد أن هناك الآن قوة ديمقراطية لديها ما يكفي من التأييد يمكنها أن تحمي مسارا ديمقراطيا طاهرا. ولذلك ليس لدي موقف تطهري من "العك". ولكن هذا يتطلب أولا أن يكون المسار في اتجاه الديمقراطية لكي يمكن قبول بعض "العك" في هذا الاتجاه.
ولكن المسار السياسي الحالي يعود إلى خيابته الأصلية، ويهلل الممحونون للمجرمين وهم يعودون بالإسلاميين إلى السجون ويفرحون بانتصار أنفسهم في معركة سياسية ذات طرف واحد وليس بها إلا صف واحد نخشى عليه من الانشقاق والحسد والهوا الطاير.
الأعداء هناك خارج الملعب السياسي، تتكفل الأجهزة الأمنية بشن الحرب عليهم وعلى المصريين جميعا، فتدهس السلطة المجرمة على آلاف المصريين في حربها الحمقاء ضد كل ما يبدو مزعجا وتفجر الغضب داخل الجامعات وتبتز كل من يتحرك بأنه يعمل لصالح الإخوان.
لم يسأل الممحونون حلفائهم المجرمين هل توقفت المظاهرات بسبب قانون تنظيم التظاهر. وطبعا لن يفكروا أن يراجعوهم فيما يقولون من أن الاستفتاء على الدستور واستكمال اجراءات الصندوقراطية سيكفل الاستقرار لأنه لا أحد في مصر سيجرؤ على التظاهر ضد دستور وافق عليه "الشعب" ومؤسسات انتخبها "الشعب"، مثلما فعل الذين تظاهروا في ٣٠ يونيو!
تحالف المجرمين والممحونين يتخذ من هذا الجانب طريق شبيه بسابقيه، يحاول سريعا بناء "شرعية" و"صندوقراطية" وهو يسير عكس اتجاه الديمقراطية. لكن هذا التحالف الإجرامي يعلم أن سابقيه من مغفلي الإخوان فشلوا لأنهم لم يستطيعوا إخضاع "أذرع الظلم" في الدولة، وعلى رأسها الشرطة والقضاء.
ولكن لأن هذه الأذرع هي جزء أساسي من التحالف الإجرامي فهي تراهن على أنها ستنجح فيما فشل فيه الإخوان ، وستنجح في إبقاء الإخوان والتيار الإسلامي خارج اللعبة السياسية لكي يمكنها أن تظل الفائز باكتساح . وهذ التوهم الأخير يقود التحالف الحاكم لوهم جديد قديم وهو استعادة "معادلة مبارك" بنجاح، وهي البحث عن استقرار في مسار سياسي مقيد تحرسه الأجهزة الأمنية لكي يمكن أن يحتفظ بأقوى خصومه في الخارج بعيدا عن المنافسة ويبقى باقي خصومه رهن الابتزاز بأن حركتهم ستصب في مرحلة الإسلاميين/ الإرهابيين.
وهذا المسار السياسي إن استطاع أن يبدأ أولى خطواته بنجاح ففي الغالب أن مصيره إما السقوط في المزيد من العفن أو مواجهة سيناريوهات الانفجار المتعددة. أما عن أسئلة الديمقراطية أو حتى أسئلة الاستقرار والأمن في هذه اللحظة، فالإجابة عليها لن تكون إلا تساؤلا استنكاريا: نعم؟!
آراء أخرى
في أعقاب الاستفتاء: ثقوب في جدار مصمت
«أقوى القرائن على حرج منظمى الاستفتاء، هي قرار منع إعلان نتائج الفرز أولًا بأول باللجان الفرعية.»
ضمان الحقوق والإصلاح السياسي
«إن قيمة الدول تظهر في مدى احترامها لما هو مكتوب في دساتيرها»
الأكراد: بين أمة حلم بها أوجلان ودولة يسعى لها برزاني
«وبين «الأمة» و«الدولة»، بين سلطوية طبقة حاكمة، وشعب يبحث عن حريته، سيظل الصراع قائمًا»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد