تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

مُخلِّص بوليڤيا المُلطَخ

ألما جيرموبريتو
18 دقيقة قراءة
مُخلِّص بوليڤيا المُلطَخ

  

(هذه ترجمة لمقال Bolivia’s Tarnished Savior المنشور على موقع «نيويورك ريفيو أوف بوكس» بتاريخ 3 ديسمبر 2020 باللغة الإنجليزية للكاتبة المكسيكية Alma Guillermoprieto، وينشر «مدى مصر» ترجمته بالعربية بعد موافقة الناشر الأصلي)1

حين تطير فوق جبال الأنديز في سواد الليل، تعرف أنك وصلت بوليفيا حين تظهر البلدات والقرى: خطوط من الضوء متقاطعة بانتظام وكل شارع منير. قد لا تكون صالة الوصول في مطار الألتو الدولي مصممة بأفضل تصميم أو متسقة مع أكثر معايير البناء دقة، لكن في هذه الهضبة العالية التي تكون متجمدة قبيل الفجر (منطقة ألتيبلانو بالأنديز) قد يبكي المرء امتنانًا لأن هذا المطار به تدفئة. منذ 30 عامًا، لم تكن الألتو مدينة وإنما مجموعة غير منظمة من شوارع غير ممهدة وغير مضيئة خارجة من مجموعة مرتجلة متهالكة من الأمتعة المتراصة ونقاط التفتيش التي لا تستخدم فيها التكنولوجيا بالمرة. كان الزوار يُصدَمون حين يصلون بسبب الارتفاع لـ13 ألف قدم فوق مستوى سطح البحر، فيستنشقون الهواء بصعوبة ويقفزون في تاكسي ويتوجهون إلى العاصمة لاباس عبر طريق ممتلئ بالمنعطفات الحادة والحُفر.

تمثل الألتو اليوم كل ما أنجزته حكومة إيڤو موراليس (الذي يعرفه كل أبناء بلده بـ«الإيڤو») أثناء سنواتها الـ14 في السلطة من 2006 إلى 2019. هي ثاني أكبر مدينة في بوليفيا، وبدءًًا من الطريق السريع ذي الحارات الست المؤدي إلى لاباس يمكنك الإعجاب بواحدة من أوضح علامات التحول: عربات التلفريك المتقاطعة المستخدمة في نظام النقل المعلق في الهواء شديد الحداثة في المدينة، والذي أطلق عليه «مي تيليفريكو». هناك ثمانية خطوط بها 1400 عربة تخدم 37 محطة وكلها أنشئت في ثمان سنوات فقط. ثلاثة من هذه الخطوط تسير من الألتو إلى لاباس وهي مدينة بها 800 ألف نسمة تقع في وادٍ قاحل بدون أشجار. يمكن أن يستهلك التنقل بالحافلة ساعتين من يوم العامل، أما رحلة التلفريك فتستغرق دقائق فقط.

لكن في جوانب أخرى هامة، لم تتغير الألتو نفسها تقريبًا منذ ديسمبر 2005 حين صوتت الأغلبية الساحقة من سكان الألتو -بالإضافة إلى أكثرية باقي البوليفيين- لانتخاب إيڤو كأول رئيس لبوليفيا من السكان الأصليين منذ استقلالها عام 1825. لا يزال الباعة على الأرصفة يبيعون كل شيء من أجنة اللاما إلى أغلفة المحمول المغطاة بالماس المزيف. لا تزال المياه شحيحة. ولا تزال حركة المرور كابوسًا. لا تزال النساء الكبار من السكان الأصليين (ويطلق على المرأة منهن تشولا) ترتدين التنانير التقليدية ذات الطبقات والقبعات المستديرة. هن من الأيمارا المنحدرين من ساكني أقصى جنوب إمبراطورية الإنكا. ورغم أن نسبة معتبرة من سكان الألتو البالغين مليون نسمة تقريبًا هم من الكتشوا (مجموعة إثنية أخرى من الأنديز) أو الميستيثو (المختلطين) أو حتى الصينيين، فهذه مدينة أيمارية في هويتها وعاداتها ولغتها (المدينة الوحيدة للسكان الأصليين التي تتبادر إلى الذهن في الأمريكتين) وهي مؤيدة لإيڤو بشدة الذي هو من الأيمارا أيضًا.

لكنه حين ترشح لفترة رئاسية رابعة مختلف عليها دستوريًا في 2019، وأعلن فوزه بشكل تشوبه احتمالية التزوير، وقعت بعض أشرس المعارك بين أنصار إيڤو ومناهضيه من الأيمارا المسيحيين الإنجيليين، بينما كانت مئات الاحتجاجات الأخرى في شتى أنحاء بوليفيا تطالبه يومًا بعد يوم بالاستقالة. بعد ذلك بثلاثة أسابيع، حين أصبحت البلاد على شفا حرب أهلية استقل الطائرة متجهًا إلى المكسيك.

تم إجراء انتخابات جديدة الشهر الماضي (أكتوبر 2020)، وحدث فيها شيئان متناقضان: حزب الحركة من أجل الاشتراكية «MAS» فاز في التصويت، لكن تم إبعاد إيڤو عن أي نفوذ أو تأثير بنعومة رغم أنه الرئيس السابق الذي أسس الحزب وغير وجه بلده الفقير ويعتبره الكثيرون (ويعتبر نفسه بالطبع) مخلص بوليفيا. ولن يعود للسلطة في المستقبل القريب على الأقل.

ولد خوان إيڤو موراليس أيما عام 1959 في مقاطعة أورينوكا البعيدة المرتفعة، وكان فقيرًا لدرجة أنه كان يحلم بأن يصبح ثريًا ويركب الأتوبيس ويلقي بأنصاف البرتقالات من النافذة باستهتار بعد أن يمصها كما كان يرى الركاب يفعلون أثناء ذهابه للمدينة مع والده، كما قال للجميع أثناء حملته الرئاسية الأولى. حين أتم سن التاسعة عشر، وكان شابًا طموحًا انهى الخدمة العسكرية حديثًا، أدرك هو وأسرته أن لا مستقبل في منطقة ألتيبلانو القاحلة. فانضموا لأعداد متزايدة من سكان المناطق المرتفعة الذين انتقلوا جنوبًا إلى شريحة الأرض المنخفضة الخصبة المُبخرة التي تسمى تشاباريه لزراعة أوراق الكوكا التي كان يشتريها الأجانب المسرفون في عجالة مقابل مبالغ ضخمة من المال. الكوكا محصول تقليدي وقانوني في الأنديز له دلالات دينية. يمضغ المزارعون البوليفيون الفقراء الكوكا كمنبه خفيف، وكان أحد المكونات المستخدمة في مشروب كوكاكولا حتى تسعينيات القرن العشرين. لكن يمكن معالجة طن من أوراق الكوكا لعمل رطلين من عجينة الكوكايين. في ثمانينيات القرن العشرين، أي في أوج مغامرة الولايات المتحدة مع الكوكايين، كان الفلاحون في تشاباريه يستطيعون كسب ما يزيد عن 14 ألف دولار في العام وكان هذا بالنسبة لهم مبلغ ضخم.

في ذلك الوقت، انضم إيڤو لحركة نقابية متنامية بين مزارعي الكوكا كأمين للجنة الرياضية (هو مولع بكرة القدم)، ومع الوقت أصبح الزعيم المشاكس لاتحاد ست نقابات لمزارعي الكوكا في تشاباريه. وكالكثيرين من زملائه في النقابة، كان يرى نفسه أولًا كمزارع وليس كواحد من الأيمارا، لكنه كان يعتبر نفسه دائمًا مناضلًا نقابيًا. كانت تلك أيام صعبة: تخيلت «واشنطن» أن بإمكانها القضاء على تجارة الكوكايين -التي يديرها بالأساس مهربون كولومبيون وموزعون أمريكيون- عن طريق إقناع مجموعة متتالية من حكام بوليفيا اليمينيين المتشددين بشن حرب بالوكالة على مزارعي الكوكا. القوات الخاصة البوليفية المدربة في الولايات المتحدة تم إنزالها بالمروحيات في تشاباريه، وتم قتل الرجال والاعتداء على النساء وحرق منازل الفلاحين، وبرز إيڤو من سنوات المواجهة تلك برؤية للعالم تتسم بماركسية غامضة وعداء للولايات المتحدة.

ومع القيادات الفلاحية الأخرى والمتعاطفين من اليساريين، تولى في 1998 قيادة حزب الحركة من أجل الاشتراكية الذي كان في ذلك الوقت حزبًا هزيلًا شبه فاشي، وتم انتخابه في الكونجرس في العام التالي. قضى كعضو في الكونجرس دورة واحدة، وفيها حارب من أجل حق فلاحي تشاباريه في زراعة الكوكا. (زراعة الكوكا للاستهلاك المحلي كشاي أو كأعشاب للمضغ لا تزال غير محظورة في الأماكن الأخرى في بوليفيا). وأهم شيء أنه قاد مواجهات عنيفة في الشوارع أدت إلى استقالة رئيسيين متتالين هما: جونزالو سانشيز دي لوزادا في 2003، ونائبه الذي أصبح رئيسًا بعده كارلوس ميسا في 2005.

قبل ترشحه للرئاسة التي فاز بها في 2005، أي بعد الإطاحة بميسا على الفور، بدا أن إيڤو أدرك أنه لا يستطيع أن يفوز بانتخابات عامة كقائد نقابي راديكالي مشاكس ومزارع كوكا فقير. وحيث إن نصف السكان مرتبطين هوياتيا بأحد المجتمعات البوليفية الأصلية، صار يوجه رسالته إليهم تدريجيًا. في ذلك الوقت سمعت إيڤو -وهو مرتدي إكليل زهور- يفتتح مسيرة في كوتشابامبا بعبارتين يبدو أنهما بلغة الكتشوا، وأشار كثيرًا إلى باتشاماما إلهة الأرض السخية في بلاد الأنديز. تحدث عن كولاسويا (المنطقة التي في أقصى جنوبي شرق إمبراطورية الإنكا) والتي تقع بوليفيا القائمة اليوم في مكانها تقريبًا. في مسيراته، كان ويبالا (علم متعدد الألوان يعبر عن التسامح العرقي والحقوق المتساوية وكولاسويا) يظهر بشكل متزايد.

كان خصوم إيڤو في اليمين يسخرون من أن أصوله تعود للسكان الأصليين، بينما زعماء السكان الأصليين الذين لم يكونوا يحبونه كانوا يشيرون إلى أنه لم يرتد أبدًا ملابسهم الأصلية ويتحدث لغة الأيمارا بصعوبة. لكن تَغير صورته عند الكثير للناخبين من السكان الأصليين ومع الوقت له هو نفسه. «لا أعتبر نفسي أول رئيس من السكان الأصليين» قال ذلك للصحفي راؤول بنياراندا: أعتبر نفسي أول رئيس نقابي. ولكن بعد أن أعدت النظر في الأمور، وحيث إنني قادم من مجتمع تقليدي في بلدة أورينوكا لا توجد به ملكية خاصة حتى اليوم، أعتبر نفسي من السكان الأصليين.

أثناء العقد الأول من رئاسته بشكل خاص، أحدث إيڤو ونائبه ألڤارو جارسيا لينيرا تحولًا جذريًا في بوليفيا. (كان لينيرا أكاديميًا ذا بشرة بيضاء وأصوله لا تعود للسكان الأصليين، لكنه شارك في عام 1986 في تأسيس منظمة لحقوق السكان الأصليين تخوض حرب عصابات للدفاع عن حقوقهم، وقضى لاحقًا خمس سنوات في السجن). وبسرعة، حقق إيڤو وعده بجعل السكان الأصليين في مقدمة سياسات الأمة. دعا لمؤتمر دستوري تحديثي كان أكثر من نصف المندوبين فيه بقليل من حزب الحركة من أجل الاشتراكية ومعظمهم من السكان الأصليين. حوالي ثلث المندوبين كن نساء يرتدين التنانير القصيرة وقبعات القش المسطحة المميزة للكتشوا في الأراضي المنخفضة أو القبعات المستديرة والتنانير الطويلة ذات الطبقات المميزة للأيمارا. في الساحة المنيرة لمبنى استعماري في سوكريه، حيث كان المؤتمر منعقدًا، تحدثت إلى الكثيرات من تلك النساء اللاتي كن يذهبن من قاعة اجتماعات لأخرى مشغولات بأفكار وممتلئات بجدية مهمتهن.

الدستور الجديد الصادر عام 2009 اعتبر مياه الشرب النظيفة وأنظمة الصرف الصحي حقًا للجميع، ومنح المجتمعات الأصلية مجموعة متنوعة من الصلاحيات في أقاليمهم، وضمن حد أدنى من المقاعد النيابية لممثلي السكان الأصليين. وبفضل ارتفاع أسعار المنتج التصديري الأساسي للبلاد وهو الغاز الطبيعي -بمتوسط ثمانية دولار لكل ألف متر مكعب- تقدم الاقتصاد بمعدل نمو سنوي يبلغ حوالي 5%، وكان لدى الحكومة فرصة للتجريب والابتكار أثناء سنواتها العشر الأولى في السلطة. («كنت أحكم وسعر الغاز 1,70 دولار أمريكي» كارلوس ميسا الرئيس السابق على إيڤو كان يقول ذلك كثيرًا بمرارة). ولبضعة أشهر على الأقل، كانت وزيرة العدل عاملة منزلية من الكتشوا صعدت من بين صفوف الحركة من أجل الاشتراكية حيث كانت تنظم نساء أخريات مثلها. في بوليفيا التي كان السكان الأصليين فيها ما زالوا يشعرون بالقمع الوحشي للغزو، أحدث ظهورهم الجديد والإصلاحات الدستورية التي حصلوا عليها مؤخرًا تحولات عظيمة نحو إصلاح العلاقات العرقية في البلاد. قاوم البيض والميستيثو المرعوبين هذه التحولات بشدة، لكن رجال الأعمال شعروا بالامتنان بسبب الاستقرار الحادث مؤخرًا فبوليفيا مر عليها سابقًا خمسة رؤساء في عام واحد.

كان ذلك كافيًا لتبدو أخطاء حكم إيڤو والممارسات الوحشية فيه غير هامة، بل حتى يمكن التسامح معها. كان هناك اضطهاد للصحفيين ووسائل الإعلام. واشترت حكومة إيڤو صحف ومحطات تلفزيون، وطردت الصحفيين المنتقدين. وبرغم تبنيها المعلن لهوية السكان الأصليين، تصادمت الحكومة بشكل متكرر مع مجموعات من السكان الأصليين وخاصة في الأراضي المنخفضة الاستوائية حيث نتج عن قرار السماح لشركتي شل للبترول وبتروبراس البرازيلية بدخول منطقة الغابات المحمية إلى شهور من المواجهة مع سكانها.

من الأمور التي سببت الأزمات أيضًا قرار إيڤو بزيادة مقدار الأراضي الذي يُسمح للمستوطنين بإزالة أشجار الغابات منه في الأراضي الاستوائية المنخفضة باستخدام أسلوب القطع والحرق التقليدي. كان معظم المستوطنين الجدد من سكان الأراضي المرتفعة الفقراء الذين لم يروا غابة أو مراعي من قبل ولا يعرفون كيفية إزالة الأشجار بالحرق. نتيجة لهذا، اندلعت النيران لحوالي شهرين في العام الماضي بمختلف أنحاء منطقة شيكويتانيا ذات الغابات الجافة، مما أدى إلى فقدان حوالي ثمانية آلاف ميل مربع من الغابات البكر بشكل لا يمكن تعويضه وتدمير الحياة الحيوانية بالمنطقة. (استمرت النيران في الاشتعال هذا العام عبر مساحة أكثر اتساعًا في نفس الإقليم).

كان هناك أيضًا مستويات هائلة من الفساد مثل حالة عضو مجلس الشيوخ عن الحركة من أجل الاشتراكية الذي حصل على 800 ألف دولار أمريكي من أجل أشغال عامة في بلدة غير موجودة، ورفض إيڤو التفاوض مع المعارضة البرلمانية، وعادته في التحرش بخصومه باتهامات ملفقة لكي يبقيهم منشغلين في المحاكم. كذلك هناك الجانب القبيح فيه مثل إشاراته المتكررة لبراعته الجنسية. (يحب أن يمزح قائلًا إنه حين يزور قرية ما تلد كل نساءها بعد تسعة أشهر وهو ما يثبت شعاره «إيڤو ينجز»). الذكورية البالية والسياسات المعادية للبيئة والفساد وحب السلطة من أجل السلطة جعلوا الناخبين وأعضاء حزبه نفسه -وخاصة الشباب- يشعرون بأنه بدأ يشبه الحكام أنصاف الدكتاتوريين من الطراز القديم الذين كان البوليفيون معتادين عليهم بالفعل رغم الإثارة الهائلة التي خلقتها سنوات إيڤو المبكرة المبدعة في الحكم.

في 2016، دعا إيڤو لاستفتاء ليبت في إمكانية ترشحه للرئاسة لرابع مرة. خسر التصويت بهامش ضيق ووعد بالالتزام به. ولكن في 2017، حكمت المحكمة الانتخابية التي يفترض أنها هيئة مستقلة لكن يسيطر عليها الحزب الحاكم بشدة بأن تقييد قدرة إيڤو على الترشح يعتبر انتهاكًا لحقوقه الإنسانية. «لا أريد، لكن علي أن أفعل هذا من أجل شعبي» هكذا قال إيڤو بعد أن سُمح له بالترشح ووجهه يحمر خجلًا. ووعد أنه لو فاز في انتخابات أكتوبر 2019 سيبقى في المنصب حتى 2025 فقط.

جرى التصويت في 20 أكتوبر 2019. كان المتنافسان الأساسيان هم إيڤو وميسا الذي يعمل صحفيًا ومؤرخًا، وهو سياسي معتدل يبدو كأنه يجر نفسه على مضض إلى كل انتخابات لكنه يترشح على أي حال. في الساعة 7:40 مساءً، وبعد أن تم عد 85% من الأصوات، كان إيڤو قد حصل على 45,28% وميسا على 38,16%. كان هذا مزعجًا للرئيس ومريحا لخصومه. فوفقا للقانون البوليفي، حين يكون الفرق بين أعلى مرشحين أقل من عشرة نقاط يجب عقد جولة إعادة. كان الكل يعلم أنه في جولة الإعادة ستتوحد كافة أحزاب المعارضة خلف ميسا ويخسر إيڤو. لكن لم تتم أي احتفالات، فقبل الإعلان التالي عن النتائج الأولية تم تعليق عد الأصوات. ولم تعلن نتيجة أخرى إلا في الساعة 6:30 من مساء اليوم التالي، وجاءت النتيجة لصالح إيڤو بفارق 10,14 نقطة أكثر من ميسا.

من الممكن طبعًا أن يكون إيڤو قد فاز بهذا الفارق أو حتى بفارق أكبر. لكن بإيقاف العد لفترة مؤقتة، قضى على مصداقيته. في مساء 21 أكتوبر، وبدون تحذير، خرج السكان البيض من مناطق الأراضي المنخفضة وألتيبلانو بالآلاف وطلاب جامعات وأطباء وتجار من الألتو ومسيحيون إنجيليون في كل مكان يدّعون أن إيڤو جلب الشيطان إلى قصر الحكومة ليمنعوه من تولي المنصب.

خلال الأسابيع الثلاثة التالية، ملأ المتظاهرون المناهضون لإيڤو الشوارع وقطعوا المرور في الطرق السريعة مطالبين بتنحيه. كان الأمر مذهلًا حتى بالنسبة لهم: المسيرات، والمشاجرات العنيفة بين المحتجين المناهضين لإيڤو والمؤيدين له، وأعمال الشغب التي روعت بشكل رهيب بلدًا لم يكن عنيفًا عادةً، والطاقة المثيرة لطلاب الجامعات والمدارس الثانوية وهم يقيمون حراسات على مدار الساعة عند المتاريس في مختلف أنحاء لاباس رغم أنهم كانوا دومًا لا مبالين. لم يكن هناك أبدًا تعبير كهذا عن الغصب الوطني في بوليفيا عابرًا لمختلف الانقسامات الاجتماعية والإقليمية والإثنية.

بحلول الثامن من نوفمبر، تتالت الاستقالات من أعضاء في الحكومة وأعضاء في مجلس الشيوخ وحكام إدارات من حزب الحركة من أجل الاشتراكية، وتوتر تحالف إيڤو مع قوات الأمن والقوات المسلحة ثم انفك تمامًا. في ذلك اليوم، تم تصوير أفراد من الشرطة في لاباس وهم ينزعون رمز ويبالا من زيهم الرسمي، وفي أماكن أخرى انضموا للمتظاهرين بالفعل.

في التاسع من نوفمبر، اضطرت الحشود المتمردة إيڤو أن يحكم -أو يحاول أن يحكم- من حظيرة المطار الرئاسي في الألتو. في ذلك المساء، أعلن اللواء ويليامز كاليمان -قائد القوات المسلحة وحليف إيڤو القوي- أن الجيش «لن يواجه أبدًا الشعب الذي ننتمي له» بما يعني فعليًا قطع ارتباطه بالرئيس. في الساعة الثالثة من صباح العاشر من نوفمبر، أصدر المراقبون الانتخابيون التابعون لمنظمة الدول الأمريكية تقريرًا طال انتظاره يعدد المخالفات الانتخابية ومنها استخدام الخوادم «المخفية» التي يمكن استخدامها لقرصنة نظام عد الأصوات.

في ذلك الصباح، سألت الحكومة المعارضة إن كانت رئيسة مجلس الشيوخ -عضوة حزب الحركة من أجل الاشتراكية أدريانا سالڤاتيرا والتالية دستًوريا في خلافة إيڤو- ستكون بديلًا مقبولًا في حالة استقالة إيڤو أم لا. وبعد أن تم رفض سالڤاتيرا، لم يكن واضحًا من يمكن أن يحل محله. (كان الكل يعرف أن نائبه جارسيا لينيرا سيذهب أينما ذهب زعيمه). عرض إيڤو الدعوة لانتخابات جديدة، لكن كان الأوان قد فات. في منتصف الظهيرة تقريبًا، فك أكبر اتحاد للنقابات العمالية (اتحاد عمال بوليفيا المركزي) ارتباطه بالحكومة وطلب من الرئيس الاستقالة.

في الساعة 3:45 مساءً، «اقترح» اللواء كاليمان أن يتنحى إيڤو لكنه في هذا الوقت كان بالفعل يستقل طائرة متجهًا لموطنه في تشاباريه بصحبة جارسيا لينيرا. وفور وصوله، أعلن إيڤو المنهك أنه سيستقيل من أجل تحقيق السلام. وقال إن «انقلابا مدنيًا وسياسيًا وشرطيًا» كان مسؤولًا عن هزيمته. ومن الأمور المثيرة أنه لم يذكر القوات المسلحة ضمن المتآمرين الانقلابيين. بعد ذلك بيومين، أخذته طائرة تابعة للقوات الجوية المكسيكية أرسلها الرئيس أندريس مانويل لوبيز أوبرادور إلى منفاه.

هناك جدل إن كانت الأحداث التي أدت إلى هروب إيڤو إلى المكسيك تعتبر انقلابًا أم لا، ولكن بشكل عام تُصمم الانقلابات بحيث لا تخلع الحكام فقط وإنما تحل آخرين محلهم أيضًا. لم يكن هذا هو الحال هذه المرة. ومع حلول ليل العاشر من نوفمبر، نظر البوليفيون حولهم فوجدوا بلادهم بلا قيادة وتعصف بها الفوضى متسائلين ماذا يمكن أن يحدث بعد ذلك.

حينئذ، قامت عضوة في مجلس الشيوخ تسمى جانين آنيز -لم تكن معروفة إلى حد كبير- بإمساك الميكروفون وهي تبكي، وأعلنت إعلانًا أثار الدهشة بأنها النائب الثاني لرئيس مجلس الشيوخ ومن ثم هي التالية دستوريًا في تولي الرئاسة خلال الفترة الانتقالية وأنها ستدعو لانتخابات رئاسية جديدة، ولن تفكر في الترشح للرئاسة هي نفسها. في الأيام التالية، اتضح أنها متدينة بشدة ومحافظة بدرجة أشد وكانت تعمل سابقًا مذيعة تلفزيونية. كانت هذه المرأة عنصرية أيضًا، فقد وصفت إيڤو على تويتر بأنه «هندي بائس متمسك بالسلطة»، وقالت عن طقوس السنة الجديدة الخاصة بالأيمارا إنها «شيطانية. فلا أحد يحل محل الرب». وسارت إلى مراسم تنصيبها رافعةً نسخة ضخمة من الكتاب المقدس، وصرحت بأن «الرب أعاد الكتاب المقدس إلى القصر الوطني».

لكن الفوضى استمرت لعدة أيام في مختلف أنحاء البلاد، فقد رفضت الشرطة العودة للعمل، وبقى المتظاهرون المناهضون لإيڤو والمؤيدون له منخرطين في مواجهات غاضبة في الألتو. ساد الإحباط الشديد حزب الحركة من أجل الاشتراكية، وقُتِل 19 شخصًا على الأقل على أيدي الجيش والقوات الأمنية. وفي مواجهة الانهيار الوشيك للبلاد، من تبقوا من قيادة حزب الحركة من أجل الاشتراكية والقوى المعارضة له عقدوا اتفاقًا سياسيًا، وبنهاية نوفمبر عادت الشوارع للهدوء. شكلت آنيز حكومة جديدة، وحددت الثالث من مايو موعدًا للانتخابات، وحصلت على فريق من المستشارين وبعض البدل الكلاسيكية ومكياج أهدأ، وأعلنت ترشحها للرئاسة.

لكن الارتفاع الهائل في أعداد المصابين بـ«كوفيد-19» أدى إلى تأجيل الانتخابات مرتين. وبعد أشهر من الإدارة السيئة، انسحبت آنيز من السباق الانتخابي في سبتمبر. رشح حزب الحركة الاشتراكية لويس آرسي كاتاكورا الذي كان وزيرًا للاقتصاد في حكومة إيڤو لمدة طويلة.

ورغم أن آرسي لم يكن مرشحًا متوقعًا، فاز في الانتخابات مما مثل انتصارًا وتعويضًا لحزبه ولإيڤو. بالنظر إليه من منظور معين، يمكن للمرء أن ينسب لأرسيه الكثير من الإنجازات العظيمة لعهد إيڤو. فهو من قضى على دورات التضخم المفرط المتكررة التي كانت تجعل الحياة اليومية في أغلب الأحوال في البلاد تحديًا خياليًا. لكن على العكس من إيڤو بملامحه التي تنتمي للسكان الأصليين بقوة وارتداءه سترات أنيقة من جلد حيوان الألبكة مزينة أطرافها بعناصر زخرفية تعود للأزمنة السابقة على الغزو الإسباني، آرسي حياته الخاصة ومظهره غير مميزين وهو رجل متزوج لديه ثلاثة أبناء وبدون أي فضائح. كان آرسي دومًا صامتًا وموجودًا في الخلفية، لكنه في الواقع هو من هندس الاقتصاد الذي مول التحول في بوليفيا. فقد تضاعف متوسط دخل الفرد ثلاث مرات، ونشأت طبقة وسطى جديدة من السكان الأصليين. وتقلص عدد البوليفيين الذين يعيشون في فقر مدقع من 38 إلى 16% من السكان. تم بناء الطرق في بلد لم يكن فيها أي طرق تقريبًا. بالطبع، تمكن أرسيه من إحداث هذه التغيرات بفضل الارتفاع الحاد في أسعار الغاز الطبيعي. ولكن، كان بإمكانه أن يختار إنفاق الأموال بشكل مختلف. لكن المدة القادمة لن تكون جيدة هكذا بالنسبة للرئيس آرسي، فأسعار الوقود منهارة وجائحة «كورونا» تضرب بوليفيا بقوة هائلة.

كان إيڤو يمجد الزعيم الفنزويلي هوجو تشاڤيز، وكان لديه الكثير من الأموال الفائضة لينفقها على مشروعات تشبه مشروعات تشاڤيز مثل متحف بملايين الدولارات لإيڤو نفسه في القرية النائية التي ولد فيها وطائرة رئاسية نفاثة غالية. كذلك، أفلتت قطاعات معينة من حزب الحركة من أجل الاشتراكية بسرقات فجة. ولكن بشكل عام، أدار آرسي الاقتصاد لصالح الأغلبية الساحقة من البوليفيين. ذلك، بالإضافة إلى شخصيته غير المميزة، جعله خيارًا مطمئنًا للناخبين بعد عام من المشاكل المتواصلة.

بالنسبة لقاعدة حزب الحركة من أجل الاشتراكية بين السكان الأصليين، لم يكن هذا الرجل الأبيض يحتاج إلا لمؤهل واحد: كونه اختيار إيڤو. وجاء احتفاله بالفوز بطريقته المتحفظة حيث أكد آرسي أكثر من مرة على أن الحكومة الجديدة لن يكون بها مكان لإيڤو أو أي من أعضاء حكومته، وهو ما كان أمرًا لافتًا للنظر. قال لأحد المحاورين: «لقد أنهوا دورتهم. الآن نحتاج للتجديد». وهو ما أكده قادة آخرون في حزب الحركة الاشتراكية من المؤيدين للتجديد. فقد أعلنت إيڤا كوبا زعيمة الهيئة البرلمانية للحركة الاشتراكية: «لا نرى أن هذه هي اللحظة المناسبة» لعودة إيڤو لبوليفيا، وأضافت بطريقة فيها قدر من الاستهانة أنه «ما زال عنده مشاكل ليحلها».

من بين هذه المشاكل، نوامي مينيسيس رفيقته في المنفى الصغيرة المبهجة الجذابة. إنها ترسل له تغريدات عاطفية على تويتر، ويبدو أن إيڤو ما زال مولعًا بها رغم أنها الآن تبلغ 19 عامًا وليس 14 فقط كما كانت حين بدأت علاقتهما وفقًا لكل الأدلة. هناك صور وسيلفي لأقدام إيڤو ونوامي المتشابكة وهما مرتديان جوارب متناسقة، وتظهر ساقاه ضخمتان ومشعرتان وساقاها نصف الحجم.

لم تكن علاقة إيڤو بنوامي سرًا. فهي تظهر في صور وفيديوهات في المسيرات، ودائمًا ما يكون معها فوطة لمسح وجه إيڤو بعد أن ينهي مباراة كرة بجوار أعضاء الحكومة أو في زيارات رسمية لجزء فوكلاند أو سانتا كروز. ولكن إدارة آنيز قصيرة العمر ركزت بسعادة على هذه العلاقة لأنها مؤكدة ولا يمكن الدفاع عنها. وأعلنت مينيسيس في بيان مكتوب أنها وأخواتها تم اختطفاهن من قبل الشرطة في يوليو واحتجازهن لمدة 24 ساعة وتهديدهن وإجبارهن على الإفادة بأن الصور التي حصل عليها الضباط لها هي وإيڤو. (الاعتراف وعشرات الصور السيلفي الخاصة بها تم تسريبها للصحافة لاحقًا).

تقول مينيسيس إن علاقتها العاطفية بالرئيس السابق لم تبدأ سوى في الرابع والعشرين من مايو هذا العام. هناك -حسب ما ورد في عدد من التقارير- شابة أخرى على الأقل تورطت في علاقة مع إيڤو وأنجبت منه طفلًا وهي في السادسة عشر من العمر. تلك الفتيات تضفن معنى جديد للأمنية التي كررها إيڤو كثيًرا، وهي إنه يريد أن يتقاعد ومعه قطعة أرض وشارانجو (آلة موسيقية) وفتاة في الخامسة عشر. هذه ليست مزحة.

يجري إسقاط معظم الاتهامات القانونية التي قدمتها المعارضة ضد إيڤو (الإرهاب والثراء غير المشروع والبيدوفيليا والمقصود بهذا مينيسي). ومن ثم، أعلن عودته لبوليفيا في التاسع من نوفمبر أي بعد قيام آرسي بحلف اليمين بيوم واحد. وأخبر المراسلين أنه سيعود إلى موطنه القديم (تشاباريه) لكنه لن يفعل هذا إلا بعد القيام بجولة انتصار مختصرة في ثلاثة محافظات، وفقًا لآخر تصريح. وفور وصوله للوطن، سيتفرغ للأنشطة النقابية وتربية نوع من السمك الاستوائي. من الصعب أن نتخيل أن هذه الحياة الجديدة ستجعله سعيدًا لفترة طويلة.

ما تبقى من حكم إيڤو الآن هو الحزب الذي بناه. إن مناضلي الحركة الاشتراكية شديدو البأس، ويعرفون كيف يسقطون الحكومات. آرسي قد يكون مسؤولًا عن البلاد، لكنه يمثل أقلية داخل حزبه المتمرد. سيكون عليه مواجهة الإنجيليين والانفصاليين اليمينيين والمحرضين البيض من محافظة سانتا كروز، ومواجهة النخبة المتعلمة والطبقة الوسطى المنحازين لميسا، والتصالح مع الشرطة والجيش، لكن أصعب شيء قد يكون توحيد الحزب تحت قيادته. أمامه سنوات صعبة، لكنه فاز في الانتخابات بخمس نقاط أكثر من إيڤو العام الماضي. ربما هذه المرة، الـ5% الذين لم يصوتوا لإيڤو في 2019 كانوا يعبرون عن إعجابهم بفضائل آرسي الكثيرة كوزير للاقتصاد، وربما كل ما في الأمر أن الخيار الماسخ الممل بدا جيدًا جدًا بعد كل الاضطراب وإراقة الدماء و14 عامًا مع إيڤو المحارب.

5 نوفمبر 2020

1 From The New York Review of Books

Copyright © 2020 by Alma Guillermoprieto

عن الكاتب

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن