ما نطق الجنرال عن الهوى
ما نَطقَ الجنرالُ عن الهوى، جاء خطابه - المُنتظر أخيراً – معبراً بشدة عن قناعته الشخصية، وهي ذاتها القناعات التي حكمت مصر طوال سبعين عاماً خلت. لم ينطق السيسي عن الهوى، فآلة الوحي التي ألهمت حكام هذا البلد طوال سبعين عاماً لا زالت كما هي لم تتغير مُدخلاتها رغم أن الشعب أراهم من آياته، فنسي.
(١)
الكثير من الملامح التي شكلت خطاب عبد الفتاح السيسي إعلاناً عن ترشحه للرئاسه تشي بما سبق، بداية من تلك المساحة الطويلة التي أفردتها له كل المحطات الرسمية المصرية، واعتبرها ملكاً طبيعيا له لا يُساءل عنها، ليس فقط لإعلان استقالته وترشحه كنبأ مهم كان يمكن أن يحتل مقدمة نشرات الأخبار، وليس في حاجة لإلقائه بنفسه، بل استخدمها كمساحة دعاية انتخابية، في مؤشر أوليّ على الطريقة التي ستدار بها الانتخابات على وقع الطبل البلدي للمرشح الأوحد كما علمّهم كبيرهم مبارك. (لن يكون لي حملة انتخابية بشكلها التقليدي) هكذا قال موضحاً.
الأكثر وشاية باستقامته على طريق أسلافه، حديثه المتكرر عن أهمية عجلة الإنتاج وضرورة عض الأصابع لبناء مصر، كأن الشعب وجد عملاً ولم يعمل، وهي – مصر – من أكثر البيئات طرداً للاستثمار وأقلها في مستوى الدخل حتى بالمقارنة بدول صغيرة محيطة مثل الأردن وفلسطين وتونس. ولا سبب عندي للزيادة في انتقاد تلك الإسطوانة الباهتة إذ سبق لكثيرين غيري أن كتبوا في نقد مكامن هذه النوعية من الخطاب الاقتصادي، (راجع مقال د. نادر فرجاني في الأهرام عن توجهات المشير الاقتصادية)، ناهيك عن أننا لم نر لها أثراً، سواء في افتتاح فنادق القوات المسلحة ومنتجعاتها أو زيادة مرتبات الشرطة بأثر رجعي أو التعاقد على سيارات جديدة لضباط الشرطة والجيش، ليصبحوا أكبر مستفيد مادياً منذ ثورة يناير.
(٢)
المُدهش نسبياً في خطاب السيسي اعترافه إن ترشحه يأتي لمحاولة "إعادة بناء جهاز الدولة الذي يعاني من الترهل" و"إعادة تماسكه ليصبح وحدة واحدة تتحدث لغة واحدة"، حاول السيسي أن يقول بلغة مواربة ما لن تنجح المواربة في إخفائه: إن الدولة "متفسخة" وإن أجهزتها تعمل كجزر منعزلة لم يعد يجمعها سوى مصالح ضئيلة. التحليل الذي دافعت عنه كثيراً ضد التحليل الأزلي الذي يتبناه العديد من الباحثين الغربيين عن عودة "الدولة القوية" و"اليد الباطشة"، إذ أن القمع الحادث ليس سوى قشرة ضئيلة تخفي تحتها مؤسسات مهترئة وربما متصارعة، ودولة أصبحت أجهزتها بلغة السيسي ذاته، غير متماسكة وتتحدث لغات مختلفة. وباختصار، فإن ترشح السيسي ليس سوى محاولة لملأ شقوق السلطة المتصدعة في مصر، وهي كما أسلفنا مُتصدعة من أمدٍ، ولم تنفجر ثورة يناير إلا زادتها تصدعاً.
في نوفمبر الماضي، كتبت ملامح "السيسي كواجهة لن تملأ شقوق السلطة"، وتتبعت ما أظنه تضافر عدة مصالح على الدفع بالسيسي لسدة الرئاسة، وهي ملامح كانت بادية للعيان على أي حال، وكان أهم هذه الملامح الرغبة المُلّحة في رتق فراغ السلطة في مصر، حتى لو كان على حساب أسئلة واستحقاقات ثورة يناير وموجاتها المختلفة، ويأتي خطابه الآن ليؤكد مجدداً أن أي محاولة لملأ شقوق السلطة في مصر، حتى لو كانت بحجم السيسي، سيكتب لها الفشل عاجلاً أم آجلاً، إذا لم تشمل تلك المحاولة، مقاربة حقيقية وجادة لتلمّس أسباب ثورة يناير وبدأ الطريق الطويل نحو معالجتها.
الثقة البحثية في تلك المقولة الأخيرة تتعلق بأمرين أساسيين أكثر من أي شيء آخر؛ الديموغرافيا وثورة الاتصالات. فمقطع عرضي واحد في صندوق السياسة والإعلام في مصر يستبين فيها لأصحاب البصر والبصيرة من هي الأجيال التي تؤيد السيسي، وأية نوعية من الوجوه والعقليات تلك التي تحوم حوله. وما كان استفتاء ٢٠١٤ سوى نموذج على التشظي المستمر لهيبة الدولة المراد حفظها.
(٣)
تطرق السيسي في حديثه أيضاً للحالة الإعلامية السائلة، التي باتت من مصادر التسلية والمسخرة، وهو في هذا يشير من بابٍ خفي إلى حلفائه الرأسماليين، وهو يعلم جذرياً حقيقة كيف يمكن لهذا الإعلام أن يسخّر لصالحه أو ضده، بينما تزداد حدة الصراع بين الجيش ورجال البيزنس على وراثة الاقتصاد المافياوي الذي استولده السادات، وجعله نظام مبارك وحشاً مخيفاً من الفساد واستغلال النفوذ.
الجنرال لا ينطق عن الهوى، ولا يُخطئ قراءة حلفائه، وهو الآن يحتاجهم أكثر من أي وقتٍ مضى، وحين يتحدث الجنرال في خطابه عن "بناء دولة ديموقراطية حديثة" ويتحاشى ذكر لفظة "مدنية" فلا أظن أن هذا محضُ نسيان أو صدفة، فالسيسي بحكم مواقعه الوظيفية السابقة يعرف أهمية الدعاية الدينية أيضاً وهو في حرب مع جماعة الإخوان بحاجة إلى السلفيين للمزايدة على الخطاب الديني الطائفي للإخوان، وإنتاج خطاب ديني طائفي آخر موازي، يصبغ بالصبغة الرسمية وينافس الإخوان على تلك الشريحة من أصوات الجماهير التي قد تستمليها العاطفة الدينية.
نجحت الدولة نسبياً – حتى الآن – في تمرير ما تريد، وهي إذ قدمت السيسي منقذاً ومخلصاً لإعادة إنتاج الماضي، فإن خطابه - حين يُسمع بأذن ناقدة - لم يعزف سوى نغمة واحدة: الشك في ملئ شقوق السلطة.
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد