مسودة الخدمة المدنية(2): تجفيف منابع الموظفين
باﻹضافة للإشكاليات التي احتواها قانون الخدمة المدنية 18 وبقيت على حالتها في مسودته المعدلة، وكانت من أهم أسباب رفض الموظفين له وهبتهم ضده، وهي اﻹشكاليات التي عددناها في الجزء اﻷول من هذا المقال، فقد بُذلت محاولة للإيهام باختلاف المسودة الحالية عن القانون الملغى، عن طريق تبديل أماكن بعض مواده، أو إلغاء مواد واستحداث أخرى لا تضيف كثيرًا، وكان يمكن إلحاقها بمواد أخرى موجودة وذات صلة.
وباﻹضافة لهذا، كانت هناك بعض التعديلات اﻹيجابية والاستجابة الطفيفة لبعض الانتقادات التي سبق توجيهها لقانون الخدمة المدنية، مثل:
1- توضيح لنقاط تنفذ بالفعل ولكن لم تكن واضحة في القانون الملغى، وهي تحديد الحد الأقصى لساعات العمل في الأسبوع بـ 42 ساعة كما جاء في المادة 45، وتوضيح حق الموظفين الموجودين في الخدمة لدى خروجهم للمعاش في صرف بدل إجازاتهم السابقة على الأجر الأساسي مضافًا إليه العلاوات فقط، عبر إضافة المادة 70 للمسودة. وبدلًا من الاكتفاء بتعيين العمالة الموسمية التي جرى التعاقد معها قبل 1-5-2012 بحسب المادة 70 من القانون 18، نُص في المادة 72 من المسودة على تعيين من جرى التعاقد معهم أيضًا قبل 30/6/2014.
2- إلزام لجنة الموارد البشرية بإعلام الموظف بنتيجة تظلمه والأسباب التي بُنيت عليها النتيجة، بحسب المادة 26 من المسودة، كما أزيلت فقرة من المادة 26 في القانون 18، والتي بمقتضاها "يعتبر عدم البت في التظلم خلال تلك المدة [60 يومًا من تاريخ تقديم التظلم] بمثابة رفضه".
3- إلزام من استولى على أموال من الخزانة العامة بردها، وفق المادة 65، إضافة إلى الغرامة التي لا تجاوز عشرة أضعاف أجره الوظيفي، والتي كانت منصوصًا عليها وحدها في المادة 64 من القانون 18.
***
ولكن بجانب التعديلات اﻹيجابية وجدنا في جوهر المسودة تعديلات للأسوأ، تؤدي لتشديد القبضة على الموظفين والتوجه نحو وقف ترقياتهم، بل ووُضعت نصوص تؤدي إلى خفض درجاتهم الوظيفية التي وصلوا إليها في ظل قانون 47 لسنة 1978، وهذه التعديلات هي كما يلي:
1- تقليص عدد شاغلي وظائف الإدارة العليا والتنفيذية، فقد نصت المادة 58 من قانون 18 على خمسة جزاءات، بداية من الإنذار وصولًا للفصل من الخدمة، بينما جاءت المادة 60 من المسودة لتضيف ثلاثة جزاءات أخرى إلى الخمسة الموجودة، وهي: الوقف عن العمل لمدة لا تجاوز ستة أشهر مع صرف نصف الأجر الكامل، الخفض إلى وظيفة في المستوى الأدنى مباشرة، والخفض إلى وظيفة في المستوى الأدنى مباشرة مع خفض الأجر إلى القدر الذي كان عليه قبل الترقية.
ويتعارض الجزاء اﻷول مع ما جاء في المادة 60 من القانون 18، التي بقيت كما هي في المادة 62 من المسودة، وأعطت للسلطة المختصة حق الوقف عن العمل لمدة ثلاثة شهور فقط، ولا يجوز مدها إلا بقرار من المحكمة التأديبية.
كما يتشدد الجزاءان اﻷخيران في العقوبة لدرجة أن الموظف الذي جرت ترقيته من قبل أصبح باﻹمكان إعادته خطوات للخلف. وبوضعهما جنباً إلى جنب مع المادة17 التي تنص صراحة على عدم تولي وظائف الإدارة العليا والتنفيذية إلا بعد التأكد من صفات النزاهة من الجهات المعنية، دون تحديد اﻷخيرة، ووضعهما مع المواد التي تؤجل ترقية الموظف سنوات لمجرد التنبيه أو الإنذار أو الخصم لأيام قليلة، ومع الوضع في الاعتبار أن العسكريين هم فقط من يحق لهم العمل في الجهاز الحكومي بعد الخروج للمعاش المبكر، يتضح أن واضعي المسودة كانوا يستهدفون السيطرة على الوظائف العليا والتنفيذية، عن طريق منع الوصول إليها إلا من خلال موافقات أمنية، مع تقليص عدد شاغليها الحاليين سواء بالخروج للمعاش المبكر أو الخفض الوظيفي، في مقابل توسيع فرصة العسكريين في شغل هذه المناصب.
2- محو الجزاء، ومضاعفة مدد الحرمان من الترقية، وكان أحد الانتقادات الموجهة لقانون الخدمة المدنية هو عدم وجود نص لمحو الجزاءات بعد مدد معينة، فأتت المادة 66 بالمسودة لتنص على محو الجزاءات، ولكن كان ظاهرها الرحمة، وباطنها العذاب، حيث نصت أيضًا على عدم جواز ترقية الموظف قبل محو الجزاء الموقع عليه.
