تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

مسمــــوع

خالد عبدالله
8 دقيقة قراءة

بدأت حملة مسموع مع بداية حظر التجول.

فكرة الحملة بسيطة: لو رافض الاختيار بين التجارة باسم الدين، وبين دولة مبارك باسم الوطنية … السكوت مش موقف. خلّي صوتك مسموع … كل ليلة الساعة تسعة خبَّط على حلّة، أو أي حاجة صوتها رنان لمدة خمس دقائق. اعلن موقفك وادعى الآخرين، قول ان معنى اعتراضك على أفعال أو جرائم الأطراف المختلفة مش معناه انك بتساوي بينهم في كل شئ، وانهم ممكن يكونوا مخطئين لأسباب مختلفة - بس في جميع الاحوال، هما لا يمثلوك. 

صوتك هينتشر مع الوقت، هتلاقي ناس ماكنتش تعرفها مشاركينك في الرأي، وناس مختلفين معاك بس بيحترموا رأيك. وبالتدريج صوتك هيبقى مسموع، وهتعرف انك مش لوحدك.  

في أسبوع واحد حملة مسموع صوتها اتسمع في أحياء كتير في القاهرة وفي اسكندرية و مارينا و الإسماعلية و المنيا وحتى في بعض تجمعات المصريين في الخارج. في ست ايام فقط تجاوز عدد اللي عملوا لايك على صفحة الحملة على فايسبوك ١٦ الف. أغاني اتلحنت، و فيديوهات اتنشرت، وصور اتشيرت، وناس اتجمعت في البيوت وناس مشيت في الشوارع زي المسحراتي تصحصح اللي غفلان.

الإعلام المصري ما جابش سيرة. ليه؟ عشان احنا بكل بساطة متسكّّتين ومسكّتين نفسنا. لأن كل واحد من الطرفين متبني خطاب جورج بوش، أكبر سفاح للدم العربي، اللي قال  "انت يا معانا يا ضدنا في الحرب على الارهاب." فَكَّر دقيقة. إنسى الأمن والدولة والإخوان وركز في البلد. فَكَّر في المستقبل. فَكَّر في مبادئنا وفي اللي إحنا بنحاول نحققه. لو ماوقفناش وفكرنا واعترفنا بتعقيدات وتناقضات الوضع الحالي حندفع الثمن دم، ودم كتير... دمنا كلنا. 

لما بنسَكِّت نفسنا ونبَسَّط الأمور، ونقول فيه طرَف وطرَف، بسرعة جدا بنلاقي نفسنا بنقول ان "هما" الشر و"إحنا" الخير، وإن لما يقتلونا لازم نقتلهم، لازم نقضي عليهم عشان لو ما قضيناش عليهم هيقضوا علينا. دمنا قصاد دمهم ...  دمنا قصاد دمكم. وده الطريق اللي يخلّي مصر كلها تغرق في الدم. يمكن ده يحصل في حرب أهلية، أو يمكن في سنين طويلة من التفجيرات والمداهمات. بس في الحالتين هنخرب اقتصادنا أكتر، وهنضيَّع جيل؛ جيل من المواطنين المصريين والجنود المصريين. والبرئ هيضيع مع المذنب. 

مشكلة السكوت انه ممكن يتفهم منه أي حاجة. "السكوت علامة الرضى" مثلا. هي الناس ساكتة عشان موافقة على اللي بيحصل؟ ولا عشان خايفة؟ ولا ساكتة عشان مكتئبة ومحبطة ومش عارفة تعمل إيه؟ او يمكن الناس ساكتة عشان خايفة لو صرخت بعلو الصوت هتتهاجم؟ او عشان بتجَهِّز انها تنتقم؟ ابسط الأمور عشان تعبت وبترَيَّح؟ او مين عارف، يمكن الناس ساكتة عشان - أخيرا - الحظر إداها فرصة إنها - وهي لسة صاحية - تسمع صوت أرض بلدنا؟ او ساكتة عشان بتحاول تقنع نفسها ان المرحلة الضلمة دي هتوصلها للنور؟

مافيش حاجة بسيطة. وعشان كده بنطلب منك إنك تفكر مع نفسك وبأمانة. اصعب موقف الواحد يعلنه اليومين دول إنه ضد الطرَفين، أو حتى إنه - وهو مختار طرَف - قلقان وعنده تحفظات بعضها تحفظات كبيرة. الهجوم الشرس عليك من طرف واحد صعب، ما بالك لو من طرفين في نفس الوقت. بس لو حاولنا نرد على الطرفين في نفس الوقت حنقول ايه؟

ممكن نقول ان ثورتنا من البداية كانت بتبحث عن أرضية مشتركة، بتبحث عن مصر تجمعنا كلنا رغم اختلافاتنا الجذرية، ماحدش فيها مستبعَد أو مَقصِي، وللوصول للتوافق ده الناس دخلت في اتفاقات وتحالفات عشان تأسس لموازين قوى تسمح للبلد تهدا شوية، وتتنقل من مرحلة الثورة لمرحلة الإصلاح. عدّينا على الجيش ومعاه الإخوان، والإخوان مع الثورة،  والجيش مع الثورة، والثورة وحيدة ضد الإخوان والجيش، و حتى الثورة مجزَّأة وملتبسة. 

في ٢٥ يناير كان فيه تصور للمستقبل، وعلينا ان نعترف انه لم يكن فيه مكان لفلول نظام مبارك، وفي ٣ يوليو كان فيه تصور للمستقبل، وعلينا ان نعترف ان لم يكن فيه مكان للإخوان.  

عشان نتخطى أزمتنا لازم نغير خطابنا ونطور خطاب جديد، لازم نِبعد، كلنا، عن كثير من مسلماتنا الفكرية، لكن الخطاب لا يتطور في العزلة ولا في الصمت، الخطاب يتطور لما الناس تعلن آرائها، وتتعرض للمساءلة والتحدي، فتدافع عنها أو تغيرها. 

من يناير ٢٠١١ الجيش والشرطة احتجزوا وعذبوا وقتلوا أبرياء. و الإخوان برضه احتجزوا وعذبوا وقتلوا أبرياء. في ١٩ مارس ٢٠١١ الجيش والإخوان دعموا إعلان دستوري رسم المسار السياسي الذي أدى بنا إلى ما نحن فيه: برلمان إتحلّ، ودستور اتوقف، ورئاسة عُزِلَت. وكل مرحلة عليها آثار الدم. افتكر الإعلان الدستوري، وازاي الجيش ادعى ان علينا أن نقول "نعم" من أجل الاستقرار - وازاي كان مخطئ. وافتكر تجار الدين، وازاي ادعوا ان علينا أن نقول "نعم" عشان مانكونش كفار. وهذا الخطاب المبسط ادى بنا على مدار الشهور للفوضى ولحرق الكنائس وللدم. فخطابنا هو الذي يخلق مسار الاحداث.

افتكروا محمد محمود ومجلس الوزرا؛ المعركة اللي واجهت فيها الثورة الجيش مع الشرطة ومعاهم الإخوان. العيون اللي ضاعت، الأجساد المجرورة إلى الزبالة، البنات والسيدات اللي انضربوا واتسحلوا، والإخوان بيؤكدوا أن مافيش دليل على استخدام الخرطوش وقاعدين يهتفوا "الجيش والشعب إيد واحدة"، وينسوا الدم عشان يوصلوا للبرلمان اللي قعدوا فيه ست شهور بلا فائدة لهم أو لنا. 

خطابنا يخلق مسار الاحداث.

ماذا لو في بدايات الثورة  كان هتافنا ارحلوا بدلا من ارحل. خطابنا يخلق مسار الاحداث.

الشعب يريد اسقاط النظام.

الجيش والشرطة مش صح، والإخوان وتجار الدين كمان مش صح: ده اللي لازم نقوله بعلو الصوت عشان نقدر نبني مستقبلنا. كل من وصل الى الحكم حتى الان لم يتفهم مبادئ ثورة ٢٥ يناير وتصوُّرها عن العيش والحرية والعدالة اجتماعية والكرامة الانسانية - المساواه في الحقوق والحريات، القضاء المستقل، والصحافة الحرة، حرية تكوين أحزاب ونقابات، حرية التجمع، حرية التعبير عن الرأى  والحق في الأمن والحماية. ولكن لو احنا مش موافقين على رؤية اللي وصلوا لحكم البلد بعد الثورة، شايفينها رؤية غلط، برضه ماينفعش نقصيهم. احنا لازم نفهم انهم ضروري يكونوا جزء من مستقبلنا. ماينفعش نسَكِّتهم زي ما سَكِّتونا. علينا نفهم مخاوفهم بالرغم من انهم ما فهموش مخاوفنا. علينا نحترم قتلاهم بالرغم من انهم ماحترموش قتلانا. 

مسموع حملة للخروج من فخ الثنائية... فخ الطرفين. أول خطوة هي انك تعمل دوشة الساعة ٩ مساءً كل يوم. الشارع أثبت انه ضمان مسارنا وهيفضل ضمان مسار البلد، ولكنه وسيلة من وسائل الوصول لاهدافنا مش المسار كله. صمت الشارع في غيابنا الان لا يعكس الواقع اللي في القلوب. مشاركتك في حملة مسموع حاجة أكبر كتير من الخَبط على الحلل: انت  بتساعد في تطوير خطاب مختلف، بتساعد في بناء تجمع من الناس، بتشارك في تأسيس أرض نقدر نمشي عليها كلنا، بتبقى جزء من احتجاج ممكن نشترك فيه كلنا من الكنبة إلى الصفوف الأمامية. بتعلن إنك بتضع ثقتك في الشعب، وإن بالرغم من إنك مش عارف هتوصل إزاى لهدفك، إلا إنك مؤمن بحكمة هذا الشعب وضميره. طريقنا مش طريق الدم - ولو فيه دم، طريقنا مش مبني على اننا لو قتلنا ناس كفاية هنسَكِّت أصواتهم؛ طريقنا بيدعو ان كل صوت يكون مسموع. 

واجبنا دلوقتي وقف تصعيد العنف بكل الطرق الممكنة. لكن مالوش معنى اننا نستحث الطرفين على نبذ العنف وهم في ايديهم سلاح، وإحنا مش محسوبين لاننا ساكتين. الحاجة الوحيدة اللي تخليهم يرموا السلاح إنهم يتأكدوا إن ده فى مصلحتهم. إنهم يعرفوا إنهم لو استمروا في العنف هيخسروا. وعشان يعرفوا ده إنت لازم تكون مسموع. لما عدد كافي مننا يرفع صوته يمكن يدركوا، هما الإثنين، إن احنا قوة لا يستهان بها، وإن المسار اللي بيجُرُّونا فيه مش مسارنا. ولما يفهموا ده فعلا يمكن يتخلوا عن العنف، او على الأقل يعملوا حساب وزننا الحقيقي قبل ما يقتلوا. 

لن يبدأ الحوار إلا في غياب العنف. ومع كامل احترامنا لمبادرات الحكومة، نعلم علم اليقين ان أي خطة أو اقتراحات تُقَدَّم اليوم من جانب واحد لن يقبلها الجانب الآخر بعد كل الدماء التي سالت. المسار الوحيد هو المسار الذي يتفاوض عليه ويرسمه جميع الأطراف سويا وصولا إلى كتابة الدستور بدون إقصاء. المشكلة هي في تفسيرنا للديمقراطية وتعاملنا معاها حتى الآن. احنا عاكسين الصورة: الديمقراطية آلية بتضمن ان اللي في السلطة يهاب المواطن ويعمله ألف حساب، بس احنا بنخلق من اللي في السلطة قوة نخاف منها ونحس بجميلها. جعلنا من الدستور أداة لخدمة مصالح القادرين بحكم سلطتهم، والمفروض أنه يكون أداة لحماية حقوق غير القادرين بسبب ضعفهم. لو عدلنا الصورة مش هنبقى بندور على حد يحس بينا، انما ايا كان اللي في السلطة هيبقى مضطر يسمعلنا، واللي بيحس بينا هيقدر يستقوى بينا.

هي دي المفاهيم الأساسية لحملة مسموع، إنك تكون مسموع في بلدك ويتعمل حسابك في السياسات الاقتصادية والاجتماعية وفي تحقيق العدل. وده أحد المفاهيم الأساسية في الديمقراطية، وهو اللي بيُنشئ برلمان يمثل شعبه بشكل حقيقي، ومسار ديمقراطي سليم و نقابات تمثل اعضاءها، وإعلام حر. فيكون اللي بيمثلك بيمثلك صح وعلى اساس صوتك المسموع. صوت الفقير والمهمش لازم يكون مسموع زيه زي الغني والقادر، وبناء على هذا المفهوم نبني نظام قابل للتأقلم والتطور بطريقة تجعله قادر على تحسين أوضاع البلد. 

طبعا مش هننام ونصحى نلاقي الدنيا بقت مثالية. في الحقيقة، أحنا دلوقتي شايفين اننا بنناضل علشان الجيل الجاي يتربى في بلد يشعر إنها تستحق عُمره. لا أكتر ولا أقل: بنحاول نعمل حاجة تخللي الجيل اللي بعد مننا يقدر يعمل في بلدنا حاجة نفتخر بيها كلنا.

 كل ما انتبهنا النهارده

 كل ما كنا أمناء النهاردة

 كل ما اتكلمنا بالحق النهارده...

 كل ما هنوصل أسرع للي إحنا عاوزينه. 

 لازم نكون مسموعين وسط الصمت، وإلا فمستقبلنا حيبقى زي حاضرنا، لاننا فضلنا الصمت على الصراخ وسط بحار الدم. 

مسموع دعوة مبنية على حلم ٢٥ يناير... دعوة لكل اللي شايف ان الانقسام الحقيقي في مصر مش بين تنظيم الإخوان ودولة الأمن، وإنما بين اللي بيحاربوا من أجل نظام سلطوي عتيق من ناحية، وحركات اجتماعية متفرقة لها توجهات إنسانية من ناحية أخرى. 

ضم علينا من مكانك. شارك في التاسعة من كل مساء، وخلّي صوتك مسموع  معانا كجزء من كفاحك الأكبر.

ينشر هذا المقال بالتعاون مع موقع جدلية

عن الكاتب

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).