تضاعف المادة فترات الحرمان من الترقية عن مثيلتها في القانون الملغي، فالمدة المطلوبة لمحو الجزاء، ومن ثم السماح بالترقية، تبدأ بسنة في حالة الإنذار أو التنبيه أو الخصم من الآجر لمدة لا تزيد على خمسة أيام، أما في حالة اللوم والخصم من الأجر لمدة بين الخمسة والخمس عشر يومًا، فتزيد المدة لسنتين قبل محو الجزاء. ثم ثلاث سنوات في حالة الخصم من الأجر لمدة تتراوح بين الخمس عشر والثلاثين يومًا، وتنتهي المادة بأربع سنوات بالنسبة إلى الجزاءات الأخرى عدا الفصل والإحالة إلى المعاش. علمًا بأن المادة 62 من القانون 18 كانت تنص على عدم جواز ترقية الموظف لمدة ستة أشهر إذا كان قد خُصم من أجره بين العشرة والثلاثين يومًا، وتزيد هذه المدة لسنة إذا كان الخصم أطول من ذلك (كما نصت المادة 80 من قانون 47 لسنة 1978 على تأجيل الترقية عند استحقاقها لمدة لا تزيد عن سنتين، ولم تربط المادة 92 من قانون 47 محو الجزاء بتأجيل الترقية، حيث أن تأجيل الترقية عُدَّ هو نفسه جزاء).
وكانت المادة 63 من القانون 18 تنص على أنه في حال تبرئة الموظف المحال للمحاكمة التأديبية أو معاقبته بالإنذار أو الخصم من الأجر لمدة لا تزيد عن العشرة أيام، تجب ترقيته اعتبارًا من التاريخ المُستحق لو لم يُحل إلى المحاكمة، ويُمنح أجر الوظيفة المُرقَّى إليها من هذا التاريخ.
أما المادة في صيغتها المعدّلة فلا تنص إلا على البراءة، كموجب لترقية الموظف في حال إحالته للمحكمة، أي أنه حتى في حالة حكم المحكمة باﻹنذار للموظف فسيفقد حقه في الترقي طوال مدة المحاكمة، بالإضافة للحرمان من الترقي لسنة تالية، تطبيقًا للمادة 66 من المسودة. مما يعني بدوره أن في حالة رغبة أحد المديرين التنكيل بموظفٍ لديه، يمكنه لأتفه الأسباب تحويله للمحكمة التأديبية، علمًا أنه يحق للمحكمة التأديبية توقيع أي من الجزاءات الواردة في المادة 61 من المسودة.
3- تسهيل عملية الفصل التعسفي، فقد بقيت المادة 27 من القانون 18 سيفًا مسلطًا على رقاب الموظفين الصغار، والتي تنص على إمكانية فصل الموظف بتوصية من لجنة الموارد البشرية بعد حصول الموظف على تقريرين بتقدير "ضعيف"، ويُترك للجنة اقتراح نقله لوظيفة أخرى إذا رأت أنه أكثر ملائمة لها، وينطبق هذا أيضًا على شاغلي الوظائف الإدارية والتنفيذية عند تقديم تقريرين بتقدير يقل عن "فوق المتوسط"، وذلك وفق المادة 28، خاصة بعد إلغاء المادة 100 من قانون 47 لسنة 1978، والتي بمقتضاها لا يجوز فصل الموظف إلا بحكم المحكمة.
كما جاء نص المادة 1 من مسودة القانون - التي تنص على كون الوظائف المدنية حقًا للمواطنين على أساس الكفاءة والجدارة، وهو نفسه في المادة 1 من القانون 18 بعد حذف عبارة "ولا يجوز فصل الموظف بغير الطريق التأديبي، إلا في الأحوال التي يحددها القانون"، ليضيف سببًا جديدًا إلى الشكوك في تسهيل القانون لفصل الموظفين.
***
وهكذا، فلم تتعد التعديلات اﻹيجابية لمسودة القانون توضيح بعض النقاط التي كانت تُنفذ في الواقع ولكن غير منصوص عليها صراحة في قانون 18، ووجوب الرد على التظلم، وهو حق كان غير موجود أيضًا، وكذلك رد المبالغ التي تسبب الموظف في إهدارها من أموال الخزانة العامة، بالإضافة للعقاب، وهو مبدأ موجود في كل القوانين التي يراد لها أن تكون فاعلة. أما التعديلات السلبية فكانت في في جوهر فلسفة القانون، ويراد منها التخلص من الموظفين الموجودين حاليًا بالخدمة، وسد طرق الترقي أمامهم، والخفض الوظيفي لمن سبق ترقيتهم في ظل القانون السابق.
آراء أخرى
مسودة الخدمة المدنية (1): تبقى المشاكل على ما هي عليه
«منذ حوالي الثلاثة أسابيع، بدأت لجنة القوى العاملة في مجلس النواب مناقشة مسودة قانون الخدمة المدنية البديل للقانون 18 لسنة 2015 الذي سبق أن رفضه أعضاء…»
يوميات قارئ صحف: الإثنين 26 أكتوبر 2015
«هذه قراءة للطبعة الثانية من الصحف، أي تلك التي كان أمامها الفرصة الكاملة لتقدم للقارئ تغطية مختلفة وصور جديدة غير تلك التي رآها وتبادلها الناس طوال…»
يوميات قارئ صحف: الأحد 13 سبتمبر 2015
«النهارده تعبت في قراءة كل اللي اتنشر في الجرايد عن إقالة حكومة محلب وتعيين وزير البترول شريف إسماعيل مكانه علشان ما حدش فيكم يضطر يعمل في…»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد